authentication required



د.سعيد إسماعيل على | 06-12-2011 14:09

كنت قد عنونت أحد مقالاتى منذ شهور بمصطلح " الانفلات الإعلامى "، لكنى أرى الآن أن المسألة تجاوزت " الانفلات"، الذى قد يكون به قدر من عشوائية، وعدم تعمد، إلى" فتنة " التى تحمل معانى الإرادية والتوجيه المقصود..وإن حاولنا أن نخفف بعض الشىء قلنا أنها ربما تقوم على " جهل"...

فمنذ ثلاثة أيام تصادف أن جاء لى مؤشر تقليب" القنوات التلفيزيونية، بقناة يطل علينا مذيعها الذى كان بوقًا متميزًا من أبواب النظام السابق، فإذا به الآن، وبقدرة قادر، من مذيعى الثورة..كان فيما يبدو قد بدأ الكلام قبل أن أصل إليه، فإذا به يقول إن "حماس"، على أرض فلسطين، قد تحدثت كثيرًا إلى الشعب، عن الصلاة والصوم والحجاب والتدين وأهميته..وهكذا ، فأعجب الناس بها وانتخبوها..

لكن، بعد فترة، استقلت حماس بمنطقة غزة, لتقيم لها دولتها الخاصة، وانتظر الناس ما هم بحاجة إليه من طعام وملبس ومشرب، وتعليم، وتجارة واقتصاد، فلم يجدوا شيئًا..فبدأوا ينقلبون عليها، حيث أن الناس، مهما كان، يريدون- حسب تعبير المذيع نصا- " المم"، لا مجرد شعارات..

وهكذا انتقل ناصحًا الإسلاميين المصريين وهم فى أول الطريق، بعد أن اختارهم الناس، أن يركزوا على مشكلات الناس، ولا يكتفوا بالشعارت التى لا تطعم ولا تكسى، ولا تأوى..

وجه المغالطة فى هذا أن حماس لم تستقل بأرضها هكذا لمجرد الرغبة فى ذلك، فقد كان ذلك نتيجة تداعيات متعددة، لا يتسع المقام لذكرها، انتهت إلى "حصار"، هو الذى منع عن الفلسطينيين، الماء والهواء والطعام، وكل ما يمكن أن يعين على بناء الجماعة. ومذ أيامها الأولى بعد الفوز باختيار الشعب الفلسطينى، وقفت القوى المهيمنة ضد حماس، وضد الاعتراف بها، ومقاطعتها، فضلا عن إطلاق التخويفات التى ما أنزل الله بها من سلطان، وإن كان هذا لا ينزع عن حماس جزءًا من المسئولية فى إدارة الأزمة.

وهل ننسى الغارات الإسرائيلية المستمر، والتى تُوجت بحرب مدمرة، أول 2008..

ومن قال إن التوجه الإسلامى مشغول فقط " بالعبادات " ولا يضع على رأس أولوياته عملية النهوض الحضارى، التى هى فى حد ذاتها، حزمة من البرامج والخطط والأفكار، التى تتحقق بها جوانب" القوة "، التى أمر الله المسلمين أن يتصفوا بها عن غيرهم؟

وهكذا يساهم هؤلاء الإعلاميون، فى ترويج أكاذيب عن الإسلاميين، مساهمة فى الترهيب الحادث، وكأن من كانوا يحكموننا من اللصوص والمفسدين، وتوابع الصهيونية وأمريكا، كانوا أهون على مصر من فريق من أبناء الوطن، سوف يتاح لهم لأول مرة منذ قرون عديدة أن يحكموا البلاد، لتنشر الافتراءات والترويعات.

خطيب الجمعة "الزاعق" دائمًا:

سبق لى أن كتبت عن خطيب المسجد الذى أؤدى فيه صلاة الجمعة " السيدة عائشة " بالنزهة بمصر الجديدة، الذى لو جاء مصلِ جديد لم يسبق له أن تعود سماع الرجل، لظن فى التو واللحظة، أن الرجل، قبل أن يصعد على المنبر، قد تعارك مع أحد، وبدأ الخطبة قبل أن يتخلص من مؤثرات الغضب والنكد!

فالخبيرون بمؤسسات الاتصال، كالإعلام والدعوة والتعليم، يعرفون جيدًا أن ألف باء مخاطبة الناس، أن يكون لكل مقام مقال، وأن نبرة الصوت، ترتفع وتتوسط وتعلو، وفقا لطبيعة الموضوع، فيعلو مرة وينخفض أخرى، ويتوسط ثالثة وهكذا.

لكن صاحبنا، دائما "يزعق"، أيا كان الموضوع، ومهما كان الموقف، حتى لقد كان موضوع خطبته منذ أسبوعين عن "التسامح"، و"العفو"، فتوقعت أن يسود الهدوء خطبته، والصوت اللين، والعبارات الرقيقة، لكنه استمر على النهج نفسه، إلى الدرجة التى فكرت فيها مرة أن أسأله، بعد الخطبة: هل يشتبك فى عراك مع أحد فى بيته دائما قبل أن يجىء إلينا خطيبًا وواعظًا؟ ولم استطع أن أفعل، لأنى أجلس دائما آخر الصفوف، مما يجعلنى لا ألحقه!!

