كثيراً ما ينظر البعض إلي حياة القديسين ، وإلي القمم العالية التي وصلوا إليه في حياة الروح ، وإلي عمق الصلة التي عاشوا فيها مع الله
وهنا يشعر الإنسان بصغر نفس ويتساءل
: هل يمكن أن أكون مقبولاً أمام الله ، وأنا في هذا المستوي الضعيف ، وليس لي شئ علي الأطلاق مما وصل إليه القديسون ؟!هل يمكن أن تقبل الله حياتي البسيطة الصغيرة التافهة … التي إذا قسيت بسير القديسين تكون لا شئ ؟! هنا وأريد أن أحدثكم عن الله ، الذي هو إله الصغار … الله الذي اهتم بالأشياء الصغيرة جداً ، وجعل لها قيمة كبيرة قدامه … و الذي قيل عنه لتعزيتنا :
"
المقيم المسكين من التراب ، والرافع البائس من المزبلة ، لكي يجلس مع رؤساء شعبه "( مز 113 : 7 ، 8 ).الله الذي اختار أناساً صغاراً لم تكن لهم قيمة عند الناس ، ولكن الله كان يعرف قيمتهم ، أو جعل لهم قيمة وامتدت يد الله فرفعتهم .
*******
وهكذا قال داود عن نفسه :" صغيراً كنت في أخوتي ، ومحتقراً كنت عند بني أمي ". كان كذلك عند اخوته . ولكن ماذا فعل الله " ؟
أخذ داود الصغير من بين الغنم ، وجعله مسيحاً للرب
عندما دخل صموئيل النبي ليمسح ملكاً من بيت يسي البيلتحمي ، عرض عليه يسي ابناءه الكبار السمان … عرض عليه اليآب الطويل القامة الحسن المنظر ، فقال الرب قد رفضته . ثم عرض عليه ابيناداب وشمه وباقي السبعة ، فكان النبي يقول عن كل منهم " وهذا أيضاً لم يختره الرب "( 1 صم 16 : 5 –10 ) … وأخيراً قال يسي :"
بقي بعد الصغير . وهوذا يرعي الغنم " ( 1 صم 16 : 11 ) . نعم هذا الصغير الذي احتقره أبوه ، وتركه مع الغنم دون أن يسمح له بحضور الحفل الذي يشرفه النبي العظيم صموئيل … هذا الصغير هو الذي اختاره الرب ليكون له مسيحاً …!وحل روح الرب علي داود الصغير من ذلك اليوم فصاعداً ، وصار رجل المزامير رجل المزمار و القيثارة و العشرة الأوتار ، وواحداً من أشهر أنبياء العهد القديم . حقاً إن الله لا ينظر إلي الأعمار ولا إلي المنظر الخارجي . وكثيراً ما اختار الصغار .
*******
وكما اختار الله داود الصغير اختار أيضاً يوسف الصديق صغير اخوته
.وجعله ملكاً عليهم جميعاً ، وعلي غيرهم . وأتي أخوته إليه ، وسجداو عند قدميه وهو صغيرهم ..! كما جعله أيضاً أباً لفرعون وسيداً لكل بيته ، ومتسلطاً علي كل أرض مصر "( تك 45 : 8 ) .
*******
واختار أيضاً أرمياء النبي الصغير الذي قال : " لا أعرف أن أتكلم لأني ولد "( أر 1 : 6 ) .وقال له الرب :" قبلما صورتك في البطن عرفتك . وقبلما خرجت من الرحم قدستك . جعلتك نبياً للشعوب … ها قد جعلت كلامي في فمك . انظر . قد وكلتك اليوم علي الشعوب و الممالك … ها قد جعلتك اليوم مدينة حصينة ، وعمود حديد . وأسوار نحاس علي كل الأرض ، لملوك يهوذا و لرؤساء ولكهنتها ولشعب الأرض ( أر 1 : 4 ، 5 ، 9، 10 ، 18 ) .
*******
نجد أن أحب التلاميذ إلي المسيح كان يوحنا أصغرهم سناً
…وهو الذي جعله الرب أحد الأعمده الثلاثة في رسله ( غل 2 : 9 ) . وأطال عمره أكثر من جميعهم ، وكشف له رؤي السماء ، وجعله كاتب الإنجيل المملوء باللاهوتيات . ولعل من الصغار الذي أكرمهم الرب القديس مرقس الرسول الذي كتب أول الأنجيل . وكان شاباً صغيراً حدثاً في فترة كرازة السيد المسيح علي الأرض ، وبدأ حياته خادماً مع القديس بولس و القديس بطرس . وبولس الرسول اخا شاباً صغيراً ليخدم معه ، هو تيموثاوس الذي صار أسقفاً لأفسس ، وقال له " لا يستهين احد بحداثتك "( 1 تي 4 : 12 ) .
