أمير سعيد | 27-09-2011 00:06

لقد ارتفع مستوى التوتر لأقصى مداه حينها، النقطة العليا لمنحنى الاضطرابات وصل ذروته في تلك اللحظة، وفي هذا التوقيت كان لابد أن يتخذ إجراء يدرك كل حاكم أنه ذو حدين، وأنه قد يودي به، لكن آخر الدواء كان الكي كما هو معلوم، ولم يكن بد من نزول الجيش لإحلال الأمن في البلاد، بعد أن سدت الطرق الأخرى، وقد كان لدى صانع القرار هاجس لا تخطئه العيون.. إن كل التجارب في بلدان إفريقيا وأمريكا الجنوبية تفيد بأن إنزال الجيش إلى الشوارع يضعه بين خيارين إما مساندة الحاكم والمقامرة بتحدي الشعوب أو إدارة البلاد بنفسه وإطاحة الحاكم...
بعض التجارب تصبح فيها القيادة العسكرية زاهدة في الحكم راغبة في إخراج البلاد من محنتها، وتجارب أخرى غالبة في تلك البلدان تجد القيادة العسكرية فيها فرصتها لحكم البلاد بشكل مباشر أو من وراء ستار تحت ذريعة إقامة نظام حر وشفاف، وفي الأخير تجري شيطنة السابق.. صاحب القرار أدرك أنه سواء أصفت النوايا أم لم تصف فإنه سيغادر منصبه إن فتر التأييد الغربي له، واستمرت الثورة أو بالأحرى المظاهرات على توهجها، لكنه علم أن لا قبل له بحل المعضلة وحده فاتخذ القرار..
وجد المتظاهرون في مساء 28 يناير أنفسهم أمام أرتال من القوات المسلحة تجوب البلاد؛ فهتفوا مرحبين: "الجيش والشعب (إيد) واحدة"، واستحضروا على الفور قرار رشيد عمار قائد الجيش التونسي الذي انحاز إلى الشعب برفض إطلاق النار على المتظاهرين، ومن ذاكرتهم الوطنية تاريخ مشرف لجيش عريق.. كان المشهد مفعم بالبهجة والارتياح.. بدأت تتسرب أولى الأنباء: لقد أعطيت الأوامر بتوجه القوات لحماية المنشآت العامة، لكن أولى الصور للمركبات العسكرية التي بثتها قناة الجزيرة كانت تحمل شارة الحرس الجمهوري الذي توجهت طلائعه لحماية أهم السفارات في مصر.. السفارة الأمريكية ـ والبريطانية بدرجة أقل ـ كانت إحدى أهم تلك المنشآت ـ بحسب الجزيرة ساعتئذ ـ التي حرص صاحب القرار على توفير أقصى درجات الحماية لها.. أثار ذلك اندهاشاً لحظياً سرعان ما جرفه النسيان في زحمة الأحداث المصرية المصيرية، ليس لأن تلك السفارة بالذات حامت حولها شبهات قوية في بادئ الأحداث بسبب قضية السيارة الدبلوماسية البيضاء التي دهست أكثر من عشرين متظاهراً فحسب والتي طمرت بشكل مريب فيما بعد، بل لأن البعض تعجب من مدى حساسية أمن السفارة الأمريكية في تلك اللحظات التي كانت تضرب فيها الفوضى مصر كلها للحد الذي "خيل لهم" أن السفارة كانت تمارس دوراً أكبر من كونها "تراقب الأحداث عن كثب" مثلما كانت الدبلوماسية الأمريكية تعلن!
بعض الطيبين بعد شهور من الثورة "خيل لهم" أن بوسعهم فتح طريق السفارة المغلق بأمر سيادي منذ حكم المخلوع عن طريق أحكام القضاء، بيد أن حكماً قضائياً تلو الآخر لم يفلح في تغيير الواقع، ولم تزل السيادة الأمريكية القانونية وفقاً للقانون الدولي الذي يجعل أرض السفارة أرضاً للدولة المستضافة، لم تزل ممتدة إلى الشوارع المحيطة وربما أبعد من ذلك.
وحدها السفارة الصهيونية التي تعرضت لبعض المشكلات البسيطة، التي لم تغضب تل أبيب ولم تثر حفيظة العواصم الكبرى قياساً بأي حادثة أخرى تمس سيادة السفارات، وقد كانت السلطات لدينا قد "ركعت" المتظاهرين قبل شهور عندما اقتربوا من السفارة، غير أنها "كرمت" غيرهم عندما "بالغوا في الاقتراب"، وتوجت التكريم بإعادة تفعيل قانون الطوارئ، ليلائم مرحلة تطويق الانتخابات، لتبرهن الأحداث من صمت تل أبيب، وحظوة السفارة الأمريكية بمخالفة القضاء، وتمديد الطوارئ بمخالفة الإعلان الدستوري، ومن قبل الإبقاء على جهاز أمن الدولة، وعرقلة مطالب القضاة على أن ثمة أضلاع لن تتغير أبداً في منظومة إدارة الحكم المصري.
السفارة الأمريكية كانت بأهمية أن تمنح حماية إضافية واستثنائية أكبر من المنشآت الحيوية في البلاد والتي كانت النيران تشتعل في بعضها، وامتدت المخاطر إليها إلى الحد الذي جعل وزارة الداخلية تقتحم ويعبث بشاراتها وتتبعها العديد من مديريات الأمن الحيوية في البلاد ومباني المحافظات وأقسام الشرطة، لكن السفارة بدت صامدة لا تجرؤ السيارات حتى على المرور من الشوارع المحيطة بها، منذ أقصى درجات التوتر والفوضى وإلى تلك اللحظات التي ارتخت فيها أيدي الأمن عمداً تمهيداً لتمديد قانون الطوارئ سيئ الصيت والسمعة؛ فلماذا؟!

