#رحلتي

#التسليع 

 

سابقا كان الناس يتعاملون بمبدأ إقتصادي بسيط يقايضون فيه مقابل ما يحتاجون ( اي يحصلون علي سلعه مقابل ما يُعادلها من سلعه اخري ), كانت هناك قيمة للاشياء ... ينظرون لكل احتياجاتهم بحسابات منظمة فهم لا يملكون ما يمكن الحصول عليه دون مقابل .

 

هناك تعريفات علميه لنظام المقايضة ( المقايضة هى نظام بدائى وتعنى قيام الافراد باجراء تبادل منتجاتهم دون استخدام النقود او بعبارة أخرى هى استبدال سلعة بسلعة اخرى . أى ان البائع هو نفسه المشترى).

 

و من أمثلة استخدام هذا النظام :

 

في العصور القديمة اتفق الصينيون على استعمال المحار على إنه الوسيلة الرسمية للتبادل ، وظل كذلك حتى القرن الرابع قبل الميلاد حين ظهرت العملة المعدنية ، كما لعب الثور دورًا هامًا في بلاد اليونان، ولكن لما كانت الخسارة والتلف وعدم القدرة على تجزئة هذه الوسائل في التعامل سببين رئيسيين في فقدان أهمية استخدام هذه الأشياء في التبادل .

 

تطورت هذه المنظومة في الحقب القريبة , حيث بدأ الانسان يبحث عن مقابل يمكنه ان يحتفظ به الي حين آخر يستخدمه في اي قت , لا يتلف إن تم حفظه في اي مكان ... الى ان تطورت المُقايضة الي اختراع النقود , اتجه التفكير إلى ضرورة الاعتماد على سلعة تجمع بين المنفعة والبقاء، وهذا التفكير كان أصل اتجاه الناس لاستخدام المعادن كوسيط للمبادلات فهي تمتاز بثبات معيارها وسهولة حفظها، وطول عمرها وإمكانية نقلها، وكذلك قابلية تجزئتها، وهكذا اتجه البشر إلى استخدام المعادن وكانت تمثل في البداية مسؤولية أصحابها الذين نقشوا عليها أسماءهم، ثم تدخلت الدولة ووضعت عليها ختمها الرسمي كي تصبح قانونية ولكي يأمن الناس التزييف والغش في الفضة والذهب.

 

وتندرج النقود تحت علم "النمنمات" وهو العلم الذي يبحث في هوية النقود والأوزان والأختام والأنواط.

 

ويجمع علماء "النمنمات" أن الليدين بآسيا الصغرى في عهد الملك كرويسيوس الليدي (561 – 546 ق م) هم أول من سك النقود المعدنية من الذهب الفضة استنادًا إلى رأي هيرودوت، ثم انتشرت عن طريق التجار إلى جميع أنحاء العالم، حيث اتخذت الدولة رمزًا خاصًا بها فنقشته على نقودها، وعلى هذا النهج سارت سنة الأشكال النقدية في العالم العربي والإسلامي؛ حيث نقشت على النقود الإسلامية شهادة التوحيد (لا إله إلا الله وحده لا شريك له).

 

و من خلال قراءتنا لمنظومة تطور الانظمة الاقتصادية (النظام الاقتصادي Economic System هو مجموعة العلاقات الاقتصادية والقانونية والاجتماعية التي تحكم سير الحياة الاقتصادية في مجتمع ما في زمان بعينِه. ويركز النظام الاقتصادي على مجموعة العلاقات والقواعد والأسس التي تحكم التفاعل والتأثير المتبادل بين الحاجات البشرية من جهة والموارد الطبيعية والبشرية والمعرفية والتقنية المتاحة من جهة أخرى.ويعدّ النظام الاقتصادي جزءاً لا يتجزأ من النظام الاجتماعي العام يتأثّر به ويؤثِّر فيه. وعرّف أنتونيلي Antonelli النظام الاقتصادي بأنه مجموعة من العلاقات والمؤسسات التي تميز الحياة الاقتصادية لجماعة محددة في الزمان والمكان. )

