بعد أن عاد رسول الله صلى الله
عليه وسلم من تبوك، بعث أبا بكر الصديق رضى الله عنه في ذى القعدة إلى مكة
سنة تسع من الهجرة ليحج بالناس ، وفي أواخر ذي القعدة من السنة العاشرة
قام عليه الصلاة والسلام إلى مكة في جمع عظيم، وأحرم للحج عندما سارت به
راحلته وقال: لبيك الله اللهم لبيك . لا شريك لك لبيك . إن الحمد والنعمة لك والملك. لا شريك لك.
ولم يزل سائراً حتى دخل مكة ضحوة يوم الأحد لأربع خلون من ذي الحجة ، وكان
دخوله من ثنية كداء ، فطاف بالبيت سبعاً ، واستلم الحجر الأسود ، وصلى
ركعتين عند مقام إبراهيم ، وشرب من ماء زمزم ، وسعى بين الصفا والمروة
سبعاً راكباً على راحلته ، وفي الثامن من ذى الحجة توجه إلى منى فبات بها
، وفي التاسع منه توجه إلى عرفة وخطب خطبته المشهورة بخطبة الوداع.
ابتدأها بعد الثناء على الله تعالى بقوله: أيها الناس اسمعوا منى أبين لكم ، فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا في موقفي هذا. ثم قال: أيها
الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم ، كحرمة
يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها
إلى الذي ائتمنه عليها . ثم قال: أيها الناس إن لنسائكم عليكم
حقاًّ ولكم عليهن حقاًّ ، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم ، ولا يُدخلن
أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ، ولا يأتين بفاحشة. أيها الناس إنما
المؤمنون إخوة ، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه ، فلا
ترجعُنَّ بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ، فإنى قد تركت فيكم ما إن
أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله. ألا هل بلغت ، اللهم اشهد. ثم قال: أيها
الناس إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد. كلكم لآدم وآدم من تراب. أكرمكم عند
الله أتقاكم. ليس لعربى فضل على عجمىٍّ إلا بالتقوى. ألاهل بلغت ، اللهم
اشهد ، فليبلغ الشاهد منكم الغائب.
وقد اشتملت هذه الخطبة العظيمة على غير ذلك من أحكام الله تعالى وحدوده.
وقد أنزل الله عليه في ذلك اليوم قوله سبحانه وتعالى: (الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ
لَكُمُ الإسلام دِيناً).
وبعد أن أدَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم مناسك الحج: من رمى الجمار
والنحر والحلق والطواف ، أقام بمكة عشرة أيام ثم قفل إلى المدينة صلى الله
عليه وسلم.
ساحة النقاش