القرآن الكريم حافظ للغة العربية
ارتبطت اللغة العربية بفضل الله تعالى بكتاب سماوي مقدس هو القرآن الكريم، الذي نزل بلغة عربية سامية، والذي أجمع القدماء، من الفصحاء والبلغاء، بعد طول جدال ونقاش، على وصفه بأنه ذو حلاوة وطلاوة، وأنه يعلو ولا يُعلى عليه. وهذا يعني أن اللغة العربية، في مسارها التاريخي المتطاول، قد ارتبطت فكرياً ووجدانياً بالأنماط اللغوية الفصيحة التي أرسى قواعدها هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وإضافة إلى ذلك، فقد ارتبط الإنسان المسلم بقرآنه لغة وفكرا ارتباطا عقدياً لا مجال للبحث فيه، نظراً لكونه أمراً بدهياً.
وقد أكدت آيات الذكر الحكيم ذلك فقال عز من قال :)وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ((الشعراء:192–195).
ويقول أيضا:) إنا أنزلناه قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ((يوسف:2).
)قرآنا عربيا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ( (الزمر: 28)، ويقول )كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ( (فصلت: 3)، وقوله )إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ( (الزخرف:3)، وقوله: )وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ( (إبراهيم:4).
ومن هذا المنطلق نجد الثعالبي في(فقه اللغة وسرّ العربية الثعالبي، القاهرة ، 1938م ، ص1.)يعبر عن هذه اللغة أبلغ تعبير فيقول : "من أحب الله تعالى ، أحب رسوله محمداً ، ومن أحب الرسول العربي أحب العرب ، ومن أحب العرب أحب العربية ، ومن أحب العربية عني بها، وثابر عليها، وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان وآتاه حسن سريرة فيه، واعتقد أن محمداً خير الرسل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها والوقوف على مجاريها ومصارفها، والتبحر في جلائلها ودقائقها إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة التي هي عمدة الإيمان، لكفى بها فضلاً يحسن أثره، ويطيب في الدارين ثمره".
ومن المعروف أن كل مسلم مطالب بتلاوة القرآن الكريم، ومعنى هذا أن كافة المسلمين في العالم مطالبون بتعلم اللغة العربية، ومن هنا اكتسبت اللغة العربية القداسة النورانية والخلود السرمدي ، قال الله تعالى: )إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( (الحجر:9)، فبحفظ الله تعالى كتابه يحفظ اللغة العربية، فهي باقية ببقائه إلى يوم الدين ، ولولا القرآن الكريم لاندثرت هذه اللغة أو على الأقل انزوت وقل من يتكلمونها وانهارت أصولها كما جاء في (اللغة العربية والصحوة العلمية الحديثة لغني مكارم السيد، مكتبة الساعي، الرياض، 1990م،ص40.).
إذن فالسر الكامن وراء خلود اللغة والحفاظ عليها من الاندثار هو القرآن الكريم بما كان له من أثر بالغ في حياة الأمة العربية وتحويلها من أمة تائهة إلى أمة عزيزة قوية بتمسكها بهذا الكتاب، فقد كان القرآن الكريم ولا يزال كالطود الشامخ يتحدى كل المؤثرات والمؤامرات التي حيكت وتحاك ضد لغة القرآن، يدافع عنها، ويذود عن حياضها، يقرع أسماعهم صباح مساء، وليل نهار بقوله تعالى: )وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النار التي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ( (سورة البقرة، الآية: 23- 24)، وقوله تعالى: )قُل لئن اجتمعت الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا( (سورة الإسراء، الآية: 88).
فلما كان القرآن الكريم بهذه المنزلة لا جرم أن المسلمين أقبلوا عليه ودافعوا عنه، واعتبروا أن كل عدوان على القرآن هو عدوان على اللغة العربية، وأن النيل من اللغة العربية هو نيل من القرآن، ولذلك فإن بقاء اللغة العربية إلى اليوم وإلى ما شاء الله راجع إلى الدفاع عن القرآن، لأن الدفاع عنه –لكونه أصل الدين ومستقى العقيدة- يستتبع الدفاع عنها لأنها السبيل إلى فهمه، بل لأنها السبيل إلى الإيمان بأن الإسلام دين الله، وأن القرآن من عند الله لا من وضع أحد.
يقول الباقوري في :(أثر القرآن الكريم في اللغة العربية –دار المعارف مصر 1969) "ولو فرضت أنه نزل كما نزل غيره من الكتب المقدسة، حكما وأحكاما، وأمرا ونهيا، ووعداً ووعيداً، ولم يتحر هذا الأسلوب الذي جاء به، فلم يعن الناس بلفظه ولم ينظروا إليه قولا فصلاً، وبياناً شافياً، وبلاغة معجزة، لكان من الممكن أن تزول هذه ا للغة بعد أن يضعف العنصر الذي يتعصب لها على أنها لغة قومية، ومن ذلك تضعف هي وتتراجع حتى تعود لغة أثرية. وفي اللغة العبرية ما يؤكد هذا، فإنها –وهي لغة كتاب مقدس –صارت إلى ذمة التاريخ، ولو أن التوراة جاءت كما جاء القرآن فتحدت اليهود على النحو القرآني لاحتفظوا بلغتهم لأن في ذلك احتفاظاً بمعجزة نبيهم، فكان ممكناً أن نرى لغة موسى عليه السلام".
ويبدو هذا الأمر واضحاً لمن تتبع اللغات وما تعرضت له من انقسام وانشطار واندثار بعد أن كانت لغة عالمية محكية وصناعية، وليست اللغة اللاتينية عنا ببعيدة فقد كانت لغة حضارة وسطوة وقوة فبقيت أثراً بعد عين.
وعلى العكس من ذلك فإن اللغة العربية لم تكن لها هذه القوة وهذه المنعة، وليست لغة حضارة وصناعة، إنما كانت لغة صحراء وأمية، بكل ما تفرضه بيئة الصحراء من بساطة وضيق عيش، وبعد عن العلوم والمعارف، ثم إن العرب قد تعرضوا للحروب والدمار كغيرهم، ولكن ما زالت لغتهم قوية ساطعة تنبض بالحيوية والنشاط، وما ذلك إلا بفضل القرآن الكريم، الذي تكفل الله بحفظه، فحفظ به اللغة التي نزلت به، ولم يتكفل بحفظ غيره من الكتب المقدسة فبادت اللغة التي نزلت بها واندثرت.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
أعجبنيعرض مزيد من التفاعلات

