أمير سعيد | 10-10-2011 00:30
فيما يحتفل جيشنا العظيم بذكرى انتصار أكتوبر امتدت يد الغدر الآثمة لسفك دم جنودنا الساهرين لحفظ الأمن في محيط مبنى ماسبيرو، ولتشعل أكثر من نقطة في أكثر من رقعة من بقاع الوطن.
قبل أيام من حلول ذكرى الثغرة التي أحدثها شارون ورفاقه قبل نحو أربعين عاماً، كانت ثغرة أخرى تصنعها أيدٍ خارجية ليرتقي معها شهداء ويجرح معهم العشرات في حادثة بدت مضبوطة على توقيت صهيوأمريكي يأنف أن يرى مصر تؤسس لغدها الحر، وتبدأ أولى خطوات تحقيق الإرادة الشعبية.
هنا القاهرة، وليست إيلات، لكن الحصيلة واحدة.. شهداء من حماة الديار يصعدون.. المشهد هنا أخطر؛ ففي قلب مصر، وفي قلب القاهرة يستهدف الجيش المصري، وتستباح هيبتنا، وتستقبل الرصاصات من إرهابيين يحملون أسماء مصرية وأهواء غربية.. لا قصف خاطئاً اليوم، بل ضربة في سويداء القلب.
إعلامنا ما زال غربياً، تدور على القنوات المصرية، الرسمية وغير الرسمية، تصدمك "التغطية".. إنهم "متظاهرون" يطلقون النار.. متى كان المسلحون متظاهرين أيها المتواطئون؟! لا نسمع كلاماً عن "إرهاب"؛ فالإرهاب حكر لنا دون أدوات المهجر!
صحيح أن هذا الإعلام لم يجرؤ هذه المرة على تحويل الرصاص إلى حجارة وطوب مثلما استحال في عين الإعلام، بل وبيانات الحكومة إبان أحداث إمبابة، حينما ضرب الإعلام والحكومة الذكر صفحاً عن الأعمال العسكرية التي قام بها قناصة مدربون من فوق أسطح المباني المجاورة من الميليشيات التي أسموها زوراً بـ"المتظاهرين".. الرصاص هنا أصاب قلب العسكرية المصرية، والهدف كان واضحاً، والتحريض والمسؤولية كانت معلومة مع سبق الإصرار والترصد، والتهديد شوهد على "اليوتيوب" من قبل، ولا غضاضة في أن يجد التهديد طريقه للتنفيذ؛ فتسامح حكومتنا أكبر من المحيط الهادئ، وصبرنا يطاول صبر المخبتين!
لقد دار ملفنا الداخلي على طاولات الساسة الغربيين، ودرست عواصم "المستعمرين" الجدد سيناريوهات المستقبل المصري الثوري.. خلصوا إلى أن أي استرسال في المسار الديمقراطي وأي وفاء للاستحقاق الانتخابي والوعود التي قطعها المجلس العسكري على نفسه ستفضي إلى حكومة لا يمكن للغرب تفصيلها كحذاء له مثلما كان الحال من قبل.. "إسرائيل في خطر"، هكذا صرخوا..
أقيمت أكثر من تجربة: البلطجة والفلتان الأمني، الفتنة الطائفية، تهديد قناة السويس وتقويض السياحة، إطلاق الفزاعات والفقاعات الإعلامية، حتى ملاعب الكرة لم تسلم من التسخين.. حركت بعض العناصر القريبة من دحلان بسيناء، فتح ملف النوبة بقوة.. أطلقت التهديدات..
لم يزل الملف القبطي هو الأثير في كل هذا.. له بريقه بلا شك، وهو الأقرب للتدويل، والأكثر بريقاً فيه هو قدرة الفاعلين على استدراج "إسلاميين" إليه أو "افتعال إسلاميين"، وهؤلاء المفتعلون جاهزون في كل وقت لإكمال المشهد، وتقديم المبررات المقنعة لجموع الشعب بإيقاف المسار وشد الكوابح على أقصاها لتوقيف العملية الانتخابية..
والشحن ميسور، والبعض موتور، ولدى الأدوات ما يحفزهم، ولدى المستغفلين ما يدعوهم لإكمال المشهد دونما وعي وإدراك.. ففي الصدارة يقف "رواد" يدركون أن هذه الثورة قد أعادت أوضاعهم للخلف، وأن استمرار العملية الديمقراطية سيضع كل كيان في حجمه الحقيقي، وهذا مرفوض ممن طأطأ لهم النظام البائد رأسه ورؤوسنا، ومنحهم من الأعطيات السياسية والإقطاعيات الاقتصادية ما غول وزنهم السياسي إلى حد يفوق عشرات المرات وضعهم الحقيقي.
نعم، إنهم يرون استمرار المسيرة مأزقاً، وتلك العواصم تراها أكبر من ذلك، والجهود ستتضافر والعراقيل ستتناثر في طريق تقدم مصر واستقلالها، وسوف نراها يشعلون حرباً تلو أخرى، "كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، ويسعون في الأرض فساداً".
تلك شيم مألوفة ممن لا يريدون لهذه البلاد خيراً، ولسوف يقتاتون على ردات الفعل سواء من الجيش أن اتخذ الحزم سبيلاً أو رفع شارة التسامح والصفح، وسيقول البسطاء من الناس ليس لنا للانتخابات وديمقراطيتها من سبيل والبلاد تحترق، وسيهمس بعض "المستنخبين" ألا طاقة لمصر بهذا، وأن على البلاد أن تشدد من قبضتها، وتفرض أحكاماً عرفية، إذ الطوارئ لم تعد كافية!!
(الطوارئ بالمناسبة لم تستخدم عند ماسبيرو لكنها استخدمت ولم تزل في المطارات للنشطاء والباحثين، وتمتد إلى الصحف، وتمارس دورها الانتقائي السابق).
ونحن بين هذا وذاك مقبلون على أيام عصيبة، تحتاج إلى قدر عالٍ من الوعي، لاسيما من "الإسلاميين" الذين أثبتوا خلال شهور الثورة كلها أنهم أبعد الناس انتهاجاً للعنف، وأكثرهم رغبة في سيادة القانون، وتحقيق المساواة، وإبداء التسامح، لكنهم مع ذلك أمام تحدٍ خطير، ربما يتطلع البعض فيه أن يحملهم تلك الفاتورة لا من باب المسؤولية عن الأحداث لأن هذا مفرط في الجهالة، وإنما في دفعهم للتورط في الأحداث أو في تصعيد وتيرة المطالبات بلجم أزمّة الديمقراطية، ووأد التجربة المصرية الثورية الرائدة، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
والحذر كل الحذر أن ينجر مواطنون متدينون إلى تلك المعمعة التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل، والحذر كذلك، من اتخاذها تكأة لدى عاشقي الاستبداد لسن قوانين مقيدة للحريات أو تفعيل الطوارئ بشكل سافر أو تمديدها لاحقاً، أو توطئة الطريق لتمديد الفترة الانتقالية باسم استتباب الأمن، لأن أمننا لن يتحقق في الأخير إلا بقيادة مفوضة من الملايين تستمد شرعيتها السلطوية من صناديق الانتخابات، وتواجه مؤامرات الداخل والخارج بإرادة جماهيرية واسعة تأنف التردد والارتعاش.
[email protected]



ساحة النقاش