كل إنسان في الدنيا له متاعبه الخاصة ،
سواء كانت متاعب ظاهرة للآخرين ، أو مكتومة في القلب ، سواء كانت متاعب روحية ، أو متاعب نفسية ، أو متاعب جسدية ، أو متاعب عائلية اجتماعية .والسيد المسيح قد جاء من أجلي التعابي
.جاء " يطلب ويخلص ما قد هلك " ( متي 18 : 11 ) . جاء ليخلص العالم من خطيئته كما قال اشعياء النبي " كلنا كغنم ضللنا . ملنا كل واحد إلي طريقه و الرب وضع عليه إثم جميعنا "( اش 53 : 6 ) وأيضاً جاء المسيح ليخلص العالم من آلامه ومتاعبه ، ولذا قال نفس النبي " لكن أحزاننا حملها ، وأوجاعنا تحملها ( اش 53 : 4 ) . وهو أيضاً قال " تعالوا إلي يا جميع المتعبين و الثقيلي الأحمال ، وأنا أريحكم " ( متي 11 : 28 ) .
لماذا قال
" يا ثقيلي الأحمال ؟" ربما لأن الذي حمله خفيف يحتمل ويسكت . أما الذي حمله ثقيل ، فليس أمامه إلا أن يقول : يارب ...المفروض أن نلجأ إلي الرب ، سواء كان الحمل ثقيلاً أو خفيفاً . ولكن علي الأقل إذا كان الإنسان مضغوطاً جداً من ثقل أحماله ، فلن يجد أمامه سوي وعد الرب بأن يريحه .
تعالوا
... وأنا أريحكم . إنها دعوة ووعد . دعوة من الله ، ووعد إلي عالم تعبان ، مثقل بمشاكل من كل نوع : مشاكل الأنشقاقات و الحروب ، ومشاكل الإسكان و التموين ، ومشاكل الزواج و الطلاق ، ومشاكل التطرف والإرهاب ، ومشاكل الفساد والأدمان . وفي كل هذه المشاكل ، يقول الرب تعالوا إلي يا جميع المتعبين ... وأنا أريحكم .*******
وهنا نجد صفة جميلة من صفات الرب ، وهو أنه مريح
.مريح التعابي و الثقيلي الأحمال ، كثيرون في متاعبهم يجلسون مع آخرين فيزيدونهم تعباً علي تعبهم . وقد يلجأون إلي البعض ، فلا يجدون منهم سوي الإهمال واللامبالاة . لكن المسيح المريح ، كل من يلجأ إليه تستريح . إنه دائماً يعطي . يعطي الناس راحة وهدواً وعزاءاً ، وسلاماً وطمأنينة في الداخل . ويرفع عن الناس أثقالهم ، ويحملها بدلاً عنهم ويريحهم . وهكذا يفعل من لهم صورة الله ...
قال الرب
: أدعني في يوم الضيق ، أنقذك فتمجدني ( مز 50 : 15 ).البعض إذا أصابته ضيقة ، يظل يغلي بالألم و الحزن داخل نفسه . أفكاره تتعبه ، ونفسيته تتعبه ، وربما اليأس يتعبه . وربما لا يجد أمامه سوي الشكوى أو التذمر أو البكاء . وفي كل ذلك لا يفكر أن يلجأ إلي الله ، ولا أن يضع أمامه قول المزمور :
"
إلقي علي الرب همك . وهو يعولك "( مز 55 : 252 ) .تعال إذن وكلم الرب عن متاعبك بكل صراحة ، سواء كانت تتعبك معاملة الآخرين أو ضغوطهم . أو ظلمهم أو قسوتهم ... أو كانت تتعبك شكوك أو أفكار ، أو خطايا ، أو عادات مسيطرة عليك ، وتأكد أن الرب يعرف متاعبك أكثر مما تعرفها أنت ويريد أن يخلصك منها جميعاً. فاطلبه في رجاء وثقة ، واضعاً أمامك قول المزمور :
"
يستجيب لك الرب في يوم شدتك . ينصرك إسم إله يعقوب " (مز 20 : 1 )وثق أن الكنيسة أيضاً تصلي من أجلك ، حينما تقول في آخر صلاة الشكر " كل حسد وكل تجربة ، وكل فعل الشيطان ، ومؤامرة الناس الأشرار ، وقيام الأعداء الخفيين و الظاهرين انزعها عنا وعن سائر شعبك "... كذلك تذكر كل متاعبك في صلوات القداس الإلهي .
*******
تأكد أيضا أن الضيقات ليست لوناً من التخلي
.فالله سمح أن رسله وقديسيه تصيبهم الشدائد ، ولكنه كان واقفاً إلي جوارهم يريحهم . . وهكذا قال القديس بولس الرسول عن نفسه وعن زملائه في الخدمة " مكتئبين في كل شي ، لزكن غير متضايقين . متحيرين لكن غير يائيسين ، مضطهدين لكن غير متروكين ..." ( 2 كو 8 ، 9 ) .
