إنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
خطب المنابر
الدكتور عصام بن هاشم الجفري
الخطبة الأولى:
الحمد لله إله الأولين والآخرين، جامع الناس ليوم الدين، وناصر دينه ونبيه ولو بعد حين، أحمده سبحانه وأشكره تكفل بقصم الجبابرة والمعاندين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبدالله ورسوله النبي الأمي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على النهج إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله : عباد الله حق التقوى واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى وبادروا بالذب عن دينكم وعن نبيكم صلوات ربي وسلامه عليه لتدخلوا فيمن مدحهم ربهم بقوله: { فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (الأعراف:157).
إمـامَ الـمـُرسليـــنَ فداكَ رُوحي
***
وأرواحُ الأئمـــــــــةِ والدُّعـــــاةِ
رسولَ العالمينَ فــداكَ عرضي
***
وأعراضُ الأحبّةِ والـتُّقــــــــــاةِ.
ويا علم الهدى يفـديـك عمــري
***
ومالـــي.. يا نبــي المَكْــرُمـــاتِ
ويا تاج التُّقى تـفــديك نـفـســـي
***
ونفــسُ أولـــي الرئاســةِ والولاةِ
فداكَ الكون يا عَطــــِرَ السجايا
***
فما للناس دونك من زكـــــــــاةِ.
فأنتَ قَداســـــــة ٌ إمَّـا استُحلّـتْ
***
فذاكَ الموتُ من قبل الممـــــات
أمة خير الورى : سمعنا وسمعتم عما حدث من صحف دنمركية وتبعتها صحف نرويجية من تعرض لخير من وطئ الثرى فداه أبي وأمي والناس أجمعين من استهزاء وسخرية من خلال رسوم كاريكاتورية تصوره حاشاه بأنه مجرم حرب ونحوها ، فنقول لهم والله مهما بذلتم فإنكم لن تستطيعوا النيل من ذاته الشريفة فكما عصمه ربه من استهزاء قريش وهجائها فكانوا يسمونه مذمماً فصرف الله هجاءهم إلى ذاك الاسم وحفظ اسم خير الورى محمداً سليماً من الأذى وصدق الله إذ يقول : {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} (النحل:95)، فأقول لأمة الإسلام إن الصور التي رسمتها الأيدي القذرة لا تشبه ذلك الوجه الأنور والجبين الأزهر؛ فوجه محمد - صلى الله عليه وسلم - هو الضياء والطهر والقداسة والبهاء، وجه محمد - صلى الله عليه وسلم - أعظم استنارةً وضياءً من القمر المسفر ليلة البدر، وجه محمد - صلى الله عليه وسلم - يفيض سماحةً وبشراً وسروراً، وجه محمد - صلى الله عليه وسلم - له طلعةٌ آسرة، تأخذ بلب كل من رآه إجلالاً وإعجاباً وتقديراً. وإنما هي سحنات تشبه تلك السحنات القذرة النتنة التي رسمتها، ثم أبشروا أمة الإسلام فإن الله سينتصر لنبيه؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- : " إنَّ الله منتقمٌ لرسوله ممن طعن عليه وسَبَّه، ومُظْهِرٌ لِدِينِهِ ولِكَذِبِ الكاذب إذا لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد، ونظير هذا ما حَدَّثَنَاه أعدادٌ من المسلمين العُدُول، أهل الفقه والخبرة، عمَّا جربوه مراتٍ متعددةٍ في حَصْرِ الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا، قالوا: كنا نحن نَحْصُرُ الحِصْنَ أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنعٌ علينا حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا تعرض أهلُهُ لِسَبِّ رسولِ الله والوقيعةِ في عرضِه تَعَجَّلنا فتحه وتيَسَّر، ولم يكد يتأخر إلا يوماً أو يومين أو نحو ذلك، ثم يفتح المكان عنوة، ويكون فيهم ملحمة عظيمة، قالوا: حتى إن كنا لَنَتَبَاشَرُ بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه، مع امتلاء القلوب غيظاً عليهم بما قالوا فيه " انتهى. نقول لأولئك النصارى قد عَرَفَ من قبل أجدادُكُم فضلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما لكم فيهم أسوة حسنة أم أن الحقد قد أعمى قلوبكم وأبصاركم ومن ذلك قصة خطابه صلى الله عليه وسلم لكسرى وهرقل؛ فقد بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسائل إلى كِسرى ملك الفرس وإلى قيصر ملك الروم، وكلاهما لم يُسْلِم، لكنَّ قَيصر أكرم كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأكرم رسوله، فثَبَتَ ملكُه، واستمر في الأجيال اللاحقة، وأما كِسرى فمزَّق كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واستهزأ برسول الله، فقتله الله بعد قليل، ومزَّق مُلكَه كلَّ مُمَزَّق، ولم يبق للأكاسرة ملكٌ.
