انسلاخ
بقلم: المنجي خسين بنخليفة ـ تونس ـ
موعدك أيّها المسكون بحلم اللقاء محكوم عليك بطول الانتظار، كم موعد نهشتك فيه الثواني، أدمتك فيه الساعات، مرّت الأيام تجرّ أحجار صبرك، بقيتَ وحدك، تقلّب صفحات ذكراك، وصورا تُؤرّخ لمكان فيه التقيتما، تشابكتما، تراكضتما، تخاصمتما... وبعد كلّ هذه السنين أمازال في مجرى هواك حنين، إذا ما احتضنتَ مكانا تعطّر بأنفاسها، فصار المكان لها عاشقا، قف بخشوع، فمحراب العاشقين لا يقبل العابرين بدون دمع الحنين.
أراك أزمعت الرحيل، الحقيبة لملمتْ من ماضيك بعض الصور، وبعض الرسائل، وبعض الهدايا الصغيرة. بلا موعد في القطار التقيتما، حين نظرتَ إليها عدتَ إليّ، بدونها كنتَ عنّي غريب، والآن صرتَ أنا. نظرتُ إليها، نعم إنّها هي، ابتسمتُ، لكن لامستُ برود الشتاء الطويل في ابتسامتها المتحجّرة.
ـ ألم تعرفيني.
ـ بلى
ـ انتظرتكِ طويلا، كلّ الأماكن التي عرفتنا كانت رفيقة صبري، كلّ الساعات التي احتضنتنا تحوّلتْ من بعدك نهرا من حجارة وجليد.
مددتُ يدي أصافحها، أذهلتني نظرة منها احتوت كلّ معاني القطيعة، كلّ كلام إذا ما تسرّب يجعل حدائق الروح يبابا، قالت:
ـ معذرة لا أصافح الغرباء.
ـ غرباء !!!
قبل انطلاق القطار، نظرتُ إليها بنظرة قسمتني: جزء أذهلته الفاجعة، جزء يحاول فرارا من اللحظة القاتلة، وجزء حيّره سؤال: أحقا عشقتَ هذه المرأة الغريبة الصامتة !
نزلتُ... ذهبتُ لأماكن صاحبتني في الانتظار، وجدتها بلا روح، ساكنة... باردة..
نشرت فى 27 أكتوبر 2018
بواسطة aazz12345
عدد زيارات الموقع
58,333