*******
ومن الصغار الذين اختارهم الرب القديس العظيم الأنبا بيشوي
.أختاره الملاك من بين اخوته ليكون نذيراً للرب ، وكان انحفهم جسماً ، واضعفهم وأصغرهم . وعرضت أمه علي الملاك أن يختار أحد أخوته الكبار الأقوياء ليخدم الرب بقوة . ولكن هذا الصغير النحيف الضعيف كان هو الذي اختاره الرب ليكون " الرجل الكامل حبيب المسيح الذي غسل قدمي مخلصنا الصالح "…لا تقل أنا صغير . فعجيب هو الرب في اختياره للصغار …
القديس أثناسيوس الرسولي كان شاباً صغيراً في مجمع نيقية
.وكان في هذا المجمع المسكوني العظيم 318 من أشهر الآباء الأساقفة في العالم المسيحي . ومن حيث الرتبة كان أثناسيوس مجرد شماس . ومع ذلك وضعه الله في القمة . واعطاه القوة في الانتصار علي أريوس وفي دحض بدعته ، وفي صياغة قانون الإيمان المسيحي .
وصار هذا الشماس الصغير أعظم اللاهوتيين في تاريخ الكنيسة …
وفي تاريخ الرهبنة ، من أشهر الصغار العظام القديس تادرس تلميذ الأنبا باخوميوس ، والقديس يوحنا القصير ، والأنبا ميصائيل السائح
. لقد سمح أن يكون الشاب الصغير تادرس هو المرشد الروحي في كل أديرة القديس باخوميوس الكبير بل هو الذي أسس كثيراً من هذه الأديرة ، وعين المسئولين فيها … كذلك اختار الرب شاباً صغيراً آخر ليكون المرشد الروحي في برية شيهيت ، ذلك هو القديس يوحنا القصير ، الذي قيل عنه أن الأسقيط كله كان معلقاً باصبعه . وكان الرهبان يجلسون حوله ويستفيدون من تعليمه … وكان شاباً حدثاً ، ولكن له نعمة أكثر من الشيوخ ! و القديس ميصائيل صار من الآباء السواح وعمره حوالي 17 عاماً وأول دير في برية شهيت " دير البراموس " ، تسمي باسم قديسين شابين ، هما مكسيموس ودوماديوس … ومن أشهر السواح القديس الأنبا ميصائيل الذي وصل إلي درجة السياحة وهو في حوالي السابعة عشرة من عمره …*******
إن الله حينما شاء هزيمة جليات ، هزمه بفتي صغير
.فتي لا يعرف أن يلبس ملابس الحرب ، لأنه لم يتعود عليها ( 1 صم 17 : 38 ،39 ) ، بل استخدم خمس حصوات ملساء من البرية . وهذا الصغير مسحه الرب ملكاً دون أخوته السبعة الكبار ، وهكذا غني داود أغنيته المشهورة " صغيراً كنت في اخوتي ، ومحتقراً عند بني أمي … اخمتي كبار وسمان … ولكن الله لم يسر بهم "…
*******
"
انظروا لا تحتقروا أحد هؤلاء الأصاغر "( متي 18 : 10 ). اهتمام الرب بالأطفال واضح جداً في الكتاب المقدس ، فهو الذي أقام طفلاً وسط تلاميذه وقال لهم " إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد ، فلن تدخلوا ملكوت الله " ( لو 18 : 16 ، 17 ) ,. وقال أيضاً " أحمدك أيها الآب … لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال "( متي 11 : 25 ) . وقال " من أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي ، فخير له أن يعلق في عنقه حجر الرحي ويغرق في لجة البحر " ( متي 18 : 6 ) . أعرف باستمرار ان " الحرب للرب "( ( 1 صم 17 : 47 ) ، و " ليس للرب مانع ان يخلص بالكثير أو القليل "( 1 صم 14 : 6 ) .*******
ما أعظم المواهب الروحية و الذهنية التي وهبها الله للصغار
.ما أكثر مواهبه للأطفال و الفتيان . داود النبي مثلاً : وهبة الشعر و الموسيقي . فكان رجل القيثار و المزمار و العشرة الأوتار ، وهو بعد حدث صغير وكان يحسن الضر علي العود ، ويسطيع أن يبعد أن يبعد الروح النجس عن شاول الملك ( 1 صم 16 : 23) . وفوق كل ذلك كان رجل حرب وجبار بأس ، وهو بعد فتي صغير …
*******
و القديس الأنبا شنودة رئيس المتوحدين وهبه الله نضوجاً روحياً وهو طفل صغير
.فكان يمار الزهد و الصوم و الصلاة وهو حدث صغير … إنها موهبة إلهية تدل علي اهتمام الله بالصغار . وهكذا كان أيضاً القديس مرقس المتوحد يصوم إلي الساعة التاسعة وهو طفل .
*******
والقديس تكلا هيمانوت وهبه الله صنع المعجزات وهو طفل
.إنها ليست أمراً موروثاً ، وإنما هي هبة إلهية ، ومواهب الله ليست قاصرة علي الكبار ، وإنما الصغار أيضاً يتمتعون بها . وما أكثرها في حياة القديسين الذين بدأوا حياتهم صغاراً ، لأن نعمة الله شاءت ان تعمل فيهم في هذه السن المبكرة ، كما عملت في أرمياء الذي لم يكن يعرف ان يتكلم لأنه ولد ، وكما عملت في صموئيل الطفل ، وفي سليمان وهو فتي صغير .
