-----------------------
الرقاق والأخلاق والآداب
فضائل الأعمال
-----------------------
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
10/9/1423
جامع الإمام تركي بن عبد الله
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- معجزات الرسل. 2- خلود معجزة النبي . 3- عظمة القرآن وفضائله. 4- الحث على تدبر القرآن الكريم. 5- حقيقة التلاوة. 6- فضل قراءة القرآن الكريم.
-------------------------
الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، إنَّ الله جل وعلا أيّد رسلَه بالمعجزات، بالآيات الدالة على صدقِ ما جاؤوا به، وأنّهم رسلُ الله حقًا، وتنوّعت تلك المعجزاتُ على حسب حال من بُعثت إليهم الرسل، والله حكيم عليم.
ومعجزاتُ الرسل انقضت بموتهم، وانتهت معجزاتُهم وبقي ذكرُها في كتاب الله العزيز، أمّا محمد خاتمُ الأنبياء والمرسلين سيد ولد آدم على الإطلاق، فقد جعل الله معجزتَه والآيةَ الدالة على صدقه هذا القرآنَ العظيم، يقول : ((ما بعث الله من نبيّ إلا آتاه من الآيات ما على مثله آمن البشر، وإنّ الذي أوتيته وحيٌ أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعا))(1)[1]، فصلوات الله وسلامه عليه أبدًا دائمًا إلى يوم الدين.
أنزل الله هذا القرآن رحمةً ونذارة للعالمين، تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1]. اختار الله لنزوله أشرفَ الأزمنة وأفضل الشهور، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185]. واختار الله لأوّل نزوله أشرفَ الليالي وأفضلها، ألا وهي ليلة القدر، إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1]، إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ [الدخان:3]. بعث الله به محمدًا للبشارة والدعوة للدين، وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَاذَا الْقُرْءانُ لأنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ [الأنعام:19]. تحدّى الله الثقلين أن يأتوا بسورة أو آية مثله فعجزوا ولو اجتمعوا، قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَاذَا الْقُرْءانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]. ضمّن الله فيه من الوعيد ما يهزّ القلوب، وَكَذالِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْءانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا [طه:113]. عظَّم الله شأنَه، وأخبر عن عظيم أمره وأنه لو خوطبت به الجبال لتصدّعت من خشية الله: لَوْ أَنزَلْنَا هَاذَا الْقُرْءانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدّعًا مّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر:21]. ضرب به الأمثال، وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَاذَا الْقُرْءانِ مِن كُلّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر:27، 28]. يسَّر الله حفظه وفهمَه لمن أراد ذلك بالإخلاص لله، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءانَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ [القمر:22]. ضمّنه الله أحسنَ القصص وأكملها، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَاذَا الْقُرْءانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [يوسف:3]. أمر الله نبيَّه أن يذكّر بهذا القرآن: فَذَكّرْ بِالْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ [ق:45].
أيها المسلم، هذا كتاب الله، خاتم كتبِ الله كلّها، أنزله الله ليكونَ خاتمًا للكتب كلّها مهيمنا عليها، يُحِقّ الحقّ ويُبطل الباطل، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة:48].
هذا القرآنُ محفوظٌ بحفظ الله، حفظ الله لفظَه فلم تستطع أيدي العابثين أن تمتدّ إليه زيادةً أو نقصانًا أو تغييرًا أو تبديلاً رغم عداء الأعداء وكثرتهم على مرور القرون، إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، فحفظ الله لفظَه، وحفظ معانيَه، وهيّأ له من يدافع عنه ويناضل عنه، ولا يزال كذلك حتى يأذن الله برفعه من المصاحف وصدور الرجال.
أيها المسلم، هذا كتاب الله، فيه خبر من قبلنا، وحكمُ ما بيننا، ونبأ ما بعدنا. هذا كتاب الله، ضمّنه الله أخلاقَ المؤمنين، وصفاتِ المنافقين، وأحوالَ الكافرين، صفات المؤمنين ليعملَ بها المسلم، وأخلاق المنافقين والكافرين ليبتعدَ عنها، فيعرف الشرَّ، فيكون على حذر وبعد منه.
