ليلة ماسبيرو.. حين تختفي "الدولة"
إسلام عبد العزيز | 14-10-2011 21:47
(1)
ليلة ماسبيرو.. ليلة غريبة يمكن أن تجمل فيها كل عيوب ثلاثين سنة من حكم استبدادي قمعي ترك بصمته على العقول وعلى التصورات وبالتالي على طريقة التفكير والتنفيذ... حيث يمكن القول بأن اكثر من خمسين في المائة على الأقل ممن كانوا وقود تلك الليلة إن لم يكن أكثر ولدوا ونشأوا وتعلموا وتكونت عقولهم في عصرالديكتاتور الذي امتد لثلاثين عاما.. سواء كانوا جنودا أو ضباطا صغارا أو متظاهرين...
والمستبد حينما يمارس استبداده فإنه يعمل بكل ما اوتي من قوة لتغييب الدولة بكل مفرداتها، وجعل نفسه والعصبة التي يعتمد عليها أركان حكمه محور التشريع والتنفيذ وحتى القضاء.. ولعل هذا سر تشوه العقلية المصرية في حكمها على الأشياء تأثرا بهذا الجو الاستبدادي القميء..
والدولة كما يعرفها المستشار البشري طبقا لتعريف القانون الدولي: "هي شعب يعيش على أرض واحدة وتحكمه على هذه الأرض حكومة، والشعب بهذا المعنى هو ما أقصده بالجماعة الوطنية؛ لأنه يتكون وفقا للتصنيف الذي يخص خبرتنا هنا والذي يعني الاشتراك في إطار مشروع لتحرير بلادهم، وإنشاء دولتهم المستقلة على هذه الأرض.."
ولهذا وطبقا للخبرة المصرية كما يمسميها الأستاذ البشري فإن الشعب المصري نسيج واحد جمعته على ثرى هذه الأرض قصة كفاح طويل ضد قوى الهيمنة التي ذابت في كفاحها فوارق الدين ذوبانا لم تعد معه تفرق بين محمد وبطرس على هذا المستوى، وإنما كان الفارق الوحيد عندما يذهب محمد إلى المسجد وبطرس إلى الكنيسة..
وبالتالي فإن تصور تلك الليلة وما حدث فيها يجب أولا أن يستدعي تلك المعاني في خلفية قراءة المشهد، مستصحبا تجربة عصرية لا يفرق بيننا وبينها إلا بضعة أشهر، وهي تجربة الثمانية عشر يوما في ميدان التحرير وكل ميادين مصر، حينما كان المسيحي يصب الماء على المسلم أثناء وضوئه، وحينما كان المسلم يقف ليتناوب في اللجان الشعبية حراسة الكنيسة داخل حيه جنبا إلى جنب مع المسيحي!!
إن استصحاب تلك المعاني يجعل المشهد ليلة ماسبيرو أقرب إلى المساحة المدنية منه إلى المساحة الدينية، مساحة النضال من اجل الحقوق، سواء اتفقنا أو اختلفنا على التوقيت والطريقة، المهم ان يتم التسكين بداية داخل تلك المساحة بالنسبة للمتظاهرين أو المراقبين لتلك التظاهرة حتى يكون المخرج النهائي بعيدا عن الخلط والتشويه.
(2)
حينما يتم التعامل مع الحدث بهذه الطريقة وبتلك الخلفيات فإننا يجب أن نضع أيدينا على طبيعة العقلية المسيحية المصرية وتصورها لوجودها داخل مربع الدولة المصرية، ذالك أن مجرد الحديث عن "رعايا الكنيسة" أو "شعب الكنيسة" كمفردات للتعبير عن المسيحيين في مصر تمثل تحديا لفكرة الدولة، وتؤشر على انفصام حاد في الشعور المسيحي تجاه هذا المفهوم.
لهذا فإن عودة الدولة المصرية يجب أن يتحدد معها هذا الدور الكنسي بما يجعله أيقونة من أيقونات تلك الدولة وليست كيانا موازيا يتم من خلاله تأزيم الأوضاع وشحن العوام بشحنات زائدة تمثل عبئا على النسيج الاجتماعي المصري.