*******
ونفس النضوج الروحي كان في السيدة العذراء وهي طفلة
.العمق في الصلاة وفي التأمل وفي دراسة الكتاب … كل ذلك وهي طفلة صغيرة يتيمة تتربي في الهيكل … وتسبحتها المشهورة ( لو 1 : 46 – 55 )تدل علي مدي حفظها للمزامير وآيات الكتاب … كل ذلك وهي صغيرة السن . ولكنها نعمة الله العاملة في هذه الممتلئة نعمة ، التي أختارها الله صغيرة ، ولكن مملوءة بمواهبه . لعل يوحنا المعمدان كان ايضاً أحد الأطفال الموهوبين .
و التفسير الوحيد لذلك هو قول الملاك المبشر عنه " ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس "( لو 1: 15 ) ... وهكذا كان الروح القدس يعمل فيه وهو بعد في بطن أمه لذلك استطاع أن يرتكض وهو جنين في بطن امه لها سمعت سلام العذراء ، بل أنه ارتكض بابتهاج ، وهو جنين في بطن أمه لما سمعت سلام العذراء ، بل أنه ارتكض بابتهاج وهو جنين ( لو 1 : 41 – 44 ) .
إن النضوج المبكر للأطفال الموهوبين ، ليس له تفسير إلا موهبة الله الغنية التي تنسكب علي الأطفال بغني لا يعبر عنه
.المهم أن المواهب التي يعطيها الله للأطفال ، تعطيك رجاء ، وتجعلك تكرر العبارة التي قالها رب المجد : " أحمدك أيها الآب … لأنك أخفيت هذه عن الحكماء و الفهماء وأعلنتها للأطفال "( متي 11 : 25 ) ، " لأنه هكذا صارت المسرة أمامك ".
*******
ماذا نقول عن النضوج المبكر لاثناسيوس وطفولته العجيبة ؟
ليس شيئاً سوي موهبة الله التي يمحنها للأطفال بغني مذهل ، قد تحار فيه العقول البشرية ، وتعللها بأسباب شتى . . ولكنها تستريح من حيرتها أن وضعت أمامها عبارتين ، هما : " موهبة الله " و " محبة الله للأطفال ".
هو القديس أثناسيوس الذي لقبوه بالرسولي ، وهو أصغر من جلس علي كرسي مارمرقس ، وهو أعظم من جلس علي هذا الكرسي ، وكان بطلاً عظيماً من أبطال الإيمان ، وهو بعد شاب . وصار بطريركاً وهو في حوالي الثلاثين . ووضع كتباً عظيمة مثل " تجسد الكلمة " و " الرسالة إلي الوثنيين " وهو شاب صغير .
*******
إننا نسعد جداً ، ونمتلئ بالرجاء ، حينما نعرف ان نضوج الأطفال المبكر سببه موهبة الله ومحبته
.فالله الذي كان مع هؤلاء الأطفال وأعطاهم بغني من مواهبه ، هو أيضاً قادر أن يعطينا . المهم أن نتضع ونصير مثل الأطفال حسب وصيته ، ونقف أمامه فارغين
*******
نكتفي بهذه الأمثلة عن الصغار في السن ، ونتكلم عن :
*******
لقد اختار الله الصغار في العدد ، لكي يبارك أو يصنع بهؤلاء الصغار عجباً …
اختار الله الخمس خبزات و السمكتين ليصنع معجزة عظيمة
.إنه لم يحتقر هذه الكمية الصغيرة ، إنما باركها ، واطعم بها خمسة آلاف من الرجال . وحتي هذا القدر الضئيل كان يحمله غلام صغير ( يو 6 : 9 ) . وفي معجزة اشباع الأربعة آلاف من سبعة أرغفة كان معهم " قليل من صغار السمك " ( مر 8 : 7 ) . وبهذا القليل ، وبهذا القليل وبهذه الصغار ، وأشبع الرب تلك الآلاف من الناس …
وأختار الله هذه القلة الضئيلة ، ليعطي رجاء لكل قلة ضئيلة
.أن الله يبارك القليل فيصير كثيراً . إن العدد ليس هو المهم ، إنما الأهمية كلها هي في البركة التي في هذا العدد . وبهذه البركة يصنع الله عجباً .
ففي خدمتك لا تيأس من قلة مواهبك . وقل له " استخدمني لاطعامهم كأنني من صغار السمك ".
