صــلاح الإمام | 23-10-2011 23:37
المشهد العربى الآن مثير للقلق، وليس فيه ما يدعو للتفاؤل، فالثورات التى أشعلتها الشعوب خلفت حالة من الفوضى الهدامة، وأفرزت حالة من الانفلات على كافة المستويات، أمنيا وإعلاميا وسياسيا وحزبيا ... إلخ، وصاحب ذلك تدهورا اقتصاديا سوف يؤدى إلى انهيار قد يؤدى لضياع هذه الدول، وتشرذمها فى دويلات يسهل اصطيادها بالسنارة من قبل القوى الكبرى.
ثارت شعوب عدة دول، وانتهت هذه الثورات إلى خلع رئيس وطرده، وسجن آخر، وقتل ثالث، والبقية تأتى، لكن أين ثمار هذه الثورات؟ .. ما الذى استفاده المواطن العربى الذى طرد رئيسا أو سجنه أو قتله؟ .. حتى الآن السلبيات أكثر من الإيجابيات، فهناك أيدى خفية تقود هذه الثورات وتتجه بها إلى حافة هاوية مهلكة.
لو أن هناك بناية ضخمة شامخة ترتكز على عدة أعمدة لن يضيرها تصدع عامود أو التواء آخر، لكن لو أن هذه البناية كانت مقامة فوق عامود واحد، فإن تصدع هذا العامود أو سقوطه يؤدى فورا لانهيار هذه البناية، وهذا هو حال كل الدول العربية بما فيها الدول التى اشتعلت فيها الثورات، فهذه الدول كانت خلوا من أى مؤسسات حقيقية، كانت هى وحاكمها شيئا واحدا، وتجلت هذه الحالة فى دولة مثل ليبيا، فهذه الدولة على مدى حكم طاغيتها المقتول لم تعرف شيئا اسمه برلمان، أو دستور وقوانين ، أو محكمة دستورية، أو حتى حكومة، بل ذابت بشكل كلى فى شخص حاكمها الذى سرق ثرواتها الطائلة لتحقيق أمجاد شخصية فقط، ومارس فى سبيل ذلك أبشع الجرائم الإنسانية ضد أبناء شعبه، حتى يظل هو الفرعون الإله، متناسيا سنة الله فى خلقه، وقوانين الكون التى يعد التغيير والزوال أبرزها.
الثورة فى ليبيا تختلف عن ثورات مصر وتونس واليمن وسوريا، ففى ليبيا كانت دول حلف شمال الأطلنطى هى القوة الضاربة التى قضت على نظام الطاغية، وفى سبيل تحقيق ذلك دمرت مقاتلاتها وصواريخها كل مقدرات الدولة، دمرت الأهداف المدنية قبل العسكرية، دمرت المطارات ومصافى البترول ومخازن السلاح ومحطات المياه والطرقات والجسور والمنشآت الهامة، وهى التى كان بإمكانها القضاء على شخص القذافى منذ أول طلقة، لكن أين سيذهب ما لديها من مخزون فى السلاح والعتاد؟ .. لابد من حرب لسحب هذا المخزون، الذى يمثل بقاءه مشكلة اقتصادية واجتماعية لتلك الدول، فعدم تصريف هذا المخزون يؤدى إلى توقف مصانع السلاح، وتوقف هذه المصانع يعنى تشريد العمال وزيادة معدل البطالة، فكانت انتفاضة الشعب الليبى هو الحل أو "السبوبة" التى بواسطتها تم التغلب على مشاكل بلدانهم، فتم تصريف هذا المخزون بالمقابل الذى يقدرونه بأنفسهم، وعلى الجانب الليبى دفع الفاتورة دون فصال، ثم تعود هذه الدول وتقبض الثمن مرة ثانية، من خلال شركاتها التى تتولى إعمار وإصلاح ما تم هدمه وتخريبه.
