-----------------------
الرقاق والأخلاق والآداب
الآداب والحقوق العامة
-----------------------
فرج بن حسن البوسيفي
بنغازي
الأرقم بن أبي الأرقم
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- التعريف بكلمة الحقوق. 2- أهمية الحقوق والواجبات بين الناس. 3- من الحقوق التي جاء بها الإسلام: رد السلام، عيادة المريض، اتباع الجنازة. 4- على المؤمن أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. 5- المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. 6- التحذير من الوقوع في النميمة. 7- الحث على التواضع.
-------------------------
الخطبة الأولى
حقوق المسلم على أخيه المسلم كثيرة سهلة على مَن إلى الخير وفّقه الله، وإنها لصعبة عسيرة على من إلى الشيطان أسلم قياده فأغواه.
وإن الحقوق جمع حقّ، والحقّ كلمة نستعملها في معنى الصدق والصواب، وفي الأمور البدهيات، وكأنّ الإنسان الذي لم يلتزم بحقوق أخيه الإنسان إنسان كاذب في معاملته، يتيه وراء الخيال، حيث إن الإنسان بطبعه كائن اجتماعي، يُحاط بالناس في منزله وفي الشارع وفي العمل وفي جميع أماكن تجمّعه، وإن الذي لا يَألف ولا يُؤلف إنما هو ذلك الذي يعيش في أدغال الغابات والكهوف.
فأنت ـ أيها الإنسان ـ من خيط إبرتك إلى سفينتك لا محيد لك ولا صول لك إليها إلا بأخيك الإنسان، وهذا من جانب مادي، وأما من الجانب المعنوي فلكلّ منا أفراح وأتراح، سعادة وأحزان، وإذا لم نبن صرح الحقوق والواجبات انهدم نظام الأسرة والجماعات.
لقد جاء الإسلام بأخوة الدين وبرّ الوالدين وصلة الأرحام والعطف على الصغير وتوقير الكبير، كما قال القائل:
اصدق وعفّ وبرّ واصبر واحتمل…واصفح وكافِ ودارِ واحلم واشجع
والطف ولِن وتأن وارفق واتّئد…واحزم وجدّ وحامِ واحمل وادفع
رباط متين من الأخلاق والسلوك، وتيجان لا كتيجان الملوك، يضعها ربّنا بين أيدينا مكلّلة بهدي السماء وبتوضيح سيد الأنبياء ، لعلّنا نعتصم ونتّحد.
من حق أخيك المسلم عليك أن ترد عليه السلام إذا سلّم عليك، وأن تزوره إذا مرض، وترفع معنوياته وتتّعظ، فكم من صحيح ذهب لمريض وطبيب عاد مريضًا وعالجه، فبرئ المريض ومات العُوّاد والطبيب.
وصحيح أضحى يعودُ مريضًا…وهو أدنى للموت ممن يعود
كم من عليل قد تخطاه الردى…فنجا ومات طبيبه والعود
إذا زرت المريض أدخلت على قلبه السرور، وكان مرضه نعمة من الله عليك، حيث مَنَّ عليك ببدن صحيح، وغيرك على فراش المرض والعجز يتقلّب، فيزيد ذلك من شكرك لمولاك، حيث أصحّ بدنك وأعطاك قوتك.
وزيارة المريض ينبغي أن تكون قصيرة؛ كي لا تملّه وتزيد من تعبه.
إذا عدت في مرض مكثرًا…فخفّف وخَف أن تملّ العليلا
وإن كان ذا فاقة مُقتِرًا…فأسعف وإن كان نَيلاً قليلاً
ومن حق المسلم أن تتبع جنازته إذا مات، وإذا حدثت عنده مناسبة تفرحه أو تحزنه فوجب عليك إعانته بما يحتاجه، وإذا عطس أمامك فشمّته، أي: قل عندما يعطس: يرحمك الله.
هذه المعاني الرقيقة اللطيفة جاءت على لسان من لا ينطق عن الهوى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((حق المسلم على المسلم خمس: ردّ السلام، وعيادة المريض، واتّباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس)).
مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُم [الفتح:29]، قال ابن عباس: معنى رُحَمَاء بَيْنَهُمْ: يدعو صالحهم لطالحهم، وطالحهم لصالحهم، فإذا نظر الطالح إلى الصالح من أمة محمد قال: اللهم بارك له فيما قسمت له من الخير وثبته عليه وانفعنا به، وإذا نظر الصالح إلى الطالح قال: اللهم اهده وتب عليه واغفر له عثرته.
ومن حق المسلم على أخيه المسلم أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، فإن تمني زوال نعمة الله على عباده أو الشماتة بهم أو الاستهزاء أو السخرية أو الأذية لهم كل ذلك مناف لأخوة الدين، قال : ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالحمّى والسهر))، وقال : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا))، فكما أن البناء لا يكون إلا إذا اجتمعت أجزاؤه وقويت قواعده وسقفه، فكذلك لن تكون دولة أو أمة أو شعب أو قبيلة أو عائلة أفرادها يتناحرون ويتعادون، وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران:103]، فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا.
ومن حقوق المسلمين أن لا تؤذيهم بفعل أو قول، فكم من إنسان يحب أن يعرض عضلاته على عباد الله، وكم من سفيه يتلذّذ بأعراض الناس، والنبي يقول: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده))، فإذا لم تسطع نفع المسلمين ولا نفسك فما أجمل بعدك عن أذية نفسك وغيرك، ففي الحديث: ((فإن لم تقدر ـ أي: على فعل الخير ـ فدع الناس من الشر، فإنها صدقة تصدّقت بها على نفسك))، وأفضل المسلمين من سلم المسلمون من لسانه ويده.
إن الله برحمته ومغفرته يغفر ويرحم ذنوب العباد فيما بينهم وبينه سبحانه، أما حقوق العباد فلن يغفرها سبحانه حتى يأخذ صاحب الحق حقه، فاتقوا الله عباد الله، وابتعدوا عن الأذى والظلم.
من حقوق المسلمين أن تتواضع لهم ولا تتكبر عليهم، فإن الله لا يحب كل مختال فخور، وكان من خُلُق رسول الله التواضع، فكان يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي حاجته.
كم جاهل متواضع…ستر التواضع جهله
ومميز في علمه…هدم التكبّر فضله
فدع التكبر ما حييت…ولا تصاحب أهله
فالكبر عيب للفتى…أبدًا يقبح فعله
فالتواضع سبيل يسهل لك الانتفاع من غيرك، ويسهل على غيرك أن ينتفع منك، قال : ((إن الله تعالى أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد)).
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعًا…فكم تحتها قوم هُمُ منك أرفع
فإن كنت في عز وخير ومنعة…فكم مات من قوم هُمُ منك أمنع
ومن حق المسلمين أن لا تسمع ما يقوله بعضهم على بعض من الشر، ولا يجوز لك أن تبلّغه للخصم، فإن فعلت فأنت رسول شرّ وحرب، وأنت السبب فيما يقع بينهم عندها من عداوات، وقال : ((لا يدخل الجنة نمّام)).
لا تقبلن نميمة بُلّغْتَها…وتحفظن من الذي أنباكها
إن الذي أهدى إليك نميمة…سينمّ عنك بمثلها قد حاكها
-------------------------
الخطبة الثانية
لم ترد.
(1/3850)



ساحة النقاش