نعم ، ما أكثر متاعب الناس
... و المسيح مستعد أن يريحهم جميعاً .هناك شخص يتعبه الآخرون . وهناك من تتعبه نفسه . كإنسان مغلوب من شهواته ، أو مغلوب من طباعه ، أو من عاداته . أو تعبان من أفكاره و ضغطها عليه ويريد أن ينتصر علي نفسه ولا تستطيع ... هذا يستند علي قول الرب " تعالوا إلي يا جميع المتعبين ... وأنا أريحكم "
وهناك إنسان تتعبه الخطية ولا يستطيع فكاكاً منها
...كلما يتوب ، يرجع فيخطئ مرة أخري . ومهما اعترف بخطية ، يعود إليها ويكرر اعترافاته . يضع لنفسه تداريب روحية ، ولكنه لا يثبت فيها . يحاول أن يغصب نفسه علي حياة البر ، ومع ذلك فلا يزال يحيا في الخطية . خطيته هي هي منذ سنوات ، وطبعه الردئ هو هو ، ولا تحسن ! إنه مغلوب وساقط . تكاد الخطية أن تصبح طبيعة له . وقد لجأ إلي الآباء و المرشدين الروحيين ، وإلي القراءات وأقوال الآباء القديسين وسيرهم ، ولا فائدة . هذا الإنسان ليس أمامه سوي قول الرب : " تعالوا إلي يا جميع المتعبين و الثقلي الأحمال وأنا أريحكم ".
*******
لماذا تجعل الرب آخر من تلجأ إليه . ابدأ به حتي تصل ولا تضل . هوذا الرب يعاتبنا قائلاً :
"
تركوني أن ينبوع المياة الحية . وحفروا لأنفسهم آباراً ، آباراً مشققة لا تضبط ماء " ( ار 2 : 13 ) .نعم ، كثيرون يلجأون إلي الآباء المشققة ، سواء من جهة الآخرين أو أنفسهم . يقع أحدهم في مشكلة . فيحاول أن يحلها بذكائه الخاص و تفكيره ، بحيله و تدبيره . أو يلجأ إلي الآخرين لكي يسندوه في مشكلته . ولا ينتفع من كل ذلك شيئاً ، لأنه لم يلق همه علي الله وحده وهو يعوله . لم يطلب المسيح لكي يريحه . إنه يحاول الاعتماد علي الذراع البشري ! ويتجاهل قول الرب " تعالوا إلي " ... لذلك يفشل ويبقي في مشاكله بلا حل . آخاب الملك اشتهي شهوة . أشتهي حقل نابوت اليزرعيلي . ولم يلجأ إلي الله ، بل لجأ إلي إيزابل ، فضيعته . أسند رأسه المتعبة علي إيزابل فضاع .
كذلك شمشون أسند رأسه المتعبة علي دليل ن فضاع
!ولم يحدث أن أحداً منهما وجد حلاً ... كذلك اليهود لما لجأوا إلي فرعون ، لكي يخفف عنهم تعبهم ، لم يخففه ، بل أزاد أثقالهم ، قائلاً لهم : " متكاسلون أنتم متكاسلون " ( خر 5 : 17 ). ولما لجأ الشعب إلي رحبعام ليخفف عنهم نير سليمان أبيه ، أجابهم " أبي أدبكم بالسياط و أنا أؤدبكم بالعقارب "( 1 مل 12 : 14 ) .
إن الذراع البشري ليس هو الذي ينقذ الإنسان
. إنما الذي ينقذه هو الله .لذلك إرفع بصرك إلي الله وقل له " كل حملي سألقيه عليك ، ولا أعود أفكر فيه ثانية ، أنت الذي تحله ، لأنك أنت حلال المشاكل وليس غيرك . وكلما ألجأ إلي غير تزداد مشاكلي و تتعقد ...
*******
عجيب أن البعض يحاول مشاكله بخطايا
!هناك من يحاول أن يحل المشكلة بالكذب ، وأحياناً يقول إنه كذب أبيض ! أو قد يلجأ إلي المكر وإلي الدهاء . بل قد يحاول في بعض الأوقات أن يحل مشكلته بالعنف أو قد يهرب من مشكلته بتعاطي الخمر أو المخدرات لكي ينساها ، أو قد يلجأ إلي المسكنات و المنومات ، أو إلي التدخين . وكل ذلك لا يحل مشكلته ، بل يضيف إليها مشكلة أخري وأسوأ من ذلك يلجأ إلي السحرة و العرافين و الدجالين . و البعض قد يحاول حل مشكلتة بالوهم وأحلام اليقظة .
فيجلس و يتخيل أنه قد صار وصار ... وإذا لا يعجبه الواقع ، يحاول علي الأقل أن يتلذذ بالخيال ! ويقول لنفسه : إن لم أنل النجاح . فعلي الأقل أحلم به ! وإن استيقظت من أحلامي ، أنام مرة أخري لأحلم بها ...! ولكن احلام اليقظة لا تحل مشاكله التي تظل باقية . إنما يحلها قول الرب " تعالوا إلي وأنا أريحكم ".