*******
انظروا في مثل الزارع : ماذا قال الرب عن الزرع الذي كان في الأرض الجيدة ؟ لقد قال :
"
فأعطي ثمراً : بعض مئة ، وآخر ستين ، وأخر ثلاثين " ( متي 13 : 8 ) . نحن نعقل يارب أن الزرع الذي يعطي مئه هو زرع جيد . ولكن هل يقال كذلك عن الذي يعطي ستين ؟ وهل يسمي جيداً من يعطي ستين ؟! وهل هذا الانتاج الضئيل هو مقبول عند الله ؟ولعل الرب يجيب
: مادامت الأرض أعطت ثمراً ، إذن فهي أرض جيدة ، حتي إن اعطت ثلاثين …لذلك لا ييأس ولا يفقد الرجاء ، أصحاب الثلاثين . إن الله يقبل هذا القليل منهم ، مادام هذا هو جهدهم . ويبارك الرب هذا الجهد كأنه شئ كثير . انظروا ماذا نقول في أوشية القرابين :
أصحاب الكثير وأصحاب القليل
. والذين يريدون أن يقدموا وليس لهم مجرد هذه الرغبة ، حتي من غير عطاء ، هي شئ مقبول عند الله ، الذي لا يحتقر الشئ القليل . عجيب هو الرب في إحكامه ، وفي قبوله للقليل . يذكرني هذا بقول أحد القديسين :العنقود وإن كانت فيه حبة واحدة ، لا تزال فيه ببركة
.ونفس المعني كرره اشعياء النبي ( اش 65 : 8 ). إن الله يعمل في القليل ، لكي لا نفتخر نحن بقوتنا ، ونظن اننا ننتصر بالكثرة و ليس بقوة الله ، فيكسرنا هذا الفكر .
*******
وهذا واضح من قصة الحرب التي دخلها جدعون بعدد قليل
…كان جدعون قد جمع من الشعب جيشاً كبيراً من اثنين وثلاثين ألفاً ليحارب المديانيين . ولكن الرب قال له :" هذا الشعب كثير علي لأدفع المديانيين بيدهم ، لئلا يفتخر إسرائيل علي قائلاً : يدي خلصتني "( قض 7 : 2 ) وظل الرب يغربل هذا العدد الكبير حتي وصل إلي ثلاثمائة جندي فقط . وبارك الله في هذا العدد القليل ، فانتصر علي جيش المديانيين الذي كان منتشراً كالجراد علي الأرض . وماذا أيضاً :
*******
لما اراد الرب الكرازة بالإنجيل اختار لذلك اثني عشر رسولاً فقط
…واستطاع هؤلاء – علي الرغم من قلتهم – أن يكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها ( مر 16 : 15 ) – وإلي أقطار المسكونة بلغت أقوالهم . من ثمانية أنفس فقط في الفلك ، أعاد الله تكوين البشرية من جديد . ولم يختر لغرضه سوي هذا العدد الضئيل …
ومن ابن واحد هو اسحق ، استطاع الله أن يأتي بنسل مثل نجوم السماء ورمل البحر في الكثرة
…وكما تحدثنا عن اهتمام الله بالصغير في السن ، وبالقليل في العدد ، ومباركته هذا وذاك ، ننتقل إلي أخري وهي :
*******
لما شاء أن يهزم جليات الجبار ، هزمه بحصاة ملساء في مقلاع صبي صغير هو داود .
فلا تفقد أنت رجاءك ، ولا تقل مواهبي قليلة ، وأنا صغير ، ضئيل الشأن لست علي مستوي قوة من يبغضونني . فلتكن حصاة صغيرة في مقلاع الرب . وليعمل الرب بك عملاً ، مهما كان جهدك قليلاً .
لأن
" الحرب للرب " ( 1 صم 17 : 47 ) . و" ليس لدي الرب مانع عن أن يلخص بالكثير أو القليل "( 1 صم 14 : 6 ) .*******
أنظر كيف نشر الله ملكوته علي الأرض … إنه لم يختر لذلك جماعة من الفللاسفة أو العلماء أو الجبابرة بل اختار مجموعة من الصيادين البسطاء ، وعمل فيهم وبهم … وكما قال الرسول "
"
اختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء . واختار الله ضعفاء العالم ليخزى الأقوياء . واختار الله ادنياء العالم و المزدري وغير الموجود ، ليبطل الموجود ، لكي لا يفتخر كل ذي جسد امامه "( 1 كو 1 : 27 – 29 ) .ونحن نقف أمام هذه العبارة مبهورين ..! قد تعبر في فهمنا كلمة الجهال و الضعفاء … لكن ماذا عن المزدري وغير الموجود ؟! … ما هذا العجب ؟ كيف يمكن للرب أن يختار ؟! لا شك ان هذه العبارة تحيي الرجاء في نفس كل إنسان ، مهما كان ضعيفاً ومهما كان بلا مواهب وبلا امكانيات وبلا قدرات من كل ناحية ... لذلك أن حوربت بالياس قل له : اعتبرني يارب ضمن المزدري وغير الموجود ، ولا تحرمني من العمل معك ... ليكن لي كيان قدامك ، مع أنني في نظر نفسي وربما في نظر الناس مزدري وغير موجود ...
ربما يظن البعض أن السيد المسيح لو كان قد جاء في أيامنا ، لكانا يختار أصحاب الشهادات العالية جدا وأساتذة البحوث
!كلا ، صدقوني ، لأنه لا يحب أن يفتخر كل ذي جسد أمامه ، ولئلا تنسب البشارة إلي عقله البشري وليس إلي عمل الروح القدس . فلو كان المسيح جاء في أيامنا ، ما كنت أستغرب أن يختار بعض من البسطاء كما فعل من قبل ، أو مجموعة من عمال التراحيل ...