اختيارات الجنزورى:

ربما يذكر القراء أننى كنت من المرحبين بالجنزورى رئيس للوزراء، فى يوميات الأسبوع الماضى، لكنى اليوم أعبر عن مشاعر بها قدر من الإحباط بالنسبة لاختياراته.. لا أريد أن أسوق أمثلة، حتى لاأجرح أحدا، حيث هناك من أعرفهم معرفة جيدة، وإن كنت " أخمن " أن الرجل يواجه مأزقًا حقيقيًا، فالمدة الباقية فى الوزارة لا تتعدى ستة أشهر، فماذا يمكن لمن يتم اختياره وزيرا أن يفعل فى هذا وذاك، والظروف قد بلغت "حد السيف"، كما يقولون، ومن هنا قيل أن كثيرين عُرضت الوزارة واعتذروا، وهو رد فعل منطقى وطبيعى، إلا إذا غلّب الإنسان منطق "مرة من نفسى"، ولكى توضع فى " السيرة الذاتية "، فضلا عن منافع لا تنكر يجنيها كل من جلس على كرسى الوزارة، حتى ولو لأيام، إذ سوف يخاطبه الناس، طوال عمره، دائما : معالى الوزير..معالى الوزير!!

وفى الوقت نفسه، فإن المنطق الذى يعيب به البعض عليه من أنه يبقى على عدد غير قليل من وزراء عصام شرف، غير سليم، فالحق أن العادة قد جرت منذ عام 1952، أن يستبقى بعض الوزاراء، عند تشكيل جديد، فلماذا يستنكر هذا الآن؟

وفضلا عن ذلك، فإن معظم الوزارات مفروض أن تكون لها سياسات وخطط، فكيف لا تتاح الفرصة لوزير لم يمر على توزره ستة أشهر، بأن يذهبوا به ليأتوا بآخر، هو نفسه لن يستمر أكثر من شهور تعد على أصابع اليد؟

إن هذا لابد أن تكون له آثار سلبية سيئة على مسيرة العمل فى الكثير من الوزارات...

ويزيد الطين بلة، القول بأن الوزير فلان، لا يرضى الميدان عنه..ومع كثير احترامى لهذه المقولة، فإن ما يجعلنى أحترمها وأقدرها أن ينتظم هؤلاء فى تنظيم علنى ملموس، معروف الشخص، محدد القيادة.

إن الجنزورى نفسه، قال أنه فى أول أيامه اجتمع مع عدة مجموعات من الشباب، وهذا تصرف جيد ومطلوب، وواجب، لكنه فوجئ بأن كل مجموعة تقول شيئًا مختلفًا عن الأخرى، بل إن بعض المجموعات، ذكرت أنها هى الممثلة الحقيقية لشباب الميدان، وأن غيرها ليس كذلك!!

إن هذا - فى رأبى الشخصى- هو أبرز السلبيات التى عوقت مسار الثورة، وليس المجلس العسكرى وحده، بدليل أن الثوار عندما كانوا يتحدون فى مرة، يعقبها غالبا تحريك إلى أفضل. وإن لم يكن من الضرورى أن يكون الاتحاد دائما من خلال " مليونية " واعتصام.

بل إنك لو قمت بعملية استقراء لمواقف كتاب الصحف اليومية والأسبوعية، فسوف تجد ألوان الطيف كلها، مما يجعل من الاستجابة للجميع لا شبه مستحيلة، بل هى المستحيل نفسه، إذ مهما اختار الرجل " فلانًا " للوزارة كذا، سوف تجد هذا يمتدح التصرف، وآخر يذمه..وهكذا، وهذا " من جملة طبائع البشر" ، كما أكد لنا عبقرى العقل العربى ابن خلدون!!

أزهر..عمارة:

من أفضل اختيارات شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب حقا، اختياره للدكتور محمد عمارة ليرأس تحرير المجلة العريقة( الأزهر)، ولست بحاجة لأن أخبر القراء عمن هو الدكتور عمارة، فمدفعيته الفكرية الثقيلة التى يقف بها على ثغر الإسلام، تجعل واحدا مثلى يعتبره " حجة الإسلام " ، فى العصر الحاضر، إذا كان الإمام الغزالى هو حجة الإسلامى، منذ قرون خلت.

فبالإضافة إلى ما يتمضنه كل عدد من دراسة لمفكرنا العظيم، يحرص على أن يتضمن كل عدد، بعضا من الإنتاج الفكرى العظيم لبعض الرواد، مثل الشيخ محمد عبد، ومحمد عبد الله دراز، ومحمد الخضر حسين. ثم يضيف إلى جيل الرواد، جيل آخر، حمل الراية من بعدهم، مثل طارق البشرى، ومحمد العوا، ونادية مصطفى، وحورية مجاهد، وسيد دسوقى، وعماد الدين خليل، وغيرهم ممالا يتسع المقام للإشارة إليهم.

وهكذا يجد القارىء بين يديه، ما يشبه دائرة المعارف الفكرية الإسلامية، ذات المستوى الرفيع، ثم يزيد على ذلك، فيتيح الفرصة للقراء أن يطلعوا على أصل كتاب من الكتب" العلامة " على طريق الفكر الإسلامى، مثلما حدث بالنسبة لعددى، ذى الحجة، والمحرم، حيث تم نشر ملحقٍ بكتاب طبائع الاستبداد لعبد الرحمن الكواكبى..

تحية لشيخ الأزهر، على حسن اختياره لرئيس التحرير، وتحية للدكتور عمارة على عمق ما أصبحت عليه مجلة الأزهر..وتحية لكل من يسهم بلبنة فى بناء هذا الصرح المحترم.

المصدر: المصريون
abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 31 مشاهدة
نشرت فى 9 ديسمبر 2011 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

419,956