*******
هناك أشخاص لم يكن لهم حل سوي الله ز مثال ذلك : الثلاثة فتية ، حينما ألقوا في أتون النار . ويونان النبي حينما كان في جوف الحوت . ودانيال النبي حينما ألقوه في جب الأسود . حقاً من كان ينقذ كل هؤلاء سوي الله وحده ؟ ! الذي أرسل ملاكه فسد أفواه الأسود ( دا 6 : 22 ) ، وأمر الحوت فقذف يونان إلي البر ( يون 2 : 10 ) . ولم يسمح للنار أن تؤذي الفتية .
كذلك تدخلت يد الله في المشكلة الأريوسية
...لقد قامت الكنيسة كلها علي أريوس الهرطوقي . حرمه المجمع المسكوني ، ورد عليه القديس أثناسيوس . ولكنه استمر يشكك الناس في الإيمان ، ويلجأ إلي سلطة الأمبراطور لحمايته فأمر بإرجاعه . و التفت الرب إلي الكنيسة قائلاً : " تعالوا إلي وأنا أريحكم " . وأقيمت الصلوات ، فانسكبت أحشاء أريوس ، ومات ...
كذلك فعل الله مع جيش سنحاريب ، ومع فرسان فرعون
.حزقياً الملك مزق ثيابه وتغطي بمسح ، ودخل بيت الرب ، ملقياً همه عليه فخرج ملاك الرب وضرب من جيش أشور 185 ألفاً ( 2 مل 19 : 1 ، 35 ) . وأغرق الرب فرعون وفرسانه في البحر الأحمر . ذلك لأن موسي النبي قال للشعب " قفوا وانظروا خلاص الرب .. الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون "( خر 14 : 13 ، 14 ) .
*******
حقاً
: حينما تفشل جميع الحلول ، يبدو حل الله واضحاً . و الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون .إنه أمين في قوله " أنا أريحكم " . ما أجمل الترتيلة التي تقول " لما أكون تعبان أروح لمين غيرك "... بنفس الوضع أراح الرب الكنيسة من ديوقلديانوس الذي سفك دماء آلاف الشهداء بل دماء مدن بأسرها ، كشهداء أخميم وشهداء إسنا . وأرواحنا الله من دقلديانوس ، وجاء قسطنطين بمرسوم ميلان للتسامح الديني ... وأرواح الله الكنيسة من اضطهاد شاول الطرسوسي لها . وحوله بنعمته إلي أقوي كارز بالمسيحية فصار بولس . ولا ننسي أيضاً كيف أراح الله داود النبي من شاول الملك الذي كان يطارده من برية إلي أخري ...
*******
إن حلول الله هي أقوي الحلول وانجح الحلول
. فعلينا أن نلجأ إليها ونتمسك بها .يعقوب أبو الآباء ، كان خائفاً من أخية عيسو ، وعاجزاً عن ملاقاته ، ولكنه عندما تمسك بالرب وقال له " لا أتركك حتي تباركني " ( تك 32 : 26 ) ، " نجني من يد أخي ، من يد عيسو ، لأني خائف منه أن يأتي ويضربني ، الأم مع البنين ( تك 32 : 11 ) ... حينئذ ركض عيسو للقائه وعانقه وقبله باكياً ( تك 33 ك 4 ) .
وأنت إن استطعت أن تغلب في صراعك مع الله
– كيعقوب – لابد سيريحك من كل متاعبك .لقد تعب سمعان بطرس الليل كله ولم يصطد شيئاً . ولكنه لما تلاقي مع الرب وعلي كلمته ألقي الشبكة ، حينئذ اصطاد سمكاً كثيراً حتي كادت الشبكة تتخرق ( لو 5 : 4 – 6 ) . و المرأة الخاطئة حينما أمسكت بقدمي المسيح وبللتهما بدموعها ، أمكنها أن تتخلص من خطاياها ، وتنال المغفرة . وما كان ممكناً ، لولا ذهابها إليه .
المهم أن تأتي إلي الله ولكن كيف تأتي ؟
.
1-
تأتي بقلب منسحق ، مثلما أتي الإبن الضال :إنه كان في الكورة البعيدة يعيش في تعب . ثم فكر أن يأتي إلي أبيه ليستريح فإتي إليه بقلب منسحق يقول : " أخطأت إلي السموات وقدامك ، ولست مستحقاً أن أدعي لك إبناً "( لو 15 : 21 ) . وبهذا الانسحاق قلبه أبوه ، وأقام له وليمه فرح وألبسه الحلة الأولي ، وجعل خاتماً في يده ... بينما أخوه الأكبر خسر الموقف ، لأنه رفض أن يأتي ، وتكلم مع أبيه بكبرياء قلب .
لا تأت إلي الله متكبراً ، تقول له
: لماذا تتركني و تضطهدني .ولا تنسب إلي الله كل أسباب مشاكلك ، غير معتقد أنك أنت السبب ، بل تنسب السبب إلي تخلي الله عنك !! إنما تعال إليه منسحقاً ، لكي تصطلح معه . وكما قال أحد الآباء :
اصطلح مع الله ، تصطلح معك السماء و الأرض
.إذن لا تأت إليه فقط لكي يريحك من أتعابك و يحل لك مشاكلك ، إنما تعال أولاً لكي تصطلح معه . فربما يكون السبب الأصلي في مشاكلك ، أنك في خصومة مع الله وإن طرقك لا ترضيه ... ويقول لك الله : أنا مستعد أن أريحك ، إنما المهم أن تترك الطريق الخاطئ الذي تسير فيه . وكما يقول :
ارجعوا إلي ، أرجع إليكم ، قال رب الجنود ( ملا 3 : 7 ) .
