--
الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
المسلمون في العالم, فضائل الأزمنة والأمكنة
-----------------------
محمد أحمد حسين
القدس
1/2/1426
المسجد الأقصى
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- مكيدة يهودية جديدة للإضرار بالمسجد الأقصى. 2- مكانة المسجد الأقصى وأرض الإسراء في الإسلام. 3- الحثّ على عمارة المسجد الأقصى. 4- أزليّة الصراع بين الحق والباطل. 5- دور المرابطين من أبناء فلسطين في الذود عن المسجد الأقصى.
-------------------------
الخطبة الأولى
عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم وطاعته، وأحذركم وإياي من عصيانه ومخالفة أمره بقوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46].
أيها المسلمون، أيها المرابطون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، بعد التحذيرات الكثيرة التي صدرت عن جهات أمنية إسرائيلية بِنيّة المتطرفين والمستوطنين اليهود المسّ بالمسجد الأقصى المبارك تأتي الدعوة من غُلاة المستوطنين وقادتهم باقتِحام المسجد الأقصى بأعداد كبيرة تَصِل إلى عشرة آلاف مستوطن كما نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية والمحلّيّة، وذلك في اليوم العاشر من شهر نيسان القادم.
والهدف المعلن من هذه الدعوة هو فرض واقع جديد يُمَكّن المستوطنين من ممارسة طقوسهم الدينية في مكان هَيْكلهم المزعوم الذي ما برحت التنظيمات والجماعات اليهودية المتطَرّفة تحرّض على إقامته مكان المسجد الأقصى المبارك. خاب إفْكُها، وطاش سهمها. فما زالت ذرّية المسلمين في هذه الديار المباركة ديار الإسراء والمعراج تفتدي أقصاها المبارك بالمُهَجِ والأرواح، ولا زالت العقيدة التي تمثّل الأقصى تردّد نداء التوحيد الذي رفعه بلال وحوله الصحابة الكرام، يقودهم الفاروق الذي رعى لغير المسلمين حقوقهم وأمنهم على أنفسهم وأماكن عبادتهم انطلاقًا من عدالة الإسلام وعملاً بنصوص القرآن الذي قرّر الله فيه ربط المسجد الأقصى بالمسجد الحرام في رباط عقدي لا انفصام له، وجعل المسجدين المباركين رمزين من رموز الدين الإسلامي وقبلة لصلاة المسلمين، في المسجد الأقصى والقدس فُرِضت الصلاة على المسلمين، وهي عمود الدين وركنه العظيم، ومعراج أرواح المؤمنين إلى رب العالمين.
أيها المسلمون، يا إخوة الإسلام في كل مكان، انطلاقًا من هذه العقيدة المتينة وتجسيدًا لكل هذه القيم الكريمة والمبادئ النبيلة حرص المسلمون منذ تشرفت هذه البقاع الطاهرة بالإسراء بنبينا إلينا وعروجه منها، حرصوا على تنفيذ القرار الربّاني بإسلاميتها ورعاية مسجدها ودفع غَوائل الأعداء عنها، فجاءها الصحابة رضوان الله عليهم فاتحين، وسكنوا أرضها، ورابطوا فيها، وجاوروا مسجدها المبارك، وحرصوا على إعماره وعمارته، وغدت مدينة القدس تضجّ بالعلم والعلماء، وتحكي حضارة المسلمين من خلال مساجدها ومدارسها وأربطتها التي تنتشر حول أروقة المسجد الأقصى وفي كل حواري المدينة المقدسة وأزقّتها، وهي شواهد حَيّة على حضارة المسلمين وعروبة القدس مهما حاولت يد الطمس أن تنال منها لإحلال حضارة موهومة أو لإثبات حقوق مزعومة.
يقول ابن تيمية رحمه الله في مناقب الشام وأهله بعد ذكر الآيات التي تحدثت عن بركتها، قال: "وفيها المسجد الأقصى، وفيها مبعث الأنبياء، وإليها هجرة إبراهيم، وإليها مسرى نبينا، ومنها معراجه، وبها ملكه وعمود دينه وكتابه والطائفة المنصورة من أمته، وإليها المحشر والمعاد".
وقد [رُوِيَ] في الحديث الشريف عن ميمونة مولاة النبي قالت: يا نبي الله، أفتنا في بيت المقدس، فقال: ((أرض المنشر والمحشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه))، قالت: أرأيت من لم يُطق أن يتحمّل إليه أو يأتيه؟ قال: ((فليُهدِ إليه زيتًا يُسرَج فيه، فإن من أهدى له كان كمن صلّى فيه)). وفي هذا الحديث توجيه نبوي بالحثّ على إعمار المسجد الأقصى بالطاعات، وعلى رأسها الصلاة، وكذلك عمارته المادية من ترميم وصيانة، إذ لا يُتصّور إسراج المسجد دون أن يكون عامرًا وصالحًا لاستقبال المصلين والمتعبدين والزائرين. وقد أثنى الله تعالى على القائمين بعمارة المساجد معنويًا وماديًا بقوله: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:18].
