Ali Albadir٢٣ ساعة
ستة وعشرون عاماً على وفاة أحد رواد القصة القصيرة "عبد المجيد لطفي"
جِسْرٌ عَلى نَهْرِ آلوَنْد"
قصة قصيرة علي البدر
أيام تتابعت لم أكنْ راغباً العيش وسطها. أريكةٌ خشبية وبعض الكراسي توسطت باحة الدار وآياتٌ تُتلى، بينما بدت غرفة الجلوس كئيبةً، رغم توهج بعض المصابيح على جدرانها التي لم تعرف فرشاة الصباغ منذ زمن، فبدت شبه داكنة . لحظات صمت مرت.
- وأخيراَ بقيتُ وحدي يا "خالد".
- أتنوي الإنقطاع عنا. أنا بحاجة إليك. أنت صديقٌ وفِيٌّ تُرَسِّخُ صورةَ أبي في أعماقي. كلُّ شيء في هذه الغرفة يذكِّرُني بكم. جِدالكم وزعلكم أحياناً. ضحكاتكم والتوسلات التى تغريكَ للبقاء على الغداء وأكواب الشاي التي يصر أبي على تقديمها بيديهً.
- أجل. عند وفاة "زيد" تغير مزاجُه. كان له إبناً وصديقاً وفياً. "أصبحنا إثنان. رجلٌ كهل يعد أيامه نحو عالم آخر، ربما يكون مريحاً وشابٌ مليء بالطموح يذكرني بأيام خلت." هذا ما اعتاد تكراره عند زيارتي له.
- الأن فهمت إحساسك بالوحدة، قال "خالد". كان أخي منسجماً معه رغم اختلاف أسلوبهما. وليست بالضرورة أن يكون الإبن نسخة من أبيه، وكان غياب "زيد" المفاجيء صدمة قاسية له كأب، ولي أيضاُ كأخِ قريب.
- غيابٌ أبْكاهٌ! قلت بتردد.
- مستحيل. قال "خالد" وأضاف: ياليته استطاع ، ليفرغ جزءاً من همه على الاقل.
- أبكاه. قلت لك موتُ "زيدٍ" أبكاه، وقد اعترف أمام الكثيرين و أنا أصر على ذلك.
- أبي يبكي! عبد المجيد لطفي يبكي!
- أجل يبكي يا "خالد" ولكن بِصَمت.
"- أتنتظرين؟
- ولكن.. من أنت يا عم؟
- لن ياتي أبداً يا ابنتي؟
- وكيف عرفت؟ قل لي أرجوك. من أنت؟ من أنت ياعم بحق السماء؟
إنه "زيدٌ" إبني وقد مات."
طويت صفحاتِها.وضعتُها وسط كتابي وتوجهت إليه. ينشر بها قصصه القصيرة. لاعتقادة أن الجريدة لم تخضع لسيطرة النظام تماماً، ولتساهلها أحياناً مع ما يكتبه في قصصه التي تعكس فكراً انتقادياً للسلطة. أجل هكذا عرفته. هاديء الطبع. سريع البديهه. لا يهادن أو يخضع لآبتزاز أو إغراء سلطوي، وكان مستعداً وهو بهذا العمر ، أن يكون خلف قضبان فولاذية تَعوَّدَ التعايش معها، وكان يسمعني كلاماً يغمرني سعادة وثقة.
- أحس أنك أخي القريب. وها أنا أتصورك مساوياً لي بالعمر. وما الضير مادام حُبُّ الأدب يجمعنا ورائحة تراب الوطن تنعشنا. تذكَّرْ. سيأتي يومٌ يبحثون فيه حتى عن قصاصات الورق التي أرميها في سلة المهملات. يخافون من كل حرف أكتبه حتى ولو كان للاطفال. كل شيء قابل للتأويل كمبرر لاعتقالي أو على الأقل لابتزازي. لا بأس أن أعيشَ على الكفاف ولكنني لن أهادنَ ظالماً يسحق شعبه ويعتبر كلامه قوانين تُسَيِّرُنا.
- أحسدك. أنا أحسدك يا أستاذ. قلت ذلك.
- عبد المجيد فقط. طيلة هذه السنين تكرر كلمة لا أحبها وها أنا أنذرك أيها العزيز.
- حسنا. حسناً يا استااااذ...