*******
2-
إذن تعال إليه تائباً ، لكي تصطلح معه .وحينما تصطلح مع الله . تجد الدنيا كلها قد اصطلحت معك ، ويعطيك الرب سلاماً وراحه في قلبك . يعطيك هدواءاً داخلياً ، وثقة وطمأنينه . وغالباً ما يكون سبب تعب الإنسان ، هو شئ في داخله يتعبه . هنا يعجبني قول القديس يوحنا ذهبي الفم :
لا يستطيع أحد أن يضر إنساناً ما لم يضر هذا الإنسان نفسه .
فمن الجائز أن يكون سبب متاعبك ، هو أنك تضر نفسك ، فإذا ما اصطلحت مع الله وأتيت إليه تائباً ، ستتخلص من ضررك لنفسك ، وتكون راحتك سهله وممكنه .
*******
3-
كذلك ينبغي أن تأتي إلي الله ، بالإيمان ، وبالصلاة .كثيرون يأتون إلي الله ، ولكن ليس عندهم إيمان أن الله سيحل مشاكلهم ! ويصلون وهم لا يحسون إن الصلاة ستكون لها نتيجة . وهكذا يستمرون في تعبهم بسبب عدم إيمانهم ، وبسبب فقدانهم للرجاء و الثقة بالله .
لقد قال السيد المسيح للمرأة الخاطئة التائبة " إيمانك خلصك ، فاذهبي بسلام ( لو 7 : 50 ) وقال للأبرص الذي شفي " قم وأمض ... إيمانك خلصك "( لو 17 : 19 ) . وقال للأعمي المستعطي في أريحا " أبصر إيمانك قد شفاك "( لو 18 : 42 ) وقال للأعميين " بحسب إيمانكما . لذلك تعال إليه بإيمان ، واثقاً أنه سيريحك ، وحينئذ ستستريح ...
*******
4-
تعال إليه أيضاً ، وأنت تحمل نيره عليك .فهو الذي قال " احملوا نير عليكم ، وتعلموا مني فإني وديع ومتواضع القلب ، فتجدوا راحة لنفوسكم "( متي 11 : 29 ) . إذن احمل صليبك واتبعه . وحينما تأتي إليه في مشاكلك ، لا تأت متذمراً متضجراً ، بل تعال في حياة التسليم ، خاضعاً لمشيئته ، متذكراً قول الرسول :
"
واحسبوه كل فرح يا أخوتي ، حينما تقعون في تجارب منتوعة "( يع 1 : 2 ) .بهذا لا يضغط عليك التعب ، لأن قلبك سليم من الداخل . لم تستطيع المتاعب التي في الخارج أن تتعب القلب من الداخل مملوء بالسلام و الطمأنينة و بالفرح ، حتي في وسط الضيقات .... فإن لم يكن لك هذا الشعور ، أطلبه من الله .
وهو الذي يهبك السلام ، لأنه هو الذي قال " سلامي أترك لكم ، سلامي أنا أعطيكم "( يو 14 : 27
) . أن من ثمار الروح " محبة و فرح وسلام ( غل 5 : 22 ) . فإن كانت لك ثمار الروح هذه ، ستحيا دائماً مستريحاً .
5-
أدخل إذن في شركة الروح القدس ، ولتكن لك ثمار الروح ، وتعال إلي الله هكذا ، تجد راحه لنفسك .
قد يفقد الإنسان رجاءه في الخلاص ، لأن أعداءه قد اعتزوا أكثر منه ، ولا قدرة له علي مقاومتهم ، سواء في ذلك أكانوا أعداءه الروحيين ، أو مضايقيه في هذا العالم . وهو خلال ذلك يصرخ " إن الغرباء قد قاموا علي ، والأقوياء طلبوا نفسي ، ولم يسبقوا أن يجعلوا الله أمامهم "( مز 53 ) " ضاع المهرب مني ، وليس من يسأل عن نفسي " ( مز 141 ) . أو قد يفقد خاطئ رجاءه في التوبة ، لأنه لا يقدر علي الوصول إليها ، أو بالأكثر لا يريدها ..! ولكننا نقول لكل واحد من هؤلاء و أمثالهم :
لا تفقد رجاءك
. فإن الله يهتم بخلاصك أكثر مما تهتم أنت ... بل هو الذي يسعي لخلاصك . وهذا هو اسلوب الله منذ البدء ...*******
بدأ قصة الخلاص منذ أيام أبوينا الأولين آدم وحواء . لقد سقط الاثنان في الخطية ، واستحقا حكم الموت . وكان الخلاص لازماً لهما جداً . ومع ذلك نري أن الله نفسه هو الذي سعي لكي يخلصهما ...
