الصعود إلى أسفل
...........

انتظرت قليلًا بعدما تلقى هاتفي الجوال، الإشارة المتفق عليها.
كان الليل قد تجاوز منتصفه، وحيدًا، تسامره انفاسي المضطربة، فالشارع خالٍ تمامًا في هذه اللحظات الممطرة، سارعت الخطى، الباب الزجاجي المعتم وجهتي، ومنه إلى حبيبتي...
حبيبتي..حبي الأول والأخير، نشأنا معًا في حيٍ فقير، أكبرها بخمسة أعوام، تخرجت جامعيًا آملًا في مستقبلٍ مزهر، ووظيفةٍ تتكفل بتدبير متطلباتٍ ضرورية لبناء أسرة، فشلت، لم يتردد أبوها في تزويجها لأول طارقٍ لبابه...أرمل في العقد السادس من عمره، ماتت زوجته، فتركته نهبًا للوحدة والوحشة.. اخيرًا وسامتي أهلتني للعمل مندوبًا لمبيعات شركة عنكبوتية، وأهلتني ايضًا لاصطياد راغبات المتعة، تلك اللاتي يعانين من...من ماذا ؟..أغلب الظن من أي شيء، فلا شيء محدد يمكنني الاتكاء عليه، تفسيرًا لذلك الوباء الذي تفشّى عبر الأذرع المتعددة لمنتديات التواصل الاجتماعي، احيانًا يخامرني يقينٌ أنني الضحية، أنني الفريسة لا الصياد، اساءل نفسي مرارًا " وهل هناك فرق ؟ " ، غالبًا لا أهتم بالحصول على إجابة...
اقتربت من لوحة المفاتيح الإلكترونية، ضغطت سريعًا ارقامًا أحفظها، دفعت الباب، وألقيت بجسدي خلفه، صُدمتُ حين ألفيته أمامي، هابطًا الست درجات الأخيرة في بهو المنزل، عيناه ترمقاني بحدة، ينظر في ساعة معصمه مستغربًا، ومستنكرًا وجودي، فملامحي لا تشبه احدًا من جيرانه، ينزلق، يقع، اتجاوزه مرتقيًا الدرجات الستة في قفزتين، يتأوه، ألوي عنقي قليلًا حيث وقع، يعجز عن النهوض من سقطته، أفتح باب المصعد، وقد اتخذت قرارًا بالصعود إلى الدور السادس لا العاشر، ومن ثم الهبوط آنيًا، يخترقني صوته الواهن مستغيثًا، أتجمد في مكاني...اعود إليه، أساعده ليقف على قدميه، سألته: في أي طابقٍ شقتك ؟
لم أنتظر إجابةً أعرفها، حاولت إدارته نحو الدرج، أبى 
- فقط ساعدني للوصول إلى سيارتي
استند بذراعه الأيمن على كتفي، واصل..
- إلى من تصعد يا بنى في هذه الساعة المتأخرة ؟!
تغافلت عن إجابة سؤاله
- يبدو أن قدمك التوت، والأفضل لك أن تعود إلى بيتك، فالوجع سيزداد حتمًا مع مرور الوقت
- لا لا..لا أستطيع التغيب عن نوبة عملي، أنها محطة تغذية كهرباء..لا..لا أستطيع
فتح باب سيارته، عاونته على الدخول، شكرني وانطلق.
عدتُ مسرعًا الى الداخل، تفاجأت..كان المصعد معطلًا! تطلعت مليًا إلى أعلى، ثم بدأت أولى قفزاتي صاعدًا الدرج.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 19 مشاهدة
نشرت فى 24 يونيو 2019 بواسطة aazz12345

عدد زيارات الموقع

58,378