فليس مصدر القوة هو الإنسان وإنما روح الله العامل فيه
.والله يحب أن يستخدم الصغار ، لكي لايفتخروا ، ولكي لا ييأس أحد من عمل الله فيه فلا يفشل أحد ، ولا تصغر نفس إنسان ما .
الله نشر الكرازة بإثني عشر رجلاً ، وما اصحاب مواهب
.بل كانت غالبيتهم من الصيادين ، إنما المهم هو عمل الله فيهم . والثالث عشر الذي هو بولس ، لم يعتمد علي الثقافة والمواهب ، بل قال لأهل كورنثوس " وأنا لما اتيت أليكم أيها الأخوة ، أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة " (1 كو 2 : 1 ) . لماذا ؟ يقول " ليس بحكمة كلام ، لئلا يتعطل صليب المسيح " ( 1 كو 1 : 17 ) ، لئلا تحسب المسيحية فلسفة ، أ, ينسب نجاح الكرازة إلي الحكمة وليس إلي عمل النعمة .
*******
إن باب الملكوت مفتوح للكل ، وكذلك باب الخدمة
…ليس فقط للذين يقولون إنهم وصلوا إلي الملء ، و يتكلمون بألسنة !! ولهم المواهب ، ويرتعشون في الصلاة ..! بل أن باب الملكوت مفتوح أيضاً أمام المبتدئ ، الحديث في العمل الروحي ، الذي لا يعرف أن يتكلم لأنه ولد ( أر 1 : 6 ) .
فلا تظن أحد أنه إن لم يصعد إلي القمة في الروحيات ، فهو لم يصل بعد إلي الله
!ولا تحتقروا امثال هؤلاء الذين لم يصلوا إلي القمم . ولا تصغر نفوس هؤلاء ، فإن الله يعمل في الكل ، ويستخدم حتي " القليل من صغار السمك "… وما اجمل العبارة المعزية التي قالها القديس يوحنا المعمدان :
إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم
( لو 3 : 9 ) .وإلي من ترمز الحجارة ؟ إلي صم بكم لا يتحدثون ، بلا حركة وبلا حياة … هؤلاء ، الرب قادر أن يقيم منهم أولاداً لإبراهيم . إذن لا تفقد رجاءك مطلقاً ، مهما كنت بلا حياة . فإنت ولا شك أفضل من حجارة كثيرة …
*******
أمامنا مثل آخر في ميلاد المسيح يدل علي اهتمام الله بالصغار :
لقد ولد في مزود بقر ، وليس في قصر ضخم
. وولد في قرية صغيرة هي بيت لحم ، وليس في المدينة العظمي أورشليم .واستطاع أن يحاول المزود إلي مزار عالمي ومقدس من المقدسات الكبري . اما بيت لحم فقال لها : من الآن فصاعداً " لست الصغري بين رؤساء يهوذا " ( متي 2 : 6 ) . رفعها فوق بلاد كثيرة ، ومنحها قيمة بميلاده فيها . ولعل هذا يذكرنا بدعوة الرب لجدعون ، الذي شعر بصغر نفس ، لضآلة أصله وبلده فقال :
ها عشيرتي هي الذلي في منسي ، وأنا الأصغر في بيت أبي
( قض 6 : 15 ) .ولكن الرب كان يبحث عن هذا الأصغر ، ليظهر مجد الله فيه .
لذلك لا تفقد رجاءك إن كنت صغيراً . إن كنت مزوداً ، أو قرية صغيرة ، أو كنت الأصغر في بيت أبيك ، أو ان كانت عشيرتك هي الذلي بين باقي العشائر …! إن الله قادر أن يعمل فيك ، ويرفع شأنك فتصير شيئاً آخر ما كنت تفكر فيه …
إنه موقف يشجع الضعفاء و المساكين ، الصغار والأذلاء
…*******
انظروا في اختيار موسي النبي ، تروا موقفاً عجيباً … كان موسي " ثقيل الفم و اللسان … وليس صاحب كلام لا من اليوم ولا أمساً ، ولا قبلاً من أمس "( خر 4 : 10 ) .
ومع ذلك اختار الله هذا الثقيل الفم واللسان ليكون كليم الله
…لم ينزع منه هذا النقص ، وإنما أرسل له هارون أخاه ، لكي " يكون له فماً " وقال الله لموسي : " وأنا اكون مع فمك ، وأعلمك ما تتكلم به " ( خر 4 : 16 ، 12 ) . وبهذا الإنسان الثقيل الفم و اللسان ، أذل الله فرعون … إن قلة المواهب لا تعوق عمل الله ، ولاتدعو الإنسان إن يفقد الرجاء في القدرة علي القيام بالمسئوليات … فباستمرار ثق بالله الذي قيل إنه " يعطي المعيى قدرة ، ولعديم القوة يكثر شدة "( إش 40 : 29 ) .
