هشام النجار | 30-10-2011 01:11 من المفارقات الطريفة ، تحكى جيهان السادات فى مذكراتها قصة محادثة هاتفية من حسنى مبارك بعد سريان شائعات حول ممتلكات للسادات فى الداخل والخارج فى حين أن السادات وأسرته لا يملكون شيئا إلا بعض الأراضى فى ميت أبو الكوم ، تقول حدثنى مبارك بعد وفاة أنور بقليل وبدا متأثرا بالشائعات فسأل : هل تملكين منزلا بالجيزة ؟! فأصيبت السيدة جيهان بالصدمة وسألته : حتى أنت يا سيادة الرئيس تظن أن هذا المنزل ملكنا ، من أين استطاع أنور أو أنا أن نحصل على المال لنشترى هذا المنزل ، لا إنه إيجار !! مبارك الذى يسأل بوَرَعٍ زائد عن حقيقة ملكية أسرة السادات لمنزل بالجيزة فى بداية حكمه انتهى إلى امتلاك غالبية شرم الشيخ وقصور وأرصدة ومساحات شاسعة من الأراضى له ولعائلته داخل مصر وخارجها . والقذافى الذى وُلد فقيرا فى سِرْت انتهى فى إحدى مواسير تصريف مجاريها وهو من أغني أغنياء العالم ، كذلك سقط بن على فى تونس ، وثلاثتهم لم يفرقوا بين خزينة الدولة وحافظة نقودهم ، ولا بين ميزانية الدولة وميزانية البيت ، فأحدهم فى الأساس لا يعترف بأنه يحكم دولة ، إنما إقطاعية تخصه يتصرف فى نفطها وغازها وثرواتها كيف يشاء دون مساءلة من أحد . هنا ينبغى الوقوف عند نموذج كاتبنا الكبير أنيس منصور فقد زامَن موتُه مَقْتل القذافى ، وله قصة مثيرة مع السلطة ، وكان رحمه الله غزير الإنتاج واسع الثقافة رشيق الأسلوب ، وأقبلت الجماهير على كتاباته بعكس كتاب آخرين ارتبطوا بالسلطة لا يكاد يقرأ لهم أحد . هناك قضيتان فى غاية الأهمية خاصة إذا تعلق الأمر بكاتب موسوعى كبير له شعبية واسعة ؛ الأولى تخص علاقة المثقف بالسلطة ، وكانت من النكبات التى أعاقت النهضة المصرية ؛ حيث شغل المثقف نفسه وصب جهده فى خلق المعاذير وتسويغ المبررات للسلطة الحاكمة ، بما فتح الطريق فى العهد المباركى لأن نجد مثقفين وكتاب أقل قيمة وموهبة وقد صاروا عبيدا وخدما حقيقيين للسلطة الاستبدادية ، فتحول المثقف من أداة وعى للأمة وآلية نهضة وتربية وترقية لمجرد صبغة تجميل موضوعة فى غرفة نوم الحاكم الظالم ، لتجميل وجهه القبيح ، ولفلسفة القمع ، وللتمويه على العقول ، ولجعل خطاب التبعية والهوان والركوع أكثر قبولا ورواجا لدى الجماهير . وفى علاقة المثقف بالسلطة يبدو الراحل أنيس منصور رحمه الله علامة فارقة ، حيث انتهى الانفتاح الساداتى الذى كان من أكبر المدافعين عنه إلى تبعية مهينة فى عهد مبارك ، وانتهى التطبيع مع إسرائيل الذى كان عرابه الأول فى عهد السادات إلى مصيبة كون أحد رؤساء مصر العروبة كنزا استراتيجيا للعدو الصهيونى . إنها أمانة المثقف التى تُلزمه بمراجعة السلطة ، فليس دوره أن يكون جنديا وفيا للنظام الحاكم ، ولا ترسا فى آلة السلطة التى تفرم الحقائق وتخدع الجماهير وتقمع المعارضين . القضية الثانية هى الدأب على غمط الشخصيات الكبيرة حقها وتضخيم سيئاتها لصالح تلميع المنافس أو الزعيم الذى جاء خلفا له ، وقد هاجم كاتبنا الراحل الرئيس عبد الناصر لصالح الرئيس السادات الذى ربطته به وبنظامه علاقة قوية ، فهو يرى فى كتابه " عبد الناصر المُفْتَرى عليه والمُفْتَرِى علينا " أن عبد الناصر خدع الشعب وضلله وأنه كان يسعى لتكوين امبراطورية وأنه أصيب بانفصام شخصية عام 1961م وأنه كان يحتقر التاريخ المصرى وأنه وصف الحج بأنه كلام فارغ .. الخ ، بالرغم من أنه كان قد وصفه بعد وفاته مباشرة فى عموده الشهير " مواقف " عدد 13 أكتوبر 1970م بأنه ليس ماضينا المجيد فقط ، انه حاضرنا ومستقبلنا ! قالها كاتبنا الكبير بليغة موجزة فى عموده الشهير ( مواقف ) بالأهرام قبل وفاته مباشرة تحديدا يوم 18أكتوبر 2011م ، قالها لبن على ومبارك وللقذافى ولطغاة الأرض ولمثقفى السلطة ، ولنفسه أيضا رحمه الله ، حين تساءل : " ما الذى خرجت به من هذه الدنيا ؟! وأجاب : لا شئ ، لأنك إذا قلت إنك خرجت من هذه الدنيا بشئ فأنت لا تعرف ماذا تقول ، لأنه لا أحد يخرج منها بشئ . ثم قرر هذه الحقيقة فى نهاية مقاله الذى كان يستشعر فيه على ما يبدو اقتراب لحظة النهاية : " كل الذى عملناه وقدمناه فى هذه الناحية ، سوف نحاسب عليه فى الناحية الأخرى ، إن خيرا فخير وان شرا فشر " . من أعمال أنيس منصور ترجمته لثلاث مسرحيات عالمية تغوص عميقا فى معنى السقوط لفريدريش ديرنمات وآرثر ميللر وجان جيرودو ، وجمع رحمه الله المسرحيات الثلاث فى عنوان واحد كبير هو " كلهم سقطوا " ، وقال : " مثل قطرات المطر تظهر فيها كل ألوان الطيف عندما تسقط من السماء إلى الأرض ، ولذلك يكون السقوط مروعا رائعا فى هذه المسرحيات الثلاث " ، وكذلك الحال فى طغاتنا الثلاث بن على ومبارك والقذافى ، ظهرت كل ألوان الطيف ، وافتضح أمر من روجوا للطغيان وخدموه ، وكان سقوط الجميع معاً مروعا رائعا .
المصدر: المصريون
abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 64 مشاهدة
نشرت فى 30 أكتوبر 2011 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

419,474