يسمح للإعلام بأن يلوك سمعة الرئيس المخلوع بكل الفضائح والجرائم وهو بها جدير، ويتعرض لمحاكمة مهينة وإن كانت مخملية، ولكن لا يسمح بأن تفتح ملفات الخيانة العظمى، ولا العلاقات بالكيان الصهيوني والولايات المتحدة، على الأقل قضائياً، حتى يساءل البسطاء أقرانهم: إذا كان تصدير الغاز بثمن بخس لـ"إسرائيل" جريمة تستوجب المحاكمة فلماذا نصر حتى الآن على استمرارها؟ وإذا كانت حماية "إسرائيل" فضيحة فلماذا نواصل تقييد غزة بوثاق حريري؟ وإذا كانت السياسة الخارجية المصرية هي ذاتها لما بعد مبارك؛ فلماذا خرجنا عليه لـ"تقزيمه دور مصر"؟!

 


هل ضجت البلاد ضد مبارك لأنها كانت تطارد لصاً أو لأنها أرادت أن تزيل وجها بغيضاً أحال مصر لمستعمرة أمريكية؟ هل استمرار النفوذ الأمريكي والصلف الصهيوني وتسلطهما حتى على إرادة الشعب المصري يعني أننا غيرنا نظاماً وأحدثنا انفراجه في جدار التبعية الصفيق، أو أننا خلعنا رأساً وأبقينا سياسة وجسداً ما زالا يواصلان تقزيم مصر وإلزامها تبعية وخضوعاً سرمدياً؟!

 

دعونا لا نغرق في تفاصيل المشهد؛ فخطوطه العريضة لا تشي بأن القادم هو "مصر جديدة"، وأن حجم وأدوات نفوذ الأمريكيين في بلادنا لم يبرح مكانه كثيراً، ومن بينها تلك الأدوات التي كانت تمارس القمع بفجاجة فعادت تراقبه الآن بدقة انتظاراً للحظة
الانقضاض.

[email protected]

 

 

المصدر: المصريون
abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 41 مشاهدة
نشرت فى 10 ديسمبر 2011 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

419,685