سمير العركى | 12-11-2011 22:59
المستشار طارق البشرى أصبح غصة فى حلوق " النخب " ولولا ما يتمتع به البشرى من رصيد علمى رصين ومهنى مشرف لسلقوه بألسنة حداد ، فلم يكن الرجل على هواهم منذ أن أسندت إليه رئاسة لجنة تعديل الدستور ووضع مسار الانتقال الديمقراطى بحرفية ومهارة والأهم بتجرد لله ثم للوطن وكان على مستوى المسؤولية .
وكانت أهم مرتكز اعتمده البشرى فى مسيرة التحول الديمقراطى أن رد الاعتبار للشعب المصرى وجعله صاحب اختيار المجلسين اللذين سيختاران لجنة وضع الدستور على خلاف هوى " النخب " التى أرادت تنحية الشعب جانباً وإحلال " التوافق " محل " الانتخاب " ومازلت أذكر التحرشات التى تمت بلجنة تعديل الدستور وبالبشرى بصفة خاصة على أساس أنه قريب من " الإخوان " وليس من ماركس أو تروتسكى أو حتى إبليس !!
التطورات الحادة التى ألمت بالمسار الانتقالى دفعت النخب إلى معاودة الهجوم على البشرى على أساس أن مسار " الدستور أولاً " كان الأكثر فاعلية بدلاً من الفوضى التى نحياها الآن و" الكذابون " يعولون كثيراً على ضعف الذاكرة الوطنية لتمرير مثل هذه الأكاذيب والأساطير.
فالقضية لم تكن الدستور أولا بقدر ما كانت رغبة حميمة فى الاستئثار بلجنة وضع الدستور بعيداً عن الاختيار الشعبى فقد دعوا حينها إلى " اختيار " لجنة وضع الدستور وليس " انتخاب " كما يحدث فى كل دول العالم المتقدم ولو دعوا حينها إلى الانتخاب لأجبناهم ولو حبواً ولكنهم أرادوا اغتيال إرادة الشعب والاستيلاء على مكتسبات الثورة كما استولوا لاحقاً على كل المجالس واللجان التى تم تشكيلها وتم استبعاد الإسلاميين عن عمد وقصد .
كما أنهم أرادوا توجيه الضربة القاضية إلى المسار الديمقراطى عبر محاولة " فرض " وثيقة المبادىء الدستورية ليصادروا حق الشعب الذى حرص البشرى على التأكيد عليه فى تعديلاته
لكل هذا كان لابد أن يتحدث البشرى وقد انتظرته طويلاً ولم يخيب الرجل ظنى فخرج على مدار اليومين الماضيين فى " الشروق " بنقد شاف ضاف لمهزلة " الوثيقة " لا تحتاج إلى جهد لاكتشاف رصانة الباحث المدقق وتجرد القاضى وإخلاص صاحب الضمير الوطنى .
فعن مهزلة تقييد سلطات البرلمان المنتخب وإطلاقها للمجلس العسكرى يقول البشرى:
" جاءت «المسودة» مقيدة لهذه السلطات من بدء أعمالها ومن مجال أعمالها ومن نتائج أعمالها كذلك. وفى الوقت الذى أطلقت فيه «المسودة» سلطات المجلس العسكرى استغلالا وسيطرة على مؤسسات الدولة، قيدت المؤسسات التى ستكون منتخبة من الشعب، وهكذا أطلق للمجلس العسكرى من القيود وأطلق له السيطرة، وقيد الهيئات المنتخبة من الشعب وأحاط بها إحاطة محاصرة كاملة تستلب الإرادة الشعبية فى اختياراتها وفى إعمالها ونتائجها. واسمى ذلك بالديمقراطية، أطلق عليها نقيض ما يصنع. كما كان يفعل «الأحرار» «أى: الليبراليون» الدستوريون فى سابق العصر والأوان. "
وعن تشكيل لجنة وضع الدستور الذى اقترحته الوثيقة والذى وصفته فى مقال سابق لى بالفاشية يقول :
" وهذا التشكيل يعنى أمرين: أولهما أن «المسودة» أهدرت التمثيل السياسى للتيارات السياسية بما يناسب حجمها ودورها فى المجتمع. وسوى بين ذوى التأييد الواسع وذوى التأييد الضيق فتصير ثورة 25 يناير بذلك ليست ثورة الديمقراطية ضد الاستبداد، ولكنها تصير ثورة الأقليات ضد الأغلبيات المحتملة، وهذا يعكس يقينا لدى الأقليات بأنهم لا يطمحون قط فى أن يكونوا أغلبية فرأوا أن التأييد الشعبى الواسع هو علامة غير صحية وغير مرغوب فيها، وهم بذلك أبناء أوفياء لتراث الأحرار الدستوريين الليبرالى لما قبل ثورة 23 يوليو 1952 وخوفهم المدمر مما سموه وقتها «طغيان الأغلبية» أى حكمها لبلدها. وثانى هذين الأمرين أنه غلب التمثيل المهنى على التمثيل السياسى والتمثيل الطبقى وغيره، غلب عليه غلبة كاسحة لحصوله على 80٪ من أعضاء الجمعية التأسيسية، ولحصوله عليها لا بسبب انتماءاته السياسية، ولكن بوصفه المهنى غير السياسى، لأن الوصف المهنى هو الوصف الذى روعى فى التشكيل. وهذا التصور يذكرنا بالنظم الفاشية، وبالنظام الفاشى الإيطالى الذى ساد فى إيطاليا فى فترة ما بين الحربين العالميتين وانتهى بالحرب والدمار والهزيمة "
هذه مقتطفات اجتزأتها لك عزيزى القارىء لا تغنيك عن القراءة المتأنية لهذا النقد الرائع الرصين
فشكرا للمستشار / البشرى صاحب الضمير الوطنى النقى ..



ساحة النقاش