*******
إن الله يستخدم الصغار و الضعفاء
. وهنا نسأل سؤالاً : عندما قاد الله يونان النبي إلي التوبة و الصلح معه ، بماذا هداه ؟استخدم الله في هداية يونان : الدودة ، واليقطينة ، والرياح و الموج ، وأشعة الشمس . فكانت كل منها تؤدي رسالة إلهية … ( يون 1 ، 4 ) . اليقطينة التي بنت ليلة هلكت ، استخدمها الله في تحقيق مقاصده ، وكذلك الدودة التي لا قيمة لها عند أحد ! قل له : احسبني يارب دودة ، احسبني يقطينة ، احسبني موجة ، احسبني شعاعاً . فلأكن أي شئ مهما كان تافهاً في ملكوتك ، ولكن يصنع مشيئتك . وإن كنت دودة لا تفقد رجاءك ، سيكون لك دورة عند الله … وإن كنت يقطينة لا تصغر نفسك . سيأتي وقت تعطي فيه درساً لنبي كيونان ويكتب إسمك في كتاب الله …!
*******
اهتم بالأطفال ، وتحدث عنهم بكل حب وتقدير
..كان يحتضنهم ويعطف عليهم ويقول " دعوا الأولاد يأتون إلي ولا تمنعوهم ، لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات "( متي 19 : 14 ) . وأخذ ولداً وأقامه في الوسط ، وقال لتلاميذه " إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد ، فلن تدخلوا ملكوت السموات . فمن وضع نفسه مثل هذا الولد ، فهو العظم في ملكوت السموات . ومن قبل ولداً واحداً مثل هذا بإسمي فقد قبلني "( متي 18 : 2- 5 ) .
واهتم بنفسيته هؤلاء الصغار ، والبعد عن إعثارهم ، فقال
:من أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي ، فخير له أن يعلق في عنقه حجر الرحي ويغرق في لجة البحر "( متي 18 : 6 ) . إن الله يهتم بالصغار من كل نوع ، سواء في سنهم ، أو في حياتهم ، أو نوعيتهم ، عموماً ، أو في ضآلتهم وضعفهم . رعايته تشمل الكل .
*******
لقد اهتم حتي بالقصبة المرضوضة و بالفتيلة المدخنة
…فقيل عنه في الإنجيل " قصبة مرضوضة لا يقصف ، وفتيلة مدخنة لا يطفئ " ( متي 12 : 20 ) . إنه يعطي رجاء لكليهما . فالقصبة المرضوضة قد تربط وقد تعصب . والفتيلة المدخنة قد يرسل لها ريحاً فتشعلها .
والشجرة التي لم تعط ثمراً ، أعطاها رجاء وفرصة أخري
.فلما امتدت الفأس لتوضع علي رأس هذه الشجرة ، قال في حنوه " أتركها هذه السنة أيضاً ، حتي انقب حولها وأضع زبلاً . فإن صنعت ثمراً ، وإلا ففيما بعد تقطعها "( لو 13 : 7 – 9 ) . إنه لم يقطع الرجاء حتي بهذه التي استمرت ثلاث سنوات بلا ثمر .
*******
وهو يعطي قيمة حتي للنملة الصغيرة ، ويقدمها درساً للبشر
..فيقول :" اذهب إلي النملة أيها الكسلان . تأمل طرقها وكن حكيماً …" ونحن نقول : ما هي هذه النملة يارب حتي تخلصها ، وتمنحها هذه الطبيعة النشطة ، وتضرب بها المثل فيما وهبتها إياه من نشاط ومهارة وقدرة …؟! وكأن الله يجيبنا ويقول : لاتظنوا اني فقط خالق التنانين ، وإنما أيضاً خلقت الحشرات و الهوام
وأرعي هذه وتلك ... وأهتم حتي بالعصافير التي يباع اثنان منها بفلس واحد . وأعطي طعاماً لفراخ الغربان التي تدعوني ( مز 147 : 9 ) . عجيب هو الرب الذي يخلق هذه الأشياء الصغيرة ويهتم بها . بل يهتم حتي بالدودة التي تسعي تحت حجر ، وبالزنبقة الأشياء التي يلبسها أفضل من سليمان في كل مجده ( متي 6 : 29 ) .
*******
إنه يضرب لنا مثلاً للإيمان ولملكوت السموات بحبة الخردل التي هي أصغر جميع البذور
.فيقول يشبه ملكوت السموات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله ، وهي أصغر جميع البذور . ولكن متي نمت فهي أكبر البقول ، وتصير شجرة ، حتي إن طيور السماء تأتي وتتآوي في أغصانها "( متي 13 : 31 – 32 ) .
ويقول أيضاً " الحق أقول لكم لو كان لكم إيمان مثل حبة الخردل ، لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلي هناك فينتقل . ولا يكون شئ غير ممكن لكم "( متي 17 : 20 ) . إذن لا تفقد رجاءك ولو كان إيمانك صغيراً كحبة الخردل .