أيها المسلم، هذا كتاب الله، ضمّنه الله أسبابَ السعادة في الدنيا والآخرة، بيَّن تعالى أن السعادة لمن اتَّبع هذا القرآنَ وحكّمه وتحاكم إليه، وأنّ من قبِل هذا القرآن وحكّمه وتحاكم إليه فهو السعيد في الدنيا والآخرة، هو قرير العين مطمئنّ النفس غيرُ ضالّ، بل هو في سعادة الدنيا والآخرة، فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى [طه:123]. وبيَّن عاقبةَ المعرضين عنه: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذالِكَ أَتَتْكَ ءايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذالِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:124-126]. جعله الله سببًا للهداية، فهو يهدي لمكارم الأخلاق وفضائل الأعمال، إِنَّ هَاذَا الْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]. فيه تبيانُ كلّ شيء وتفصيلُ كل شيء، وهو هدىً وبشرى للمسلمين، وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل:89]. لا تناقضَ في أحكامه، ولا اضطرابَ في أخباره، فأحكامه متّفقة، وأخباره يصدّق بعضها بعضًا، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:115]. هذا القرآنُ يتلوه المؤمنون فتجِل قلوبُهم وتخشع لربّ العالمين، اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء [الزمر:23]. جعله الله نورًا يستضيء به المسلم ليخرج به من ظلمات الجهل والضلال إلى نور العلم والهدى، قَدْ جَاءكُمْ مّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ [المائدة:15، 16]. جعله الله عزًا لأهله ورفعةً لهم في الدنيا والآخرة، لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الأنبياء:10]. ومنَّ الله على العرب إذ جعله بلغتهم تشريفًا لهم، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف:44]، أي: شرفٌ لك يا محمد، وشرفٌ لقومك، وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ [الزخرف:44].
أيها المسلم، اقرأ كتابَ الله، قراءةَ المتدبِّر المتأمّل المتعقّل، اقرأه بتدبّر وحضور قلب لتنال الخيرَ الكثير، فإن الله أمرنا بتدبّره: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لّيَدَّبَّرُواْ ءايَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو الألْبَابِ [ص:29].
تدبّر عند القراءة، وقِف عند عجائب القرآن، ترى مبدأ خلق الإنسان ومن أيّ شيء كان، إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [آل عمران:59]، ترَ فيه خبرَ آدم، وخلقَ الله له بيده، ونفخَ الروح فيه، وإسجادَ الملائكة له، وإدخالَه الجنة، وتسلّط العدوّ إبليس عليه، وإهباطه إلى الأرض، ترَ فيه دعوةَ الرسل على اختلافهم، وما هي الكلمة التي اتفقوا عليها، وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا اله إِلاَّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، ترَ الخصومة بين الرسل وأممهم، وانتصار الله لأوليائه، وإنزاله العقوبة لأعدائه.
ترى ـ أيها المسلم ـ في هذا القرآن الأوامرَ العجيبة والنواهي الكثيرة، أمرٌ بعبادة ربّ العالمين وإخلاص الدين له، أمرٌ ببرّ الوالدين، أوامر بالصلاة والزكاة والصوم والحج والصلة وحسن الجوار وأداء الأمانة وصدق الحديث، أمرٌ بالأخلاق الكريمة، ونهيٌ عما يضادّها من كلّ ضلال، دعوة الخلق لله، وتقوية صلتهم بالله، وبيان كمال علم الله وإحاطته بخلقه، وأن الله مُحصٍ علينا أقوالَنا وأعمالنا، وأنّ الله جامعُنا ليوم لا ريب فيه، ومحاسبنا على كلّ ما جرى، ترى طريقَ السعادة ومآل المتقين، وترى طريقَ الشقاوة ومآل المعرضين والمكذبين. اقرأ كتابَ الله قراءةَ المتدبّر المتعقّل، لتخرج بالنتيجة الطيبة، صلاحُ القلب، زكاةُ النفس، سموّ الأخلاق، التحلي بالفضائل والمكارم.
إن هذا القرآن خُلق نبيكم ، تقول عائشة رضي الله عنها وهي تُسأل: ما هو خلق النبي؟ قالت للسائل: ألم تقرأ القرآن؟! إن الله يقول: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4](2)[2]، فكان القرآن خلقه، يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، ينفِّذ أمره، يجتنب نهيَه، يقف عند حدوده، يتأدَّب بآدابه، صلوات الله وسلامه عليه أبدًا دائمًا إلى يوم الدين.
اقرأه بتدبّر وتعقّل لترى الخيرَ الكثير والسعادةَ في الدنيا والآخرة، اقرأه قراءةَ الراغب فيه، الموقن به، المصدِّق له، الذي يرجو بتلاوته ثوابَ الله وفضله.
إنَّ الله اختصّ رمضانَ فجعله زمنَ إنزال القرآن، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185]، أجل إنّه هدىً للناس، إن الهداية للحق إنما هي في القرآن الذي أنزله الله على عبده ورسوله محمّد، يهديك لكلّ خير، ويدعوك لكلّ فضيلة، ويأخذ بيدك لكلّ خير، وينأى بك عن كلّ سوء. تقرأ وأنت تقرأ آياتِ تحريم الربا: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرّبَوااْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِين [البقرة:278]، فتقف: هل أنت معاملٌ بالربا أم أنت بعيد كلَّ البعد عنه؟ تقرأ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [الأعراف:44]، ولعنة الله الكاذبين، فتتأمل في نفسك، هل أنت منهم أم أنت بريء من ذلك؟ تقرأ أيضًا آياتِ الأحكام الشرعية، من الحلال والحرام، فإنَّك إذا تأمّلت وتدبَّرت كنتَ من التالين له حقّا، الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ [البقرة:121].