سنجد ان بعض الفلاسفة والمفكرين وعلى رأسهم رجل الاقتصاد الانجليزي " آدم سميث " و " جون باتيست يرون " أن النظام الاقتصادي الأمثل والأفضل لكافة الشعوب هو النظام الليبرالي " الرأسمالي " فهو الذي يحقق العدالة في المجتمع لأنه يمنح للأفراد الحرية المطلقة في ممارسة كل الأنشطة الاقتصادية ، ولقد ظهر النظام الرأسمالي في خضم التغيرات الاجتماعية التي أحدثها انتقال المجتمع الأوربي من مجتمع إقطاعي إلى مجتمع رأسمالي بفعل الثورة الصناعية في انجلترا التي أحدثت تغيرا جذريا على البنية الاقتصادية و الاجتماعية للمجتمع الأوروبي ، ومن أهم المبادئ التي يقوم عليها النظام الرأسمالي إقراره بالملكية الفردية وإيمانه بالفرد وتتبع مصلحته في ممارسة إي نشاط اقتصادي يرغب فيه ، لذلك رفع النظام الرأسمالي شعار " دعه يعمل اتركه يمر " ، كما أن المنافسة الاقتصادية شكل محركا أساسيا للآلة الاقتصادية ودافعا قويا لتحسين المنتوج " الجودة " ويؤدي هذا حتما الى الرخاء الاقتصادي " انخفاض الأسعار " ومن بين المبادئ الأساسية أيضا للرأسمالية عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي ويتمثل دورها فقط في حماية الأشخاص والدفاع عن مصالحهم كما أن السعر لا تحدده الدولة بل يخضع لقانون العرض والطلب وبالتالي ينبغي على الدولة أن لا تعيق النشاط الطبيعي للاقتصاد .

 

من العرض السابق للانظمة الاقتصادية و خاصة النظام الرأسمالي أنطلق الي مفهوم التسليع :

 

مع تطور المفاهيم الاقتصادية التي اصطلحها الانسان كي يتكيف مع احتياجاته و يلبيها نجده قد أتي في طريقه علي كل ما يمكن استخدامه كسلعه ... تري انه لكي يعيش في البيئة البدائية اخترع المقايضة فاصبح يقايض اي شئ مقابل احتياجه و هو ما لا يقل تحضرا عن حالنا في الوقت الحالي ... فنحن نبحث عن كل ما يمكن ان يصبح مصدرا للمال بشكل عام لاستخدامه كسلعه .

 

نبحث في منظومة السلع التي نطورها كل يوم ... نجد المواد الاستهلاكيه التي من اجلها ظهرت الاعلانات لتروج لها فأصبح لدينا سلعة جديدة غير التي نقوم بالاعلان عنها و هي سلعة الدعاية بالاشخاص فمن يقوم بجذب هذا الفنان او الشخصية المرموقه في اعلانه عن سلعته قد يُحقق أعلي مبيعات نظرا لضعف امكانيات المنافسين و بذلك اصبح العمل بالاعلانات هو مصدر لتسليع من يقومون بعمل الاعلان كفريق عمل متكامل ( ممثل او مودل و مخرج و منتج و مصور و .... ).

نقدم نموذج آخر للتسليع .. في الحرب الباردة التي بدأت بين أقطاب العالم منذ عام 1944و استمرت حتي 1987 استخدمت نوعا آخر من السلع و هو الكلمات و أصبح للاعلام دوراً بارزاً في هذه الحقبه و نبحث في شكل الاعلام نجد انهم استخدموا الكلمة بشكل مهين بالرغم من رُقي استخدامها لكنهم اشعلوا بها حربا ... و بهذا ينجح الانسان ان يحول الكلمة الي سلعه .

 

آخر النماذج التي سأتناولها في مقالي اليوم هو نموذج المجتمع المدني المتمثل في المنظمات الغير حكومية بل و ينضم اليهم بعض المؤسسات الحكومية ... يبدأ التأريخ للجمعيات الاهلية بشكل ودي غير منتظم ... بدأت في شكل تجمع لعدد من البشر المتشابهين ديموغرافيا و ايديولوجيا احيانا و يبدأون في صياغه شكل يمارسون من خلاله بعض الانشطة الخاصة بانتماءاتهم بشكل غير رسمي او قانوني ... و قد رحبت الانظمة بمثل هذا الشكل من التجمعت التي ساعدت في تقوية الروابط القومية بين هؤلاء الاشخاص و من هنا انطلقت دول العالم لتمنح مباركتها لمثل هذه التجمعات و خوفا من تعمقها و قوتها و شعبيتها التي ساعدها فيها كونها غير مقيده بالقوانين و تبدأ حقبة الجمعيات الاهليه بشكل قانوني .