- أتعلم أنني لم أسمع أسمي منذ زمان. وها أنا في البيت لا أسمع إلا " أبا زيد". أو "أبا سعد". "أبا خالد". أسمعه وقد غَيَّبَ القدرُ “زيداً” عني. أنا الآن معك أكون “عبد المجيد”.تذكر دائماً ما اتفقنا عليه. أريد أن يبقى وإلى آخر رَمَقٍ، قَلَمُكَ نظيفاً. وأخشى أن يتلوثَ يوماً ما. يطول غيابُك عني. هواجسُ شتى تنتابني.. هذا هو السبب. كنا ثلاثة. أنا وأنت وزيد. لا أريد أن أكونَ وحيداً. جنوبيٌّ أنت ومياه الشط تسري في عروقك، وفي عروقي مياهُ "الوند". نهر "الوند". من يرجعني الان لمدينتي ونهرها العذب. "خانقين" ما أبهاك. أريد أن أعيش طفولتي. أحبها وها أنا أسبح بنهرها وأهرول على جسرها الأثري، ممري إلى العالم الآخر. عالم بعيد عن الأحزان. لا أسمع فيه سوى تغريدات الطيور وكركرات الأطفال. أريد أن أموت هناك. أُدفن هناك، قرب سراطي الذي ينقلني نحو عالمي الوحيد. قرب سراطك يا نهري الحبيب.
رنَّ الجرس. تأخر بفتح الباب. إنه لوحده إذن, لا بأس من الأنتظار. حركةٌ خفيفةٌ. وجهٌ بلحيته الكثة البيضاء يطلُّ عليَّ.
- وأخيراً جئتَ.
- رغم إرادتي يا عبد المجيد. أعدك بعدم التأخر ثانية. قصتُكَ. هذه قصتك
- أية قصة؟
- "عن الذي لايعود!" ألغائب الذي أبكاك و... أمامها. تلك التي تنتظر! أتبكي أمامها يا "عبد المجيد"! أنت تبكي!
- بل أبكاها. ذلك الغائب الذي أحَبَّتْهُ. يفترض أن تكون زوجته. تعوَّدَت لقاءه وسط حلقة الصبية وتغريدات الطيور.
- وأنت ألم تبكي؟ قلت.
- أنا؟ مستحيل. ردَّ باستغراب.
- توصيني بالصبر لكنك تخالف نصيحتك! هاك إقرأ. إقرأ قصتك يا "عبد المجيد".
تناول الجريدة. تصفحها. صمت قليلا ثم قال: بكيتُ. أنا بكيت. كتبتها وأنا أبكي. أهذا يرضيك الآن؟ إنه إبني. أتفهم ماذا تعني هذه الكلمة؟ أتفهم ماذا يعني الإبن لأبيه، ولماذا يريد الأب الموت قبل أبنائه؟ ولكن إعلم أنها لم ترني.
- مستحيل!
- لم ترني. أقسم لك يا "علي".
- وأنت أمامها!
- ولِمَ الغرابة يا صديقي؟ لقد أدرت لها ظهري وبكيت. أجل. أدرت لها ظهري وبكيت.
كرسيان متقاربان. جلس على أحدهما رجلٌ بدا وقوراً. إلتفت على صاحبه. إشارة خفيفة بدرت منه. فتح راحتَي يديه. صَمَتَ قليلاً لكن صاحبه بادر قائلاَ: ألفاتحة.
- من هما يا "خالد؟" تساءلت.
- "تحسين". الأستاذ "تحسين" ، والآخر "فرات" ويبدو أنهما مبعوثان من قبل "الأستاذ"، ليمثلانه في نقل التعازي، وأيضاً نيابة عن أدباء الإتحاد. ردّ باقتضاب متصنعاً الهدوء، محاولاً الوقوف تمهيداً لتوديعهما.
- ألبقاء لله. كان المرحوم ملتزماً بكلمة الحق ومعروفاً بحبه للناس والوطن. قال أحدهما ذلك وهو يعدل ربطة عنقه وقد بدا الإحراج عليه.
- أشكركم. قال "خالد". كما تفضلت كان ملتزماً بقضايا الشعب وهذا سَبَبُ معاناته والحيف الذي أصابه وأصابنا أيضاً، و...كما تعلم.
- كان من الواجب إخبار الصحافة والإتحاد والوزارة للمساهمة بتشييع لائق للمرحوم.
- شكراً. رفض أبي التباهي والإتجار بتاريخِهِ وهو بيننا وهاهو الان يرفض وبإصرار بعد موته؟ لابد من اتباع وصيته حرفياً.
- وهذا مبلغ من المال أرسله "الأستاذ" لتغطية مصاريف الفاتحة.
- أشكرك. أرجو إرجاعه إليه. لن يحتاجه بحياته ولن نحتاجه الان. لقد تجشمتم تعب مسافة عدة كيلومترات لكننا لم نر أحداً منكم ونحن في المستشفى القريبة. أجل أمتار عديدة عن مقركم تفصلنا ولثلاثة شهور بين الحياة والموت وَرائِحَةُ سَمَرِكُم تفوحُ في أرجاء الغرفة.