وإنّ لرمضان خصوصيةً في تلاوة القرآن، فأكثِر ـ أخي الصائم ـ من قراءة القرآن، اتل القرآن، واجعل لك نصيبًا في هذا الشهر في تلاوة كتاب الله العزيز، اقرأه وتدبّر وتعقّل، فسترى الخيرَ الكثير والثوابَ العظيم في الدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
واعلموا أنَّ المقصودَ بتلاوة القرآن التلاوةُ التي تدعو إلى العمل به، وتنفيذ أحكامه، وتطبيق أوامره، والبعد عن نواهيه. فلا يكون تاليًا للقرآن إلا من عمل بما أمر به القرآن، وانتهى عمَّا نهى عنه القرآن، وتأدَّب بآداب القرآن، وتخلّق بأخلاق القرآن، فمن كان كذلك رُجي له الخير، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (تكفَّل الله لقارئ القرآن العامل به أن لا يضلَّ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة)(3)[1]، وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ [الطلاق:2، 3].
أيها المسلم، لقد جاء في السنة الترغيبُ في تلاوة القرآن، ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي قال: ((من قرأ حرفًا من القرآن كان له بكلّ حرف حسنة، الحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف))(4)[2]، وبين الفرق بين البيت الذي يُتلى فيه القرآن والبيت الهاجر لتلاوة القرآن، فقال: ((مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه كمثل الحي والميت))(5)[3]، وأخبر أن القرآنَ يأتي شفيعًا لأصحابه فيقول : ((اقرؤوا القرآن فإنه يجيء يومَ القيامة شفيعًا [لأصحابه]))(6)[4]، وأخبر أن القرآنَ شافعٌ مشفَّع وماحِل مصدَّق، من جعله أمامَه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار.
يا صاحبَ القرآن أبشرْ فإنَّ هذا القرآنَ سيكون بين يديك يوم القيامة، يُحاجّ عنك في ذلك الموقف، يقول : ((يُؤتَى يوم القيامة بالقرآن وبأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تقدمهم سورة البقرة وآل عمران، يحاجَّان عن صاحبهما))(7)[5]، و((يوم القيامة يقول القرآن: يا ربّ حلِّه، فيُلبَس تاجَ الوقار، فيقول: يا ربِّ زدْه، فيُحلَّى بحلية الكرامة، فيقول: ربِّ زِده، ربِّ ارضَ عنه، فيرضى الله عنه))(8)[6].
فاقرؤوا القرآن، واغتنموا قراءته في رمضان وغيره، ولكن ليكنْ لكم في رمضان نصيبٌ وافر من تلاوته، فعسى الله أن ينير به القلوب، ويشرح به الصدور، ويرزق الجميع العملَ به والقيامَ بحقه، إنه على كل شيء قدير.
وكان نبينا يعرض القرآنَ على جبريل في رمضان، فيدارس جبريل النبي ، يعرضه عليه كلَّ رمضان مرة، وفي آخر رمضان من حياة النبي عرض القرآنَ على جبريل مرتين(9)[7]، فصلوات الله وسلامه عليه وأبدًا دائمًا إلى يوم الدين.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذَّ في النار.
وصلوا ـ رحمكم الله ـ على محمد بن عبد الله كما أمركم بذلك ربكم، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...

__________
(1) أخرجه البخاري في فضائل القرآن (4981)، ومسلم في الإيمان (152) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.
(2) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (746) بمعناه.
(3) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (7/136)، وابن جرير في تفسيره (16/225) عن عكرمة عنه رضي الله عنهما.
(4) أخرجه الترمذي في فضائل القرآن، باب: ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن (2910)، وأبو نعيم في الحلية (6/263)، والبيهقي في الشعب (2/342)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (1416).
(5) أخرجه البخاري في الدعوات (6407)، ومسلم في صلاة المسافرين (779) واللفظ له من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(6) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (804) من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه.
(7) هو من تتمَّة الحديث السابق.
(8) أخرجه الترمذي في فضائل القرآن (2915)، والدارمي في فضائل القرآن (3311) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، ثم أخرجه من طريق أخرى موقوفا وقال: "وهذا أصح"، وصححه الحاكم (2029)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (1425).
(9) أخرجه البخاري في المناقب (3624)، ومسلم في فضائل الصحابة (2450) من حديث فاطمة رضي الله عنها.

(1/4212)

المصدر: المنبر
abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 46 مشاهدة
نشرت فى 21 نوفمبر 2011 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

419,822