رحلتي بدأت معها
.......
كان غريبًا أن ينقسم أمام عينىّ إلى أشياء، بالطبع كان انقسامًا غير متوازن، فما تبقّى بالداخل أقل كثيرًا مما اندفع خارجًا، إلا أنّ المدهش حقًا، أنّ ما اندفع للخارج عاود الانقسام مرة تلو مرة - ذكرني بانقسام الخلية - كنت اتابعه بعينٍ فاحصة..لا لا..فلنقل على وجه الدقة عينٍ متأملة، مندهشة، أراه مبهجًا احيانًا، وهو يتكور ويتدحرج في الهواء، يصعد ويهبط، ويهبط ليصعد، واحيانًا تثبت خطاه، فيسير في مساراتٍ متعرجة، كل ذلك يحدث .أنا لا زلت اتابعه بشغف، وباندهاش، وربما لو تحرّيت الدقة في الدلالة اللفظية، لقلت..مستمتعٍ ببراعته حين يمسك ريشته الرمادية بين أصابعه، ويرسم لوحاته السريالية رمادية اللون، نعم..لا تندهشوا، فلوحاته جميعها أحادية اللون، وعن نفسي كان ذلك هو الأمر الوحيد الذي لم يثر اندهاشي، فأنا أعلم وأعتقد ايضًا أنكم تعلمون أنه..، أنه لم يكن في حوذته إلا ذلك اللون الوحيد، بعد أن رأيت ورأيتم مثلي، ألوانه الصفراء بدر ذاتها المتعددة تفيض وهجًا، ثم تنتهي إلى ذلك اللون البغيض بدرجاته قليلة العدد، هل قلت بغيضًا ؟..اه ..أعتقد أنني ذكرت ذلك لكم في معرض حديثي، نعم بغيض ولكنني أحبه، ربما الكثير منكم يكرهونه، ولكني..احبه، ولأكون صريحًا، فلن اخجل أن اعترف أنني أعشقه، وسأخبركم سرًا ظل سنينًا مختبئًا بين شعيرات ريش النعام المحشوّ به وسادة زوجتي، واحيانًا يتجاوزها ليتنفس هنيهة عبيرها الفوّاح، إلا أنه ابدًا لم يجرؤ على الاقتراب من نافذة الغرفة أو بابها، ذلك السر الحبيس بين أربعة جدران وحشو وسادة وقلب زوجتي، لا يزال سرًا إلى الآن، فلا تخبروها به، كانت تغار ولا زالت تغار، وكثيرًا ما عاتبتني قائلةً في لوعةٍ مفعمةّ بأسى
« أعطيتك كل شئ. .كل شئ، لم أبخل عليك بروحي بجسدي بجوارحي ومشاعري، أغرقتك بقبلاتي بوجعي بآهاتي بهمسي، وجاهدت مرارًا أن أُشعرك بقوتك بقدرتك، بأنك ملكٌ وأنا جاريتك الوحيدة، الساجدة تحت قدميك، لكنك...لكنك دائمًا تتركني وتذهب إليها...يا لك من وغدٍ قاس، تعشق العبودية، لا ترفع حاجبيك مندهشًا، او متصنعًا الدهشة، نعم أنت عبدٌ لها، أردتك ملكًا، وأبيت إلا أن تكون عبدا ! »
قالت ذلك كثيرًا بليلٍ او نهار، نفس الجمل، نفس الكلمات، نفس الحروف بتشكيلاتها العربية، وبنفس اللوعة المترعة بالأسى وهى تتجرع مرارتها.
مسكينة زوجتي!...أنا لا ألومها، لكنني حقيقةً مشفقٌ عليها، كل هذه السنين ولم تع بعد أن قدرتها تنحصر في تشكيل جسدي، ليتواءم مع انفعالات جسدها ليس إلا، ولا قدرة لديها أن تفعل بي ما تفعله بي من استعبادٍ ممتعٍ حد الموت، نعم.. تستعبدني، ولن أخجل أن أكون لها عبدا، أذوب عشقًا فيها، وهى تستعمر روحي، وتستوطن صدري، أذوب عشقًا لها، وهى تمارس هوايتها، وتبدع لوحاتها السريالية رمادية اللون أمام ناظريا، لا يثنيها عائق، ولا يحدها سد حتى لو أبدى من حولي استيائهم منها، فهى...هى تعلم يقينًا أنها حبيبتي، وتعلم ايضًا - ويسعدها ذلك - أن ما تبقى منها في صدري - ذلك الجزء المنقسم في البداية- أنه يطلب المزيد كي يقوى ويشتد ساعده، وأعلم أنا وارجوكم ألا تروادكم لحظة شك في علمي، أن صدري يضعف ويشيخ، وأنا أتابع مبتهجًا اللوحات السريالية وهى تتلاشى، واتلاشى .