لا آدم طلب الخلاص
. ولا حواء ، بل هربا كلاهما من وجه الله ، واختفيا خلف الأشجار ..!ما كان الهروب وسيلة عمليه تؤدي إلي الخلاص . ولكن الخلاص لم يكن يشغلهما في ذلك الحين . وكل ما كان يشغلهما هو الخوف و الخجل . . ما سمعنا قط أن آدم قال لله : يارب اغفر ، يارب سامح . أخطأت إليك ، فامح ذنبي ... ولا حواء قالت شيئاً من هذا ... ولعل هذه الألفاظ لم تكن في قاموسهما الروحي في ذلك الحين ... وفيما هما لا يبحثان عن خلاص نفسيهما ، كان الله يبحث عنهما ..كان ينادي في الجنه " يا آدم ، أين أنت ؟" ( تك 3 : 9 ) . كان الله هو الذي يفتش عن آدم وحواء ، وهو الذي يفتح الموضوع ، ويستدرجهما إلي الكلام ويشرح لهما ما وقعاً فيه من خطأ ، وما يستحقانه من عقوبة . ثم يقدم لهما أول وعد بالخلاص ، وهو أن نسل المرأة سوف يسحق رأس الحية ( تك 3 : 15 ) .
*******
صدقوني ، لو أن الله ترك الإنسان إلي حريته وحده ، أو إلي قدرته وحده .... ما خلص أحد علي الاطلاق ...!ولكن الله هو الذي يسعى وراء خلاص الكل ... كما أعطانا مثلاً عن سعيه وراء الخروف الضال ، ووراء الدرهم المفقود ( لو 15 ) .
*******
كان الخروف سائرً في ضلاله ، لا يدري أين هو ، وربما لا يدري ما هو فيه وفيما هو كذلك كان الراعي الصالح مهتماً بخلاصه . الراعي هو الذي اكتشف ضياع هذا الخروف ، وهو الذي بحث عنه وفتش ، وجرى وراءه في الجبال والوديان إلي أن وجده . لعلها كانت مفاجأة له ، حينما وجد راعيه أمامه ، يأخذه في حنان ، ويحمله علي منكبية فرحاً . حقاً ما أجمل قول الوحي الألهي عن الرب كراع :
"
أنا أرعي غنمي وأربضها – يقول السيد الرب – وأطلب الضال ، واسترد المطرود ، وأجبر الكسير ، وأعصب الجريح ..."( حز 34 : 15 ، 16 ) .هو الذي يطلب ويسترد ، وهو الذي يجبر و يعصب . العمل ، وليس عملنا نحن ... أليس هذا أمراً يبعث الرجاء في النفس ؟
*******
وفي مثال الدرهم المفقود ، نري نفس الوضع ، وبأسلوب أعمق
:الدرهم لا يملك حياة ، ولا عقلاً ولا فكراً ولا إرادة ... ولا يدري إلي إين هم قد تدحرج ، وأين استقر به الأمر . وإيضاً لا يعرف كيف يرجع إلي كيس صاحبه أ جيبه ...وقد كان الدرهم المفقود رمزاً إلي كثيرين من نوعه ...
كان رمزاً لكثيرين ممن لا حياة لهم ولا إرادة ... وكان رمزاً أيضاً للضآلة ... فلو أن الأرملة كانت فقدت مائه جنيهاً ذهباً ، لكان من المعقول أن تبحث عنها وتفتش أما مجرد درهم واحد ينال منها كل ذلك الاهتمام ، فهو أمر يدعو إلي التأمل ، ويضع أمامنا عمقاً في الرجاء وهو :
إن الله يبحث عن خلاصك ، مهما بدا قدرك ضئيلاً
! لقد ضرب الله لنا مثل الدرهم لنعرف قيمة النفس عنده .لأنه قد يسأل بعضهم ما قيمة هذا الدرهم الضئيل ، حتي يصير هذا البحث الجاد عنه ، وهذا الفرح وهذه الوليمة عند العثور عليه ؟! . إن كل هذا رمز لاهتمام الرب بالنفس الواحده ، مهما كانت تبدو ضئيلة الشأن . ويعبر المثل عن سعي الله لخلاصنا حتي لو لم نسع نحن ، وفرحة بخلاصنا وفرح الملائكة أيضاً . ألست أنت عند الله أفضل من درهم واحد مفقود ؟!
*******
ثق أن نفسك ثمينة في نظرة الله إليها ، مهما كانت تبدو ضئيلة في نظر الناس ، او في نظرك أنت ... مثل المرأة السامرية التي سعي الرب لخلاصها ، وهي محتقرة في نظر الناس ... ومثل زكا العشار الذي ذهب الرب إلي بيته ، وهو في نظر الكل رجل خاطئ لا يستحق ( لو 19 : 7 ) .
*******
حقاً أن الرب يسعي لخلاصنا ، ويفرح بذلك جداً
...كما أخذ الخروف الضال ، "وحمله علي منكبيه فرحاً "( لو 15 : 5 ) ، وكما قال إنه " يكون فرح في السماء بخاطئ وحد يتوب "( لو 15 : 7 ) ، وكما فرح برجوع الابن الضال ، وذبح له العجل المسمن ، وكما فرح بالعثور علي الدرهم المفقود ( لو 15 : 23 ، 9 ) . إنه يسعي لخلاصنا أكثر مما نفتش نحن عن ابديتنا . وما أجمل ما قاله الرسول عنه إنه : يريد أن الجميع يخلصون ، وإلي معرفة الحق يقبلون "( 1 تي 2: 4 ).