 

تعود بدايات ظهور المنظمات الأهلية في مصر إلى القرن التاسع عشر، حيث نشأت أول جمعية أهلية في مصر عام 1821 باسم الجمعية اليونانية بالإسكندرية.. وبعدها توالي تأسيس الجمعيات. فهناك جمعيات ذات طابع ثقافي مثل جمعية مصر للبحث في تاريخ الحضارة المصرية عام 1859، وجمعية المعارف عام 1868 والجمعية الجغرافية عام 1875، وهناك جمعيات ذات طابع ديني مثل الجمعية الخيرية الإسلامية عام 1878 وجمعية المساعي الخيرية القبطية عام 1881.

من خلال قراءتنا في سطوور الجمعيات الاهلية في مصر و نشأتها نرى أنها بدأت في التخصص بعد وقت قصير من بدءها ... ظهرت الجمعيات ذات الطابع الثقافي و الديني و التأريخي و العلمي و .......... و بهذا تنوعت الاحتياجات داخل المجتمع و إلا لما كانت لها سبب للوجود .

 

نجحت هذه الجمعيات في إصطلاح مفاهيم جديدة في المجتمع و التي تمس النظام الاقتصادي بشكل غير مباشر ... نادت بأهمية تلبية احتياجات الفئات المهمشة داخل المجتمع و قامت بتعيين مجموعة من الاشخاص ليتولوا هذه القضية .. التسليع يأتي في شكل أكثر رُقي هنا بل و مُغلف أيضا بشكل درامي تقبله كافة الفئات المجتمعية .

 

قامت الجمعيات الاهلية و التنظيمات الدولية الداعمة لهم بتسليع القضايا البشرية و الانسانية و غيرها ... بل و نجد أيضا من يبحث عن اي نواقص داخل المجتمع ليستصلح لنفسه مكان هام في المجتمع فسلعته سهله جدا و هي الفكرة .. و لمزيد من التفكر في الامر ابحث في موقف الولايات المتحده من المعونات التي تقدمها للدول الفقيرة .. لا تجد ما يدعوها في الاساس لتقديم هذه الاموال لمساعدة هذه الدول .. لكنها تستخدمها في دفع المجتمع المدني لبذر افكار مغتربة عن هذه الدول لتستمر في استعمار عقولها و قد نجحت في الدول ذات السيادة المختله و القواعد و الاصول الثقافية المُفككة .

 

حتي في نماذج التسليع سنجد للمشاعر مكان ... فقد ظهر مفهوم بيع السعادة مغلفه .. في اي بيئة تكون المشاعر منبثقه من طبيعتها ... لكننا هنا أمام نموذج قام بتسليع المشاعر بشكل قد جعلها لا تمت للنقاء بصله في معظم الاوقات ... أفضل مثال يمكن استخدامه هنا هو موقع صغير مثل الفيس بوك يقوم فيه المشتركين بتصميم بعض الصور و يكتبون عليها عبارات لا تمت للواقع بشكل مقبول و فد تدعو احيانا للمثالية الفائقة او الالحاد في بعض الاحيان ... او تدعو للحزن او السعادة او النجاح او اللامبالاه او الجرح او ....

 

التسليع هو نقمة الانظمة في مجتمعاتنا و هو وليد للأنظمة الاقتصادية بالرغم انه متأصل في الوقت الحالي داخل المجتمعات إلا أننا يمكن أن نتحرر منه في بعض الاوقات ... فقط تحينوا الفرص و لا تمنحوا فرصة للاخر أن يضمكم لقائمة السلع و تصبحون ضحايا التسليع .

المصدر: رحمة تمام
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 58 مشاهدة

عدد زيارات الموقع

4,693