أيضا فإن الحل ليس في إصدار قانون دور العبادة كما يقولون أو في إلغاء القوانين التي تميز أحد الفصيلين عن الآخر، وإنما الحل في إعادة بناء الدولة المصرية بطريقة تضمن لها السيادة الكاملة على جميع عناصر تكوينها..
لأن ما يحدث اليوم كما يؤكد المستشار البشري هو تحدٍ للانتماء الحاكم، والتحدي بطبيعته لا يفرز دولة، لأن الدولة كما قلنا شعب على أرض عليه حكومة، وفي حالة مصر لا يوجد الأرض المحددة المتحيزة للشعب المعين، والتي من الممكن الحديث عن وجود مثل ذلك الوجود المتحيز إقليميا في حالة السودان مثلا، مما جعله ينفصل وينشطر، إنما في مصر لا توجد هذه الحالة..
وبالتالي يجب أن يتغير الخطاب الوعظي المسيحي والإسلامي الذي تتكون على أساسه عقليات العوام من الجانبين، يجب أن تنتهي حالة الاصطفاف والفرز على أساس ديني، والسبيل إلى وقوفها هو عودة الدولة المصرية عودة تسمح لها بأن تكون المظلة الحاكمة التي يتوحد الانتماء لها دون غيرها، مع إمكانية تعدد الانتماءات داخل إطارها العام.
(3)
إن حالة التراشق الرهيب الموجودة على مواقع التواصل الاجتماعي تمثل رافدا من روافد انهيار الجسد المصري، في ظل مناخ مهيء لقبول الإشاعات ونموها بطريقة مخيفة، والاكثر خوفا من ذلك هو بناء قناعات واتخاذ قرارات بناء على تلك الإشاعات..
ولهذا يجب أولا أن يتم بناء تصور سليم لما حدث بالأمس، وبالتالي فهم رشيد لما ينبغي أن يكون، يتبعه عمل مجتمعي لتحقيق هدف جماعي يمثل مشتركا بين كل المصريين على اختلاف انتماءاتهم..
على أن تحليل ما وقع عند ماسبيرو يجب الولوج إليه بداية من منطلق قوله تعالى: "ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى".. حيث نتفق بداية على أن نتمثل روح الإسلام الرائعة التي تنصف المخالف دوما وهي تظهر له أخطاءه..
وبناء عليه فإن مجموعة من الحقائق يجب أن تكون واضحة، أهمها:
أولا: ما حدث عند ماسبيرو ورد الفعل عليه هو نتاج لحالة الارتباك التي تعيشها مصر، في ظل غياب شبه كامل للدولة على مستوى المؤسسات، ولذلك فالأقباط وحدهم لا يتحملون المسئولية..
فغياب الدولة بمؤسساتها هو المسئول الأول عن تلك الاحداث، فلو لم تغب الدولة عن احداث سبقت لما تراكم الغيظ الذي انفجر من النصارى في هذه الليلة الكريهة..
وهنا أسأل: هل يمكن أن نعتبر الدولة المصرية حية بالفعل حين يذهب الأفراد لهدم كنيسة تم بناؤها دون ترخيص؟!! إن هذا العمل من صميم مسئوليات الدولة كمؤسسات، فكيف يستطيع فرد القيام به إلا إذا شعر في قرارة نفسه بموت تلك الدولة موتا كاملا؟!!
وفي المقابل حينما يخرج أحد القساوسة على شاشات الفضائيات ليؤكد على أنه يعطي مهلة لمحافظ أسوان تتمثل في ثمانية وأربعين ساعة ليستقيل، وإن لم يفعل فإنه سيقتل قتلة شنيعة على حد تعبيره.. ألا يمثل ذلك أيضا دليلا على موت الدولة المصرية وغياب القانون الذي هو أحد وسائل تلك الدولة في بسط سيطرتها على الجميع؟!!!
ثانيا: للأقباط مطالب عادلة ينبغي أن نعترف بعدالتها وبكونها امتدادا لمطالب الوطن كله من حيث هي من مكملات العدالة التي ننشدها جميعا.. وبالتالي فإن مجرد خروجهم للمطالبة بتلك الحقوق بناء على موقف معين حرك المياه الراكدة غير مستنكر، والدليل أن مسلمين كثر خرجوا معهم في تلك التظاهرة مؤيدين لحقوقهم، بغض النظر عن اتفاق البعض أو اختلافه حول التوقيت والطريقة.