وقيل عنه أيضاً إنه لا يشاء موت الخاطئ ، بل أن يرجع ويحيا ( حز 18 : 23 ) . ونقول عنه في آخر كل صلاة من صلوات الأجبية : " الداعي الكل إلي الخلاص من أجل الموعد بالخيرات المنتظرة "...
*******
إن عمل الله ليس فقط أن يفرح بتسبيح السارافيم ، أو بنقاوة الملائكة ن أو بكرازة الرعاه ، أو بجهاد القديسين ، إنما هو يفرح بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين باراً لا يحتاجون إلي توبة
( لو 15 : 7 ) .
لا تفقد الرجاء إذن مهما ضللك ، لأنه هناك درجة أبشع كثيراً من الضلال قد جاء الرب لخلاصها ، كما قال عن نفسه إنه :
"
جاء يطلب ويخلص ما قد هلك "( لو 19 : 1 ) .يخلص من ؟ ليس مجرد الضعيف أو الخاطئ أو المتواني أو المريض ... وإنما " ما قد هلك " ... ! ليس فقط من هو في طريق الهلاك ،إنما ما قد هلك !! ... أي رجاء أعظم من هذا أن الرب " جاء يطلب ويخلص ما قد هلك " ... ولم يقل " ويخلص الطالبين ..." إنما هو الذي يطلب .... الذي يسعي لخلاص كل أحد ...
إذن حتي الذي هلك ، مازال له رجاء في الخلاص
!نعم بلا شك . إن المسيح قد جاء ليخلص هذا الهالك وأمثاله . جاء يخلص الموتي بالخطايا (أف 2 : 5 ) . نعم بلا شك . أن المسيح قد جاء ليخلص هذا الهالك وأمثاله . . جاء يخلص الموتي بالخطايا ( أف 2 : 5 ) . لا يقل أحد إذن ، مهما حدث منه ، ومهما حدث له : أنا انتهيت ، أنا ضعت وليست هناك فائدة مني ، ولا وسيلة لخلاصي ...! اطمأن فحتي إن كنت قد هلكت فعلاً ، فاعلم أن باب الخلاص لا يزال مفتوحاً أمامك ، والرب قد جاء يطلب ويخلص ما قد هلك ....
وهب الله رجاء للمجدلية التي كان عليها سبعة شياطين
.وعندما قام من الأموات ، يقول مرقس الإنجيلي إنه " ظهر أولاً لمريم المجدلية التي كان قد أخرج منها سبعة شياطين "( مر 16 : 9 ) . ولما أراد أن يبشر رسله القديسين بقيامته ، اختار هذه بالذات لكي تبشرهم !! ونحن لا ندري هل كان عليها سبعة شياطين فقط أم رقم سبعة هنا له معني رمزي يدل علي عدد كبير من الشياطين !! ولكن ماضي المجدلية قد نسي ، وقد أصبحت مبشرة للرسل ! يا للعجب ! أليس هناك رجاء لك من خلال قصة هذه المرأة العجيبة ؟!
*******
حقاً أنظروا لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار
( متي 18 : 10 ) .سواء الصغار في سنهم ، أو في روحياتهم ، أو في نوعيتهم ، أو أصحاب الماضي الويل الاثيم . لا تحتقروا لأحداً . ولا تصغر نفس أحد إن كان واحداً من هؤلاء ولا يفقد رجاءه
صدقوني ، أن الله في اليوم الأخير سيرتبنا ترتيباً آخر غير الذي نحن عليه الآن
...ترتيبنا في العالم الحاضر هو حسب السن أو المركز أو الدرجة ، أو المواهب و القدرات ... أما في الأبدية فسيكون حسب القلب الذي يعرفه الله . وربما كثير من الصغار هنا ، ومن المزدري وغير الموجود ، يسبقون أصحاب الدرجات و الواهب وأصحاب المناصب و الرئاسات . فلا تحتقروا إذن أحد هؤلاء الصغار .
*******
ولما أراد الله خلاص اريحا ، اختار راحاب الزانية
( يش 2 ) . ودخلت راحاب في شعب الله ، كما دخلت في سلسلة الأنساب ( متي 1 ) وصارت قديسة ، ونسي لهال ماضيها . وصارت صورة حية للرجاء لكل من يتذكرها . ولعلك تسأل : ما معني اهتمام الله بامرأة زانية ، وبأخري كان عليها سبعه شياطين ؟! أقول لك إنه نفس اهتمامه بالأشياء الصغيرة ، بالمزدري وغير الموجود ( 1 كو 1 : 28 ) .إن قصة
" المدوسة بدمها " في سفر حزقيال ، تعطي رجاء للكل ...قال عنها الكتاب إنها كانت عريانة وعارية ، ومطروحة علي الحقل بكراهة نفسها ، وأنها كانت مدوسة بدمها ... فهل تركها الله هكذا ؟ كلا ، إنه يقول لها وهي في هذه الحالة السيئة :
"
مررت بك ورأيتك ، وإذن زمنك زمن الحب "أي حب يارب لهذه المكروهة ، العارية من كل فضيلة ، المطروحة علي الحقل ؟! نعم إن الله أحبنا ونحن خطاة ، ولهذا بذل نفسه عنا ، ومات لأجلنا ، البار من أجل الأثمة . وماذا عن هذه الاثيمة الخاطئة ؟ يقول لها " مررت بك " ، وليست هي التي ذهبت إليه . وماذا أيضاً ؟ يقول :
" فبسطت ذيلي عليك ، وسترت عورتك ". غطي الخطية ولم يحتقر صاحبتها ...