إنه يمكن أن ينمو ويصير شجرة تتآوي إليها الطيور . والله يقبل هذا الإيمان ويباركه . وأيضاً …
*******
في الإيمان و الملكوت يضرب مثلاً بخميرة صغيرة تخمر العجين كله
.فيقول :" يشبه ملكوت السموات خميرة أخذتها إمرأة ووضعتها في ثلاثة أكيال دقيق حتي اختمر الجميع "( متي 13 : 33 ) . وقد تذكر بولس الرسول هذا المثل فقال لأهل غلاطية :" خميرة صغيرة تخمر العجين كله "( غل 5 : 9 ) . إذن لا تفقد رجاءك مهما كان إيمانك قليلاً ، ومهما كان عملك ضئيلاً ، فالله يقبل القليل ويباركه ليصير كثيراً .
*******
إن الرب قد أعطي في ملكوته رجاء حتي للعرج والجدع
…فقال لعبده بعد أعد الوليمة " أخرج عاجلاً إلي شوارع المدينة وازقتها . وأدخل إلي هنا المساكين و الجدع و العرج و العمي "( لو 14 : 21 ) .
بل قال أيضاً كوصية :" إذا صنعت ضيافة فادع المساكين الجدع العرج العمي . فيكون لك الطوبي إذ ليس لهم حتي يكافئوك "( لو 13 : 13 ) . فإن حوربت بفقد الرجاء ، تذكر هؤلاء الذين ليس لهم ، والذين قبلهم الرب بدون مقابل …
*******
هنا ونذكر ملاحظة هامة في معجزة الخمس خبزات و السمكتين :
إن الله اهتم بالكسر ، فإمر بجمعها ، وحملها الرسل
…لعلك تقول ليتني كنت خبزة في يد الرب ، يباركها و يطعم بها الألوف ، وهكذا يمكنني أن أصلح لشئ في الخدمة ! أقول لك : حتي لو لم تكن خبزة ، وكنت مجرد كسرة ملقاه علي الأرض لم تجد من يأكلها … ستسمع قول الرب " اجمعوا الكسر وسيأتي وقت تستطيع فيه أن تشبع الآخرين .
إذن إن كانت أعمالك الروحية ضعيفة ، قل له في اتضاع : ادخلني يارب مع المساكين و الجدع و العرج و العمي إلي ملكوتك . وكما اهتممت بجمع الكسر في معجزة الخمس خبزات و السمكتين ، اعتبرني أنا أيضاً من هذه الكسر ، ليأخذني رسلك معهم في سلالهم وقففهم . انا يارب من هذه الكسر . اجمعني في سلتك المباركة .
*******
لا تظن أنه يجب أن تصعد إلي أعلي ، لكي تقابل الله
.بل انك كلما شعرت أنك لا شئ ، ولا استحقاق لك علي الاطلاق . وهبط قلبك أ سفل ، فهناك تلتقي بالله . وهكذا كلما نزلت إلي أسفل صعدت إلي أعلي .
حقاً الإنسان يصعد في هبوطه ، ويهبط في صعوده .
وقد قال الرب في ذلك " كل من يرفع نفسه يتضع . ومن نفسه يرتفع " ( لو 13 : 11 ) .
*******
لقد ضرب لنا ثلاثة امثلة في اهتمامه بالصغار في الاصحاح الخاص بقبوله للتائبين وبحثه عنهم
( لو 15 ) .رجوع الإبن الضال بانسحاق قلب ، قابله الرب بفرح كبير ومكافآت عديدة … ثم ماذا عن الخروف الضال ؟ من ذا الذي يستطيع أن ينظر إلي حظيرة فيها مائة خروف فيلمح أنها مجرد 99 ، ويبحث عن الواحد الناقص إلي أن يحمله علي منكبيه فرحاً ، بل من ذا الذي يهتم بدرهم واحد مفقود ، ويظل يبحث عنه حتي يجده ، ويفرح بوجوده ألا يعطيك هذا رجاء في عمل الله من أجلك ! هو يبحث عنك ، إن لم تبحث انت عنه …
ومن اهتمام الله بالصغار ، اهتمامه بقرية بيت لحم الصغيرة
.هذه التي قال لها الوحي الإلهي " وأنت يا بيت لحم … لست الصغري بين رؤساء يهوذا ، لتكوني قدساً ومكاناً للميلاد المجيد …"
ومن اهتمامه بالصغار ، اختاره ليئة المكروهة العينين
( تك 29 : 17 ، 33 ) .ليئة هذه التي كانت صغيرة القدر و المكانة بالنسبة إلي اختها راحيل ، هي التي اختارها الرب لتكون أماً ليهوذا سبط الملوك ، وأماً للاوي سبط الكهنوت ، وجدة للمسيح ، فأتي من نسلها ولم يأت من نسل راحيل …
*******
بل اختار الرب راحاب الزانية وكذلك ثامار ضمن سلسة الأنساب ، واختار راعوث الموآبية ضمن سلسة الأنساب أيضاً ( متي 1 : 3 ، 5 ) … بل اختار مريم المجدلية التي كان عليها سبعة شياطين لتكون مبشرة للرسل ( مر 16 : 9 ، 10 ) . بل أنه اختار التراب ليجعل منه صورته ومثالة . فلا تيأس إذن من عمل الله معك واختياره لك …
*******
إنه