وقد ذكر المؤرخون كيف كانت ملوك النصارى يعظِّمون ذلك الكتاب الذي بعث به النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وفي هذا يقول الإمام العالم الحافظ ابن حجر : "ذكر السهيليُ أنه بلغه أن هرقل وضع الكتاب في قصبة من ذهب تعظيماً له، وأنهم لم يزالوا يتوارثونه حتى كان عند ملك الفرنج الذي تغلب على طليطلة، ثم كان عند سِبطه، فحدثني بعضُ أصحابنا أن عبد الملك بن سعد أحد قواد المسلمين اجتمع بذلك الملك فأخرج له الكتاب، فلما رآه استعبر، وسأله أن يمكِّنه من تقبيله فامتنع.
ثم ذكر ابن حجر عن سيف الدين فليح المنصوري أن ملك الفرنج أطلعه على صندوق مُصفَّح بذهب، فأخرج منه مقلمة ذهب، فأخرج منها كتاباً قد زالت أكثر حروفه، وقد التصقت عليه خِرقَة حرير، فقال: هذا كتاب نبيكم إلى جدي قيصر، ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤُنا أنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا، فنحن نحفظه غاية الحفظ، ونعظمه ونكتمه عن النصارى ليدوم الملك فينا"انتهى. فالله منتقم لنبيه ولكن القضية ابتلاء لنا معاشر المؤمنين ليرى الله ويختبر مدى صدق حبنا لمن ندعي حبه صلى الله عليه وسلم فأين من يرغبون في جنة عرضها السموات والأرض طريقها من هنا من الرد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي سَبْعَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمَّا رَهِقُوهُ قَالَ:((مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ أَوْ هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ)) فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضًا فَقَالَ ((مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ أَوْ هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ)) فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِصَاحِبَيْهِ ((مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا)).
فيا أمة المليار مسلم من يرد عن رسول الله وله الجنة؟. فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا سيدي يا رسول الله. كان حب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له مستمراً حتى آخر قطرة من الحياة؛ فهذا خبيب بن عدي لما أخرجه أهل مكة من الحرم ليقتلوه قال له أبو سفيان: " أنشدك الله يا خبيب! أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك"؟. فقال خبيب: "والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة، وإني جالس في أهلي". فقال أبو سفيان: " ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً".
وفي يوم أحد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " مَنْ رجلٌ ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟" فقال رجل من الأنصار: أنا، فخرج يطوف في القتلى حتى وجد سعداً جريحاً مُثْبتاً لا يتحرك بآخر رمق، فقال: يا سعد إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم من الأموات؟ قال: فإني في الأموات، فأبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السلام وقل: إن سعداً يقول: جزاك الله عني خير ما جزى نبياً عن أمته، وأبلغ قومك مني السلام، وقل لهم: إن سعداً يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خُلِصَ إلى نبيكم وفيكم عين تطرف.
رسولَ الحُبِّ في ذكــراك قُربى
***
وتحتَ لواكَ أطواقُ النجـــــاةِ
عليك صـــــلاةُ ربِّكَ ما تجـــلّى
***
ضياءٌ ..واعتلى صوتُ الهُداةِ
يحارُ اللفظُ في نجواكَ عجــــزاً
***
وفي القلب اتقادُ الموريـــــاتِ
ولو سُفكــتْ دمــانا ما قضـــينا
***
وفاءك والحقوقَ الواجبــــاتِ
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } (التوبة: 128-129 ).
الخطبة الثانية :
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله - وهبوا للدفاع عن دينكم ونبيكم كل بقدر طاقته.
أمة الإسلام إنه لمن المؤلم أن نجد من أبناء هذه الأمة من يحزن لهزيمة فريق كرة قدم يشجعه أكثر من حزنه لتعرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأذى والاستهزاء، وأكثر عجباً من يقتني من منتجات تلك البلدان ويدخلها لنفسه وأهله ويفيد بماله من يسب رسوله وحبيبه - صلى الله عليه وسلم -. وإني أحبتي في الله من هذا المكان أقول لكل مسلم أنه لا عذر لك في التخلف عن الدفاع عن رسولك - صلى الله عليه وسلم - فبإمكانك أن تذهب لأي مقر للهاتف لترسل منه فاكساً بالإنكار أو تذهب لأي محل يقدم خدمة الانترنت وترسل من خلاله رسالة الكترونية تستنكر فيها تلك الجريمة. فالله الله في رسول الله. واعلموا رحمني الله وإياكم أن الرد العملي على تلك الهجمة هو العودة لسنة الحبيب - صلى الله عليه وسلم - وتطبيقها في مظهرنا وسلوكنا وحياتنا، وأن نعلمها أبنائنا وبناتنا وننشرها للعالم أجمع، فإني على يقين أن أولئك القوم لو عرفوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حقاً لأكبروه ولما تجرؤوا على فعلتهم تلك.



ساحة النقاش