أمير سعيد | 09-12-2011 15:32
يحزننى أن أقول إن من يظن أن حكومة الجنزورى وضعت لتكون مؤقتة هو شخص واهم، لم يدر بعد الطريقة التى يفكر بها نظام مبارك المعدل؛ فالحكومة سميت إنقاذ وطنى ولم تسم مؤقتة، وفارق كبير بينهما، والأولى لا يضرب لها موعد للحل بخلاف المؤقتة، التى من الطريف أنها وصفت بها حكومتا شرف وشفيق السابقتين لها، بمعنى أن القائمين على أمر البلاد الآن لا يعترفون لا بمجلس ولا بشعب، ويعتبرون أن الفترة الانتقالية قد انتهت بالفعل، وأننا بحاجة لما يُسمى بالإنقاذ الوطنى!!
الإنقاذ الوطنى يا سادة فى العرف السياسى تعنى حكومة وحدة وطنية أى مشكلة من كل الأحزاب الرئيسية المنتخبة بحيث لا تقتصر على حكم الغالبية وحدها، وبمعنى مباشر هى حكومة تشاركية تجمع كل الأطياف فيها وتمثل كل القوى، ليس بشكل اعتباطى، وإنما وفقاً لأحجام القوى فى البرلمان، وحتى مع هذا فلها حد ينتهى بانتهاء الانتخابات التالية، فهل تتصف حكومة الجنزورى بشىء من هذا؟
بالطبع لا، فالحاصل أنها حكومة مكونة من بقايا النظام السابق مطعمة بأحزابه الكرتونية الفاشلة كالوفد والتجمع اللذين كشفتهم انتخابات نزيهة ولم تكن تعليهم حتى المزورة، وبالتالى نحن أمام ركام "مباركى" يسوق له على أنه "إنقاذ وطنى" وهو لا يمثل إلا شقاء وارتداداً وطنياً يعمل على إخماد الروح الثورية شيئاً فشيئاً، والظاهر منه هو الصمت من الجميع على تضمينه لمجموعة من الفلول والفاشلين، وهو يعنى أن النظام المباركى المعدل لم ير بعد نتائج الانتخابات (التى لم يعلق على نتائجها حتى الآن لحاجة فى نفس مجلس قضاها).
ما يعنيه هذا، أننا إزاء نظام ممانع بكل قوته للثورة ومكتسباتها، ولا يتحرك باتجاهها إلا تحت ضغط الشارع وميادينه، ولا يستسلم أبداً فى مسعاه نحو إعادة مصر إلى الخلف، وأن كل خطوة يخطوها باتجاه صحيح ليست إلا تحت طائلة الإذعان لقوة قاهرة يخشى تحولها إلى ثورة جديدة، وهذا هو الفيصل لديه، وهو الراسم لسياسته، بمعنى أنه فى قرارة نفسه يناوئ بقوة كل محاولات الإصلاح، ويراها استحقاقاً اضطرارياً لا يلجأ إليه إلا حالم يجد الطرق الملتوية كلها مسدودة.
إن وجود وزراء اختارهم مبارك نفسه بكل ما عرفناه عنه من خسة طبع، وتآمر على وطنه وأبناء شعبه، لا يجعلهم موضع قبول فى حكومة ثورة مهما قيل عن كفاءتهم وإجادتهم، ولا كذلك حكومة إنقاذ وطنى، وأقرب ما يمكن أن توصف به أنها حكومة الحزب الوطنى المنحل، والذى خسر مرتين، مرة باللكمة الثورية الخاطفة، والأخرى بالقاضية الفنية فى الانتخابات، وهو ما لا يصح له وصف إلا إصراراً على تعكير المزاج الشعبى، واجترار الماضى بكل أتراحه وأحزانه فى وقت تحتفل فيه الجماهير بعرسها الانتخابى النزيه.
ولعل الدليل الدامغ على سوء الطوية وراء لملمة هذه التركيبة الملفوظة شعبياً وسياسياً، أن النظام الذى يشدد بكل إصرار وتصميم على أن الحكومة لا تشكلها الغالبية فى البرلمان، لم تلق بالاً بهذه الأكثرية النيابية حتى من باب الاسترشاد، والدعم، وكأنها ستصبح حكومة فى الفراغ الجوى المصرى لا يطالها الأكسجين الثورى ولا يعنيها، لأنها ببساطة جامدة لا تتنفسه.. فهى ليست حكومة منتخبة، ولا يعنيها حتى البرلمان المنتخب؛ فهى صائرة إلى أدنى ما كانت تفعله حكومات الحزب الوطنى البائدة، لأن الأخيرة على الأقل كانت تتذرع بأنها تمثل غالبية برلمانية حتى لو كانت مزورة، ولكن هذه لا تلجأ إلى التزوير أصلاً لأنها لا تمانع فى وجود مكلمة اسمها مجلس الشعب يمكن أن يمثل إحدى غرف الدردشة الوقورة فى عالمنا السياسى المصرى.
والأدهى من ذلك أنها لا تصادر حق الحكومة المنتخبة، بل تجاوز إلى حق الرئيس المنتخب أيضاً حال انتخابه لأننا لا نعرف متى سينتهى مفعول هذه الحكومة الملغومة، قبل انتخاب الرئيس أم بعده، ومتى بعده تحديداً؟!
هو إذن كائن ممسوخ، لا يعرف له ملامح، ولا يحده حدود، منفلت من كل عقال، ويمثل الصورة السريالية التى لا تقل عنه غرابة إلا الحديث عن إعلان دستورى يحدد "صلاحيات" المجلس "الاستشارى" المعين هو الآخر فى منظومة التعيين المعتمدة؛ وهو ما يمثل نوعاً من التدليس الرسمى بإرغام المصريين على بلع مجلس له صلاحيات تحت لافتة "استشارية"، وهما أمران متناقضان تماماً، إذ كيف يكون للمستشار صلاحية إلا فى دواليب حكم ما بعد "الثورة"؟! وهو الأسلوب الفج الذى حاولت الحكومة السابقة التلبيس به على الشعب المصرى بجر أرجل القوى السياسية لوثيقة قيل فى العلن إنها "استرشادية"، ثم لما جلس المجتمعون حول الطاولة قيل لهم: كيف لنا أن نجلسكم أيها الأكابر من أجل مكلمة، إنها وثيقة ملزمة!!
إنه نظام حواة يخرج لنا كل ساعة أرانبه من القبعة، بمعاونة مبدعة من حكومة الحزب الوطنى المزمنة، ومن ترزية قوانين سرور والمحجوب، الذين حولوا البرلمان من "سيد قراره" إلى "سيد قشطة"!



ساحة النقاش