- ألمهم نحن أدينا ما ينبغي القيام به. لم يكن غريباً أن نسمع هذا الكلام منك. غادر وقد بدت ابتسامةٌ باهِتةٌ على وجهه.
ألموتُ ضَيفٌ غير مرغوب به، لابد من استقباله، أكان على الفراش أو خلف قضبان فولاذية أو تحتَ مشنقةٍ لحاكمٍ جائر. أجواء من الألفة تسري، تتآلف فيها المتناقضات أو هكذا تبدو، لكنها سرعان ما تتصارع، عندما تتحول كلمات الحق إلى جمرٍ يهدد سلطة غاشمة. وها نحن تحت سقف سيارة أجرة وسط طريق ممتد صعوداً حيث صرخة الحياة الأولى وذكريات لهوٍ بريءٍ على ضفاف نهر عشقه.ومراعِ ممتدة. مدَّ يده للمرة العاشرة بجيب معطفه وأخرجها وشرع يقرأ كتلميذ يتهيأ لامتحان لابد منه.
- ماذا دهاك يا "خالد"؟ أما حفظتها؟
- لا أدري. قد لا نستطيع تطبيق وصيته. مازال العسكرُ منتشرينَ رغم انتهاء الحرب. وها أنك تلاحظ نظرات الإستغراب على وجوههم. جنازةٌ محمولةٌ لساعاتٍ قد نضطرُّ لإرجاعها من حيث أتينا. حُفَرٌ انتشرت على امتداد الطريق جراء حرب ملعونة لثمانية سنين بين جارين. إنتهت وصرخات النصر هادرة عبر الحدود تعكس حقيقة أن كلا الجارين خاسرٌ. هدوءٌ مريبٌ. أسلاكٌ شائكةٌ تحيطُ مساحةً واسعةً من أرضٍ صخريةٍ وجنودٌ يرفعون أكفهم إحتراماً، وَهَمَّ بعضُهم بإداء تحية عسكرية وكأنهم أمام قائدِهم وسط الميدان. عارضة مخططة باللونين الأحمر والأبيض، لوْحةٌ تُلزم التوقف تدلَّت منها ، ضابطٌ برتبة نقيبٍ توجَّه نحونا. رحَّبَ بنا. قدَّم لنا تعازيه . نظرات استغرابٍ بدت عليه.
- جئتم من بغداد إذن.
- كما ترى. شهادة الوفاة والعنوان كاملاً.
- عجيب أمرُكم!
- وما العجب؟
- يبدو أن مقابركم قد امتلأت لتحملوا هذه الجنازة كل هذه المسافة؟ معلوماتٌ أكيدة . مقبرة النجف قد اتسعت وبدأت تزحف نحو كربلاء. ومقابركم في بغداد قد امتلأ بعضُها. للأسف لايمكنكم الدفنَ هنا.
- لن يرجع أبي، وأنا لا أبالي بنجماتك هذه.
- أتتحدى الأوامر؟ الدفنُ ممنوعٌ هنا. أفهِمت؟ أتريدُ الموت؟
- أتهددني؟
- يبدو أنك تريد الموت بعد أن نجوت منه طيلة سني الحرب. لن تمر، بل من المستحيل الدخول وسط حقول اللألغام في منطقة محرمة. مدَّ “خالدٌ” يده ونظر إلى الضابط لحظات ثم قال منفعلاً:
- أتتحملُ مخالفةَ وصية ميِّت؟
- لا بالتأكيد وهو يقرؤها بإمعان. " يا إلهي! لا. لن أتحملَ أبداً. لا. لا. لن أتحملَ أبداً..همّ الجنود برفع التابوت عن سطح السيارة وشرع اخرون بكشف الألغام المزروعة عبر الحقل وبدا الصندوق خفيفاً فوق أيادي الآمر وجنوده. خَيَّمَ الصّمتُ وهدأت زقزقات العصافير لكن التوجُّسَ ظلَّ سارياً.
- رحمتك يارب. لقد تعبتَ يا أبي في حياتك، فهل ياترى نتعب بعد فراقك؟ سنون مضت ونهر "الوند" ينتظرك وجسرك الذي تمر عليه يأبى الإنهيار، وصدى كركرات الأطفال تشق حجب الصمت. مَوتُكَ يُفْرِحُ آلطغاةَ، لكِنَّهُ حَياةٌ أبَدِيةٌ. قالَ “خالدٌ" ذلك وهو ينثرُ آخِرَ حفنةِ تُرابٍ على قَبرِ أَبيه...
علي البدر
قاص وناقد