ثالثا: "الشعب القبطي" في مصر بتعبير الكنيسة نموذج مصغر من الشعب المصري، بمعنى أن فيه خليطا من العامة والدهماء والمثقفين المتفتحين واصحاب المصالح، فليسوا جميعا متآمرين أو أصحاب مصلحة في تدويل القضية، وليسوا جميعا كارهين لنا نحن المسلمين بهذه الصورة التي يبدو عليها بعضهم جراء شحنات تعرضوا لها..
وبالتالي فإن الحكم على المجموع من منطلق وجود محركين للفتنة يستغلون الدوافع الفطرية لدى العوام حكم ظالم، ويجب أن يؤخذ في الاعتبار مستويات عدة عند الحديث عن المسألة.
رابعا: نقر بأن توقيت التظاهرة بهذا الاتساع خاطيء كل الخطأ، ونقر كذلك بأن قادة التظاهرة مخطئون حتى ولو سلمت نياتهم، لأنهم لم يستطيعوا السيطرة عليها.. ونؤكد كذلك على استياء الجميع من بعض التصريحات التي استأسد فيها بعض الكهنة استئسادا غير مبرر، مطالبين بضرورة التحقيق فيها تحقيقا قضائيا نزيها..
خامسا: الحل ليس في تحميل المسئولية للنصارى وحدهم، أو تحميلها للنصارى هكذا بإطلاق الكلمة، وإنما الحل هو البحث عن وسيلة سريعة لعودة الدولة المصرية لممارسة دورها، فللنصارى عذرهم، فعوامهم اكثر من مثقفيهم، ومثقفوهم المنصفون اقل من مثقفيهم أصحاب المصلحة..
وهؤلاء_ أصحاب المصلحة_ يشحنون العوام، الذين لا يعقلون كثيرا مآلات الأفعال؛ لأنهم كما قالوا: الظاهرة الجماهيرية لا عقل لها، يمكنها أن تعرف متى تبدأ، لكنها لا يمكن ان تعرف أو تحدد متى تنتهي وفي أي مربع ستكون النهاية.
سادسا: مشكلة كثير منا كمصريين أننا لا نفكر بعقل الآخر ولو للحظة واحدة، وإلا سنكتشف أن للآخر عذرا حتى ولو اختلفنا معه في كل شيء..
سابعا: هذه الواقعة تحديدا والتي وصفها محللون بانها الأخطر منذ الثورة المصرية، تجلت فيها قوة الثورة المضادة؛ لأنه وبحسب شهود عيان من زملاء صحفيين كانوا داخل التظاهرة فإن أشخاصا غرباء كانوا بين المتظاهرين يسبونهم بأقذع الألفاظ التي تجرح العقيدة، وفي نفس الوقت يلقون بالحجارة والملتوف على قوات الجيش!!
وبالتالي رد الجيش فرد المتظاهرون جميعا، وكان ما كان من دماء وأشلاء في الجانبين، وهذا ما يؤكد أن الحكم يجب أن يكون بعد تحقيق نزيه وشفاف، ويجب ان ينتظر الجميع بعيدا عن العواطف والمشاعر المشحونة.
ثامنا: هناك فرق بين القدرة على الحكم وبين القدرة على ممارسة السياسة، فالمجلس العسكري ربما كان قادرا على أن يحكم مصر طبقا لمنظوره هو، لكنه فاشل تماما في إدارة البلد سياسيا، لم يستطع في ثمانية أشهر أو تزيد قليلا أن يعيد الحياة للدولة المصرية، بل العكس هو ما كان، حيث كانت مدة وجوده إسهاما في زيادة حالة الارتباك في المشهد المصري وغياب الدولة غيابا استأسدت فيه قوى كثيرة بما فيها المجلس العسكري ذاته.
دعنا إذن من الاتهام وتحميل المسئولية ولنكن فاعلين في عودة الدولة المصرية، وإنهاء حالة الارتباك تلك التي أحرجت المجلس العسكري .



ساحة النقاش