*******
"
ودخلت معك في عهد ، يقول السيد الرب ، صرت لي "...وفي هذا العهد ، منحها الرب الكثير من نعمة الروحية . يقول : " فحممتك بالماء " يعني المعمودية ، حيث غسلها من كل خطاياها " ومسحتك بالزيت " يعني الميرون ، فنالت المسحة المقدسة ، مسحة الروح القدس ." وألبستك مطرزة ، وكسوتك براً "( أي البر الجديد الذي نالته . وماذا أيضاً ؟ يقول :" وجملت جداً جداً ، فصلحت لمملكة " أي للملكوت .
"
وخرج لك إسم في الأمم لجمالك ، لأنه كان كاملاً ببهائي الذي طرحته عليك ، يقول السيد الرب "( حز 16 : 14 ).عجيب حقاً هو الله الحنون هذا ، الذي يطرح بهاءه علي هذه المدوسة بدمها المكروهة ، فتصير كامله الجمال ، وتصلح لمملكة وتدخل في عهد مع الله ، وتنال من كل نعمة ، بل يقول لها :" وتاج جمال علي رأسك "( حز 16 : 12 ) أليس كل هذا يعطينا درساً عجيبا في الرجاء ...؟
ليس المهم ما نحن فيه ، إنما ما يصيرنا الرب إليه
… وفي قصة هذه الخاطئة ، التي ترمز لأ ورأشليم كلها ، كان الرب يعمل كل شئ . ولو تركها لنفسها لضاعت ، واستمرت في عبادة الأصنام . ولكن مناخس الرب كانت تحرك الضمير باستمرار وتقوده إلي التوبة . ولعل هذا الأمر يذكرنا أيضاً بقصة شاول الطرسوسي .
هل شاول الطرسوسي بحث عن المسيح ، أم بحث المسيح عنه ؟
كان شاول " " مجدفاً ومضطهداً للكنيسة ومفترياً " كما قال عن نفسه ( 1 تي 1 : 13 ) وكان يسطو علي الكنيسة ، وهو يدخل البيوت ويجر رجالاً ونساء ويسلمهم إلي السجن "( أع 8 : 3 ) . ولكن الله كان يفكر في خلاص شاول ، وفي استخدام مواهبة للخير ، فظهر له في الطريق دمشق ، ودعاه .
إن شاول لم يطلب الإيمان
. وفي يوم لقائه بالرب ، لم يكن شاول يرتب لهذا اللقاء ولم يفكر فيه ، ولا طرأ علي ذهنه ..ولكن الله هو الذي سعي إلي شاول ، وطلبه وخلصه ودعاه . إن في تحول شاول الطرسوسي مضطهد الكنيسة إلي أعظم رسول في المسيحية ، وتعبه لأجل الكلمة ، لهودرس عظيم في الرجاء أمام كل من هم بعيدين عن الرب . لعل مثله اريانوس والي أنصنا ، أكثر ولاة مصر عنفاً في قتل الشهداء وتعذيبهم ، وكيف أمكن أن يتحول هو نفسه إلي شهيد … بعمل الرب فيه ولأجله ..
في سعي الله لخلاصنا ، نذكر أيضاً قصة عذراء النشيد
.*******
كانت نائمة ومسترخية ، وقد تعطرت وتطيبت ، خلعت ثيابها ، وغسلت رجليهما ، ونامت . وصوت حبيبها يسعي إليها من بعيد " ظافراً علي الجبال ، قافزاً علي التلال يقول لها :" قومي يا حبيبتي وجميلتي و تعالي "( نش 2 : 10 ) . بل هو يقف علي بابها يقرع : " افتحي لي يا أختي ، يا حبيبتي يا حمامتي يا كاملتي ، لأن رأسى قد امتلأ من الطل ، وقصصي من ندي الليل "( نش 5 : 2 )… أي سعي من الرب أكثر من هذا ، وأي انتظار في الحاح علي طلب النفس ، أكثر من رأسه تمتلئ من ندي الليل . إنه درس في الرجاء لكل نفس نائمه ، لا تطلب الله ، بل تهتم بذاتها وراحتها …!
