الـــــغـــــــياب
لأن غيابك هو الحضور المعتاد.. بت أخشى حضورك.. حتى لا أفيق من سُكرة إستحضار طيفك.
هُناك على الجدران ، بقايا من ساعة موشومة بالأنا ، ثوانيها دقات قلب يقرع في صمت العُمر ، وحفيف الإنتظار حولها وحولي يجعلنا أشبه بـأشباح تستحضر روح حضور ما عاد هنا.
هنا حول معصمي ، قيد من ذكرى حديث اغترف من أشواق تكبدها القلب ، ويأبى أن يطلق يديّ لتسبح في عالم الحضور ، يحملها ويحملني معها لـرقصة على شرف الغياب ، منتشية بالقاعدة، وتخشى الإستثناء - حضورك - .
على بُعد خطوتين مني ، مُفكرة تحمل الكثير من الصفحات المُلطخة بالحبر ، والقليل من الصفحات البيضاء المؤرخة والمُوقعة بـ " كان هنا " ،حين تصفحتها أدركت كيف يثريني غيابك بالحنين للحرف ، والشبق به وإراقة الحبر على الصفحات ، وعلى النقيض منه حضورك، فهو يسلبني تاريخي ، ويكسر سن القلم فلا يقوى على ممارسة ساديته فوق الصفحات ، وتعذيبها بإفراغ ملاحم الشوق فوقها ، تحضر فيتوقف كل شيء حتى النبض.
في غمرة تأرجح النفس ما بين روح الحضور وجسد الغياب ، أجدني أتوضأ بدمع ضلّ أسبابه ، هل يهطل متعذباً بالغياب أم مستعذباً له ، أم أنه يشتهي الحضور أم يزهد فيه ؟.
تحضر ، فألتف حولك بكلي ، معانقًة فيك الأنا المشتهاة ، والأنت المُرتجى ، سابحة في ما بين اليقظة والحلم ، غافلة هل هو حضور أم إستحضار ؟ ، هل هو أنت أم طيفك الذي اعتاد أن يبلل أوراق العمر الذابلة ببعض منه.
تحضر فأنسى في أوج الشوق دفء الشمس ولسعة القمر ، أجدني أتبلل بـشعاع شارد من لهيب الإشتياق ، وأتدفأ تحت وابل الغيث المنهمر من عينيك.
تحضر، فأجمع اشيائي واتطهر لأزلف إلى محرابك ، أجرجر الخطى وأرتدى أجمل ما بالعمر ، لأتهجد بشرائع الشوق.
تحضر ، فأدنـو بـقلمي لأملؤه بـحبر يعينني في غيابك على خط رسائل الحنين إليك ، فـيسقط القلم من يدي لـينبهني أني وحدي هنا ، بتلك الساعة على الجدران ، وذاك القيد في معصمي ، وتلك المفكرة ذاتها ، فأفتح منها صفحة جديدة ، والطخها بحرف جديد مهللاً " حيّ على الغياب ".
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
1/04/2019

