د. حمدي شعيب | 25-11-2011 14:18
سيدي الحبيب صلى الله عليكم وسلم ...ها هي نسائم شهر المحرم دوماً كالعهد بها تهل علينا وتهيج معها ذكريات الهجرة؛ فتثير داخلنا روابطها الذهنية الودودة؛ والتي تربطنا بأحداث عظام حولها؛ شارك فيها كل من أحاطوا بكم، وسعد بصنع أحداثها كل من عرفوكم، وتشرف الإنس والجن بل والوجود كله بمشاهدة فعاليتها وساهم في إنجاحها؛ فتغيروا معها أو ولدوا معها وتغير معهم التاريخ البشري.
ولعلها حكمة رائعة أن تبدأ أعوامنا من تاريخ هجرتكم الطيبة؛ كعنوان لميلاد أمة الرسالة الخاتمة. لذا تجدنا مع هذه الذكرى المباركة؛ وكأننا ولدنا من جديد؛ فتطير القلوب شوقاً لرؤياكم، وتدمع العيون حباً لشخصكم الحبيب، وتسمو النفوس روحانية بالإكثار من الصلاة والسلام عليكم.
ومن باب تجديد قراءتنا لذكرى الهجرة؛ نجدها توقظ فينا رؤية جديدة وهي أن أحداث هجرتكم تدور حول محور عظيم وهو تلك العبقرية القيادية والإدارية التي أدرتموها بها.فما هي المهارات القيادية والإدرية في الهجرة:سيدي؛ عندما نتأمل كيف بدأت فكرة الهجرة من مكة إلى المدينة؛ فإننا نلاحظ هذه الرسائل:
1- فقه الواقع ... وأدب المراجعات: بعد سلسلة من المحن المتلاحقة؛ أبرزها محنة وفاة خديجة رضي الله عنها؛ والتي كانت بمثابة الملاذ الداخلي للداعية، وكذلك موت أبي طالب؛ والذي كان يعتبر الملاذ الخارجي؛ حتى سمي عام الحزن؛ وما تلاه من أحداث أهمها محنة الطائف وعصيان ثقيف؛ فلم تتجمد الحركة الدعوية، ولم يتقوقع الداعية على أحزانه، كما كان متوقعاً لها وله من مناوئي الدعوة.فجاء التفكير في تجديد أسلوب المسيرة الدعوية؛ فخرجتم إلى الناس لتفتح أبواباً جديدة، تكسر طوق الحصار والتعتيم والتجهيل القرشي الرهيب حول الدعوة والداعية، وذهبتم إلى القبائل أثناء مواسم الحج، في العام العاشر والحادي عشر من البعثة لعرض الفكرة، وطلباً للنصرة والمنعة.فعبرت الدعوة إلى مرحلة جديدة، وبدأت قفزة تجديدية رائدة في أسلوب الخروج إلى الناس.فبدأت بشريات الانفراجة السماوية العلوية؛ بحادث الإسراء المعراج، من باب التأييد الإلهي.وتلتها البشريات الأرضية؛ بحادثتي بيعة العقبة الأولى والثانية؛ بعد تحرك واعٍ، وجهد بشري ذكي.وتلك هي الرسالة التربوية والإدارية الأولى؛ وهي أنه من الحكمة أن نقف عند بعض اللحظات الفارقة؛ خاصة عندما نتعرض لبعض المعوقات ونمارس أدب المراجعات؛ بناءً على فقه للواقع ومعرفة بإمكاناتنا وقدراتنا؛ فنقف لنقيم أنفسنا، ولنقيم أعمالنا وأقوالنا، ونراجع ما أنجزناه ونفكر في كيفية عبور الفجوة التي تمنعنا من تحقيق أهدافنا، وللتغلب على المعوقات والبحث عن تجديد في الوسائل؟!.
2- تحديد الهدف:عندما وضعتم أيها الحبيب صلى الله عليكم وسلم هدفاً مرحلياً (تكتيكياً)؛ وهو إقامة المجتمع المسلم في المدينة، على طريق الهدف البعيد (الاستراتيجي)؛ وهو إقامة الدولة المسلمة، والتمكين لدين الله في الأرض.كان من أهم وأبرز الأهداف المرحلية؛ هو الهجرة إلى المدينة.وحتى يتحول هذا الهدف إلى واقع أو إنجاز ملموس؛ فقد وضعتم صلى الله عليكم وسلم لهذا الهدف خطة الهجرة؛ والتي تميزت بكل الصفات الإدارية لأي خطة. والخطة هي قائمة الأنشطة أو الإجراءات التي ستأخذك من حيث أنت إلى حيث ما تريد مستقبلاً. وهي رسالة تبين أهمية تحديد الهدف، ووضع خطة متدرجة وموقتة بإجراءات واقعية تحقق الهدف.
وإلى لقاء قريب نستكمل الحديث.
خبير تربوي وعلاقات أسرية - زميل الجمعية الكندية لطب الأطفال [email protected]



ساحة النقاش