-----------------------
الأسرة والمجتمع
الأرحام
-----------------------
فرج بن حسن البوسيفي
بنغازي
الأرقم بن أبي الأرقم
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- للأقارب حقوق وواجبات. 2- أهمية صلة الرحم وما جاء من النصوص في ذلك. 3- وسائل صلة الرحم. 4- من آداب الزيارة.
-------------------------
الخطبة الأولى
وبعد: فلأقاربك عليك حقوق وواجبات، ولك عليهم حقوق وواجبات، فرض ديننا وشريعتنا أن نراعي هذه الحقوق والواجبات.
فمن تلك الحقوق عدم التباعد والعقوق، وجعل الله اللعنة فيمن أعرض عن أمر الله: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22، 23]، ففي هذه الآية يذكّرنا ربنا بأن السخط والغضب على الذين يفسدون في الأرض بعد إصلاحها، ويقطعون صلتهم بأقاربهم من ذويهم.
لا خير في قربى بغير مودة…ولرب منتفع بودّ أباعد
وإذا القرابة أقبلت بمودة…فاشدد لها كفّ القبول بساعد
قال رسول الله : ((من سرّه أن يُبسط له في رزقه وأن يُنسأ له في أثره فليصل رحمه))، أي: من سره أن يوسع الله عليه في الرزق وأن يؤخر فيطيل الله عمره ببقاء ذكراه فليصل قرابته.
هذا حديث شريف مبارك، يرغب فيه رسول الله الأقارب أن يصلوا أرحامهم، كعادته في إرساء دعائم المجتمع المثالي المبارك.
أسرتك ـ أيها المؤمن ـ تتكون من أبيك وأمك، ومنك ومن إخوتك وأخواتك، وتمتدّ فتشمل أقاربك القريب منهم والبعيد، وديننا الإسلامي الحنيف حريص على أن تكون الروابط في الأسرة قوية، وأن تكون الصلات بين أفرادها وثيقة؛ لأن الأسرة هي الوحدة الصغرى التي يتكون منها المجتمع، ومتى كانت الأسر قوية كان المجتمع قويًا متماسكًا. ويتضح ذلك في هذا الحديث، فالرسول يرغب في صلة ذي القربى وفي برّهم، ويعد من يبرّ أقاربه أن الله يوسع له في رزقه، ويمدّ في عمره بتوفيقه إلى الخير والأعمال الطيبة التي تجعل حياته مباركة طويلة وإن قصرت، وتجعل ذكره جميلاً باقيًا بعد موته.
ووسائل البر بالأقارب كثيرة، منها أن يكون المرء رفيقًا بهم، ويحسن معاملتهم، ويعمل على إزالة ما قد يكون بينهم من خلاف، ويفعل ما يحبون، ويجتنب ما يكرهون، ويعين فقيرهم، ويعطف على ضعيفهم، ويشارك في مسراتهم وأحزانهم، ويبذل لهم ما يستطيع من ماله ومساعدتهم ونصيحتهم.
وليس أخي من ودّني بلسانه…ولكن أخي من ودّني في النوائب
ومن مالُه مالي إذا كنت معدمًا…ومالي له إن عضّ دهرٌ بغارب
فلا تحمدنْ عند الرخاء مؤاخيًا…فقد تنكر الإخوان عند المصائب
قال تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ [الإسراء:26]، وقال عز وجل: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى [النحل:90]، وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال : ((إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك))، ثم قال رسول الله : ((اقرؤوا إن شئتم: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22، 23])).
وينبغي للإنسان المؤمن حقًّا أن يصل رحمه ولو قطعه أقاربه، فقد جاء رجل لرسول الله وقال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ، فقال : ((لئن كنت كما قلت فكأنما تسفّهم الملّ ـ أي: الرماد الحار ـ، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دمت على ذلك))، قال الإمام النووي رحمه الله: "أي: كأنما تطعمهم الرماد الحار, وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم, ولا شيء على هذا المحسن, بل ينالهم الإثم العظيم في قطيعته وإدخالهم الأذى عليه".
ولا أدفع ابن العم يمشي على شفا…ولو بلغتني من أذاه الجنادع
ولكن أواسيه وأنسى ذنوبه…لترجعه يومًا إليَّ الرواجع
وأفرشه مالي وأحفظ عيبه…وأرعاه غيبًا بالذي هو سامع
وحسبك من جهل وسوء صنيعة…مُعاداة ذي القربى وإن قيل: قاطع
وجاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها))، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : ((الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله)).
وكما يثاب المؤمن على صلة رحمه فكذلك يضاعف له أجر صدقته إذا تصدق بها على أقاربه، ففي سنن الترمذي عن سلمان قال: قال : ((الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة)).
وكان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيْرُحَاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت هذه الآية: لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] قام أبو طلحة إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ، وإن أحبّ مالي إليَّ بيْرُحَاء، وإنها صدقة لله تعالى، أرجو برّها وذخرها عند الله تعالى، فضعها ـ يا رسول الله ـ حيث أراك الله، فقال رسول الله : ((بخ، ذلك مال رابح، بخ ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين))، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.
أقاربك أقوى الناس صلة بك، وأسرع الناس على مشاركتك فيما يسرك أو يحزنك، فأحسن إليهم تلق جزاء ذلك محبة منهم ورضوانًا من الله تعالى، واعلم بأنه لا يضيع جهد أو مال تبذله في سبيل أقاربك؛ لأن الله يجزي به أوفى الجزاء.
واعلموا أنه لا يقاس عمر الإنسان بالشهور والسنين، وإنما يقاس بما فيه من أعمال طيبة باقية الأثر.
قال رسول الله : ((يقول الله تعالى: أنا الرحمن وهذه الرحم، شققت لها اسمًا من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته))، وقال أبو ذر : أوصاني خليلي عليه السلام بصلة الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرًا. وعندما هاجر رسول الله من مكة إلى المدينة حرّضه رجل على غزو بني مدلج، فقال له : ((إن الله قد منعني من بني مدلج بصلتهم الرحم)).
وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: (مروا الأقارب أن يتزاوروا، ولا يتجاوروا). وقال بعض العلماء: أمرهم بالتزاور دون التجاور؛ لأن التجاور قد يورث التزاحم على الحقوق، وربما وحشة وقطيعة رحم.
ومسألة التزاور متوقفة على العرف، وعلى حال القريب، فَرُبَّ قريب يحب أن يزور وأن يُزار في كل يوم، كما قال أحدهم:
إذا حقّقت من خلّ ودادًا…فزره ولا تخف منه مِلالا
وكن كالشمس تطلع كل يوم…ولا تك في زيارته هلالا
وفي الوقت نفسه رأينا الذي يفضّل أن تكتحل عيناه بالسم ولا أن ترى لها قريبًا، وفي مثل هذا يصدق قول القائل:
توقّف عن الزيارة كل يوم…إذا أكثرت مللت من تزور
وقال : ((زر غِبًّا تزدد حبًّا))، أي: زر بعد أيام، ولا تجعل الزيارة متتالية؛ تزدد حبًا.
-------------------------
الخطبة الثانية
لم ترد.

(1/3849)


المصدر: المنبر
abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 111 مشاهدة
نشرت فى 22 نوفمبر 2011 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

419,477