الله هو الواقف علي الباب ، وهو الذي يقرع
…!وهو الي يقول في كل حين " هانذا واقف علي الباب وأقرع . إن سمع أحد صوتي وفتح الباب ، أدخل إليه معه وهو معي "( رؤ 3 : 10 ) . إن الله الطيب الذي لم يتركنا حتي في تكاسلنا واهمالنا وبعدنا عنه في حياة التراخي واللامبالاة ، وإنما بلغ من فرط محبته أنه :
سعي حتى الي العشارين و الخطاة ، وجلس علي موائدهم ، ليجذبهم إليه
!إنه يسعي إلي كل هؤلاء ، وينزل إليهم لكي يرفعهم إليه ، ويقول إن هؤلاء ، وينزل إليهم لكي يرفعهم إليه ، ويقول إن هؤلاء أيضاً أبناء لإبراهيم ( لو 19 : 9 ) . بل إن من أجل الآيات في هذا المجال ، هي قوله عن نفسه إنه :
" جاء يطلب ويخلص ما قد هلك "( لو 19 : 10 ) …
*******
وسعي الله لخلاصنا ، ترمز إليه قصة الخليقة
:تحكي لنا الآيات الأولي من سفر التكوين أن " الأرض كانت خربة وخاليه " وكانت مغمورة بالمياة " وعلي وجه الغمر ظلمة " ( تك 1 : 2 ) . صورة كئيبة بلا شك . ولكن الله لم يترك الأرض الخربة هكذا ، وإنما " كان روح الله يرف علي وجه المياة " . ثم قال الله ليكن نور فكان نور .. وبدأ الله ينظم هذه الأرض ، ويمنحها حياة وجمالاً ، ويخلق فيها الأشجار والأزهار والأطيار ، ووضع قوانين الفلك بما فيه من شمس وقمر ، ونجوم وكواكب .. ثم خلق الإنسان . وصارت الأرض جميلة وعامرة بالحياة ..
وفي كل هذا يعطي الرب رجاء لكل أرض خربة تغمرها المياة
..لاتيأس مهما وصلت المياه إلي نفسك ، فروح الله يرف علي وجه المياه . ولا تيأس مهما غمرتك الظلمة ، فلا بد سيأتي الوقت الذي يقول فيه الله : ليكن نور ...
لذلك ليكن لك رجاء مادام الله يسعي بنفسه لخلاصك
.*******
إن البشرية عاجزة عن تخليص نفسها . وما لا تستطيع أن تفعله من أجل خلاصها ، يعمله الرب من أجلها …أليست هذه هي قصة التجسد و الفداء في صميم مفهوما اللاهوتي : الله بنفسه يسعي لخلاص البشر ، ويقدم لهم الكفارة و الفداء . أو ليس هو أيضاً الذي أرسل الأنبياء و الرسل لهذا الغرض ، لكي ينادوا داعين الجميع :" اصطلحوا مع الله "( 2 كو 5 : 20 ) . ومن أجل هذا أيضاً أرسل لنا الوحي الإلهي في الكتب المقدسة القادرة أن تحكمنا للخلاص ( 2 تي 3 : 15 ) .
أن زيارات النعمة ) تمر علي البيوت الجميع ، ولم تغفل أحداً ، بل كل خاطئ كان له نصيب منها …! قيل عنه إنه كان يجول يصنع خيراً ( أع 10 : 38 ) يفتش عن النفوس الضائعة ، مهما كانت حالتها تدعو إلي اليأس . وهنا نقول قاعدة هامة وهي :
إن الله لا ييأس مطلقاً من خلاص الناس ، مهما يئسواهم
…الله دائماً يعمل ، ويعمل مع الكل . ليس فقط مع المريض روحياً ، وإنما حتي مع الميت الذي قد أنتن ( يو 11 : 39 )، حتي مع اللص في آخر ساعات حياته علي الأرض ( لو 23 : 43 ) ، حتي مع رئيس العشارين ، زكا …! ومع السامرية التي عاشت مع خمسة ( أزواج )!! ( يو 4 : 18 ).
وهو يبحث عن هذه المرأة الضائعة ، ويجذبها إلي التوبه
…هو الذي ذهب إلي البئر حيث تستقي . وهو الذي دببر المقابله بحكمته ، ورتب موعد اللقاء . وهو الذي جر الحديث معها ، وكلهما عن الماء الحي ، وهو الذي فتح الموضوع وشجعها علي الاعتراف وهو الذي نطق باعترافاتها الصعبة حتي لا تحرج ، وقبل منها مجرد الموافقة ولم يبال في كل ذلك بأن اليهود لا يعاملون السامريين "( . ولا بأن تلاميذه " كانوا يتعجبون من أنه يتكلم مع إمرأة "( يو 4 : 9 ، 27 ) .
*******
حقاً كما قال القديس يوحنا ذهبي الفم عن محبة الله :
إن الله يجول ملتمساً لخلاصنا ، ولو دمعة تسكبها
… يأخذ هل الله – قبل أن يخطفها شيطان المجد الباطل – ويجعلها سبباً لخلاصك … حقاً أنه لا يوجد أحن من قلب الله علينا … أحن منا علي أنفسنا ! إنه هو الذي قال :" بسطت يدي طول النهار إلي شعب معاند ومقاوم "( رو 10: 21 ، أش 65 : 2 ) حتي إلي هذا ال�

ساحة النقاش