وفي الحديث الشريف الذي يرويه ذو الأصابع قال: قلت: يا رسول الله، أين تأمرنا إن ابتُلِينا بعدك بالبقاء؟ قال: ((عليك ببيت المقدس، فلعلّه أن يَنشأ لك ذرّيةٌ يغدون إلى ذلك المسجد ويروحون)).
-------------------------
الخطبة الثانية
وبعد: أيها المسلمون، إن حالة الهوان والضعف التي تعيشها أمّتكم هي التي أغرت الأمم الأخرى بالاعتداء عليكم والطمع في بلادكم وثرواتكم، لكن عَمِد أعداءُ دينكم إلى إطفاء نور هذا الدين من خلال إبعادكم عن الاحتكام إلى شرع الله والرجوع إليه في جميع شؤون حياتكم، يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة:32].
أيها المسلمون، إن الناظر إلى ما يجري في دنيا المسلمين ليجزم بأن الصراع بين الحق الذي تؤمنون به وتحملونه عقيدة في صدوركم وبين الباطل الذي يَحشُد كلَّ قُواه ويُسخّر كل طاقاته وأعوانه للقضاء عليه؛ أن هذا الصراع لن ينتهي بمسالمتكم لقوى الباطل والرضا بتنفيذ مخططاتها والسير في ركابها ولا بتقديم عزّة الأمة وكرامتها قرابين على مذبح الهوان لأعدائكم، فالله تعالى يقول وقوله الفصل: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217]، فادفعوا الرِّدّة عن أنفسكم، وخذوا العبرة من سيرة أسلافكم الذين حملوا هذا الدين عقيدة وشريعة، تنظّم الحياة والأحياء، وتنشر العدل، وتدفع الظلم، وتحمي كرامة المسلمين، وتردّ الطامعين والمعتدين، وتحفظ أعراض المسلمين، وتعيد نخوة المعتصم وعزيمة صلاح الدين، وتُطيح بالمتخاذلين عن نصرة الدين والمتآمرين على مقدّرات الأمة والمتاجرين بكرامتها من الحكام الذين أصمّوا آذانهم عن سماع استغاثة الملهوفين من أبناء أمتهم.
أيها المسلمون، يا أبناء ديار الإسراء والمعراج، لقد استطاع شعبكم المرابط في هذه الديار المباركة أن يحافظ ويتمسك بحقوقه ويرعى مقدساته ويذود عنها رغم شراسة الاحتلال وصَلَف المحتلين.
ولقد أفشلتم ـ أيها المرابطون ـ كثيرًا من مخططات الاحتلال التي استهدفت وجودكم في هذه الديار، فلم يُفلح الحصار ولا السجّان بكَسْر إرادتكم في الحياة والصمود واستشراف آفاق الحرية التي تتوق إليها كل نفس أَبيّة تأبى الهوان. ولقد كنتم على الدوام الحرّاس الأوفياء والسَّدَنَة الأُمَناء لمقدّساتكم، وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك، فقد أكرمكم الله بفضل الرباط في بيت المقدس، وحَبَاكم شرفًا عظيمًا بِسِدَانة مسجدها المبارك الذي يتطلع الملايين من أبناء المسلمين لزيارته وأداء الصلاة فيه عملاً بقول صاحب الإسراء والمعراج عليه الصلاة والسلام: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ، ومسجد الأقصى)).
فوطّنوا أنفسكم ـ يا أبناء القدس وأكنافها ـ على شدّ الرحال إلى المسجد الأقصى في جميع الأوقات والأيام، واجعلوا من أوقاتكم نصيبًا للعبادة والاعتكاف في المسجد حيث الثواب الجزيل والأجر العظيم، عسى الله تعالى أن يردّ بكم كيد الكائدين واعتداء المعتدين، فلقد أفشلتم بوقفتكم الشجاعة مع مسجدكم كل محاولات النيل منه، وبقي المسجد الأقصى عامرًا بكم، ينادي أمة المسلمين ويدعوها إلى عودة مُظفّرة لاستئناف الحياة الإسلامية الكريمة بخلافتها الراشدة، وما ذلك بعزيز على أمة دستورها القرآن وقائدها محمد .

المصدر: المنبر
abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 51 مشاهدة
نشرت فى 27 ديسمبر 2011 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

419,492