بوادر الصراع فى ليبيا بدأت تطفو على السطح، فهناك تيار إسلامى قوى، كان له الدور الفعال فى هذه الثورة، بل هم قادتها الحقيقيون، ومنهم من سبق وشارك فى الجهاد بأفغانستان، وهؤلاء أهملهم الإعلام المشبوه الكاذب، واتجه نحو العناصر العلمانية والليبرالية لإظهارهم على أنهم هم الأبطال الحقيقيون، وهم الذين أخرجوا ليبيا من ظلمات القبور إلى رحابة الحياة مرة أخرى، وخلال أيام قد يتحول الصراع بين هذين الفصيلين إلى قتال مسلح، خاصة فى ظل واقع جديد، حيث أصبح السلاح فى يد كل الليبيين، والسلاح دائما يغرى بالاقتتال، وبذور الخلاف بدأت فى الإنبات بعد مقتل القذافى، لذا فالأيام القادمة لا مجال فيها للتفاؤل.
الطغاة فى البلدان العربية صناعة غربية، فهذه الدول هى التى تصنع الطغاة، وتجعل منهم سيفا مسلطا على رقاب شعوبهم، ويكون طغيانه هو ورقة الضغط المملوكة لهم، بمعنى إذا لم يستمر فى تقديم المزيد من التنازلات تؤلب شعبه عليه، حتى إذا ما تم استنفاذ كل رصيده من التنازلات، تتركه طعاما لشعبه، وتتدخل فى صورة الفارس النبيل الذى يقدم العون للشعوب المقهورة، كالذئب الذى يتسلل بين الحملان.
المشهد العربى مؤلم للغاية، وليس ثمة ما يثير التفاؤل فى أى من الدول التى انتفضت شعوبها، لأننا فى زمن تختلف معطياته عما سلف من أزمان، فحينما انتفضت الشعوب الأوربية ضد حكامها من الملوك والأباطرة، ونالت هذه الشعوب حريتها بدماء أبنائها، ونجحت فى أن تكون كيانات متقدمة فى ركب الحضارة البشرية، لم يكن هناك عوامل خارجية تتدخل فى تحقيق غاياتهم، فلم يكن هناك فضائيات يجلس فيها أبو حمالات أو منى وريم وريهام، ولم يكن عندهم "برادعى"، ولا لم يكن هناك فيس بوك تطل منه أسماء وإسراء ووائل، ولم يكن عندهم فلوباتير أو متياس، بل كانت ثوراتهم خالصة نقية بدون أن تشوبها وتلوثها أية تدخلات، لذا نجحت هذه الثورات وارتقت بشعوبها، أما نحن أضحينا مثل مجموعة تطارد لصا، ومع طول مسافة المطاردة انضم للمطاردين واندس بينهم شركاء اللص ومن هم أشد من اللص إجراما، وضللوا المطاردين عن الهدف الحقيقى، فتشرذموا إلى مجموعات صغيرة، كل مجموعة تجرى فى اتجاه ظنا منها أنها ستفوز بالقبض على اللص، دون أن يعلموا أن قائد كل مجموعة هو شريك للص الحقيقى الذى لم يكن هو فى الأصل من يجرى أمامهم، بل كان يجرى بينهم، حاديا تارة، وسائقا أخرى.
كلمة أخيرة:
المشهد الذى ظهر فى كفر الشيخ يوم السبت الماضى (22 أكتوبر) بشأن التضامن مع الشيخ الحوينى فى بلاغ قدم ضده من المفتى عقوبته غرامة مائة جنيه، كان يؤكد بشكل جازم بأن هذه البلد لن تقوم لها قائمة أبدا، فانظروا لهذه الألوف التى أتت من كل فج عميق، لا لتحرر فلسطين، أو لتعيد الخلافة الضائعة، واحسبوا كم من الأموال أنفقت فى هذه المسرحية لا لتنفق على المرضى والفقراء أو لبناء مستشفى أو ملجأ للأيتام، وقبل كل هذا .. ما هو الدين الذى يجبر كل معتنقيه بالعفو عمن أساء وإعطاء من حرم وإيصال من قطع .. أرجو إعطاء العالم كله درسا فى كيف تكون العلاقة بين المسلم وأخيه المسلم إذا أخطأ.



ساحة النقاش