" المقيم المسكين من التراب ، والرافع البائس من المزبلة ، ليجلسه مع رؤساء شعبه "( مز 112 ) .إذن الله قادر ان يقيمك مهما كانت حالتك ، بل يرفعك أيضاً لتجلس مع رؤساء شعبه أليس هو الذي لا يحتقر قصبة مرضوضة ، ولا فتيلة مدخنة ، يأمر بتشجيع صغار النفوس ، وأن نسند الضعفاء و نتأني علي الجميع "( 1 تس 5 : 15 ) . بل ما أجمل قول الكتاب " قوموا الأيادي المسترخية و الركب المخلعة "( عب 12 : 12 )، حتي إن كنت من هذا النوع ، سوف لا يهملك الله ، بل سيرسل لك من يقومك …
بل خذ مثال اهتمامه بالعصفور ، كرمز لاهتمامه بك
.إنه يقول " أليس عصفوران يبعان بفلس وواحد منهما لا يسقط علي الأرض بدون أبيكم " ( متي 10 : 29 ) فالذي يهتم بالعصفور لا شك يهتم بك أيضاً . ولذلك يقول بعدها مباشرة " وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة . فلا تخافوا ، أنتم أفضل من عصافير كثيرة "( متي 10 : 30 ) . ويعجب الرب بالعصافير في إيمانهم بأن الله يقوتها ويقول في ذلك " انظروا إلي طيور السماء . إنها لا تزع ولا تحصد ولا تجمع إلي مخازن . وأبوكم السماوي يقوتها ( متي 6 : 26 ) . وهكذا يذكرها ويضرب بها مثلاً لنا ، هي " وفراخ الغربان الغربان التي تدعوه " ( مز 147 : 9 ) . إنه يهتم بالدودة التي تسعي تحت حجر ، ويعطيها طعامها …
كم بالأولي أنت ، يعطيك طعام الروح ، وطعام الروح ، وطعام الجسد أيضاً . أليس الإنسان أفضل من ديدان كثيرة ؟! الدودة الصغيرة استخدمها الله ليعطي درساً ليونان النبي حينما أعدها الله لتضرب اليقطينة ( يون 4 : 7 ). حسن أن هذه الدودة ذكرت في الكتاب المقدس ، وهي تؤدي رسالة تؤول إلي توبة نبي .
*******
إنه لا ينسي كأس الماء البارد الذي تقدمه لعطشان
.وقد قال في ذلك :" من سقي أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد فقط باسم تلميذ، فالحق أقول لكم إنه لا يضيع أجره "( متي 10 : 42 ، مر 9 : 41 ) .
مجرد كأس ماء بارد ، لم تتعب فيه ، ولم يكلفك شيئاً ن هذا لا يضيع أجرة إذن لا تيأس إن كانت أعمالك
*******
هناك أعمال أنت تعملها وتنساها لضآلتها
. والله لا ينساها .حي إن كانت في نظرك بلا قيمة ، هي عند الله لها قيمتها ، ويكافئك عليها في اليوم الأخير . وحسن إنك نسيتها لتأخذ أجرها كاملاً هناك .
لقد مدح الرب ملكة التيمن لمجرد أنها زارت سليمان
.وقال :" ملكة التيمن ستقوم في ( يوم ) الدين مع هذا الجليل وتدينة ، لأنها أنت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان , وهوذا أعظم من سليمان ههنا "( متي12 : 42 ) . وبنفس الوضع مدح أرملة صرفة صيدا لأنها استضافات إيليا النبي في وقت المجاعة ( لو 4 : 25 ، 26) . ولم ينس الرب زيارة نيقوديموس ، مع أنها لا كانت ليلاً وبخوف …
وسمح أن تسجل هذه الزيارة في الإنجيل ( يو3 ) . وهذا الإيمان الخائف المتخفي الذي كان لنيقوديموس ، باركه الرب ونماه حتى سمح له أن يكفنه وصار دنيقوديموس من مشاهير المسيحيين فيما بعد ، وصار جندياً صالحاً في ميدان الخدمة …
ولم ينس الرب لزكا مجرد صعوده علي الجميزة ليراه
.ربما لم يحس زكا أن هذا عمل كبير يكافأ عليه من الرب . ولكن الله الذي يهتم بكل عمل مهما كان صغيراً ، وقف ونادي زكا ، ودخل بيته. وقال له : " اليوم حدث خلاص لأهل هذا البيت إذ هو أيضاً ابن لإبراهيم "( لو 19 :9 ) . هل كان يخطر علي بال زكا أن الرب سيقدر صعوده إلي الجميزة كل هذا التقدير ؟! أم هو الرب الذي يهتم بالعمل مهما كان صغيراً .
*******
إنه لم ينس مطلقاً عبارة اتضاع تلفظت بها المرأة الكنعانية
. وطوبها قائلاً لها " عظيم هو إيمانك . ليكن لك كما تريدين وشفي إبنتها في تلك الساعة "( متي 15 : 28 ) ، مع أنهم كانوا في البرية متذمرين وقساة القلوب . قال لشعبة :"
قد ذكرت لك ..ذهابك ورائي في البرية "( أر 2 : 2 ) .قال هذا علي الرغم من أخطاء هذا الشعب في البرية ، و


ساحة النقاش