"الذي ابتعد ورأى"

كان ذلك القول الأكثر تعبيرا عما تضمنته مواقف الأصدقاء المقيمين بالخارج، فمعظمهم إن لم يكن كلهم كان موقفه مؤيدا للثورة حتى النهاية، بتعبير آخر، كان مداهم البصري قادر على رؤية النهاية السعيدة خلافا للكثيرين من المقيمين بمصر، وأرى أن إحساسهم بالفارق في التقدير المتمثل في مستوى الدخل الذي يحققه عملهم بمصر وما يحققه نفس العمل بالخارج بجانب فروق مجتمعية أخرى وأحاسيس الغربة المعتادة كانت بمثابة المحرك الشعوري الأكبر في مساندتهم المطلقة للثورة، تحية لمن ابتعد ليرى.

 كانت النقاشات خلال أيام الثورة وحولها فرصة رائعة للتعرف على مواقف غير متوقعة لجماعة من دائرة علاقاتي القريبة، موقف صاحب العمل المساند تماما للثورة بجانبيه الإنساني والعقلي، فتضمنت رؤيته إقتناعه التام بأن ما خسره خلال إسبوعي الثورة لا يقارن بما خسره من تعطيل أجهزة النظام الفاسدة لمصالحه على مدار سنوات وبما سوف يكسبه من إنضباط مرافق الدولة بعد الثورة، أيضا كانت مواقف بعض زملاء العمل ممن تواجدوا في قلب الأحداث، موقف رائع لأحد أقرب الأصدقاء –أعتقل ليومين- وقد كنت لا أرى له أي مواقف سياسية سابقا، إبن أخت يحمل روحا ثورية وربما قيادية، عمٍ ذو ماضٍ ثوري ورؤية راقية لم أكن أعلمهما إلا قريبا، سعدت أيضا بمن تغيرت رؤاهم من الرفض للمساندة خلال الأحداث بعد زيارتهم للميدان ووقوفهم على حقيقة الأمر عن قرب، تحية لمن اقترب ليرى.

اعتبرت أن من واجبنا –أنا وزوجتي- أن نحاول تصحيح الأمور في أعين من نراهم حولنا والذين قد ضللتهم آلة الإعلام النظامية وعواطفهم الفياضة، فقد كانت زياراتنا للميدان أقل من أن نعتبرها مشاركة في الأحداث مقارنة بالإقامة الدائمة لبعض أصدقاؤنا فيه، وبعد عدة محاولات فاشلة، تغيرت آراء البعض إلى الحد الذي تحمس فيه بعضهم للنزول للميدان، منهم سائق تاكسي ذكرته زوجتي بالظلم الذي يتعرض له على أيدي شرطة المرور، وأحد الجيران الذي ذكرت له ما أعلن عن ثروات أعمدة النظام البائد، وأحد الأصدقاء الذي صدق شائعة استعداد أمريكا لإحتلال مصر فأخبرته أن مرور الأسطول السادس بقناة السويس –مع اعتراضي على حدوثه- هو أمر روتيني يحدث كل عام، وأكاد أجزم بأن تحولاً ما قد طرأ على طريقة تفكير بعض المصريين، فلم تعد صورة المتعصب لرأيه دوما هي السائدة، هذا على الرغم من مقابلتي لبعض النماذج التي كدت بسببها أن أذهب للميدان لأقول لمن فيه أن من يحاربون لأجلهم لا يستحقون منهم التضحية بساعة من وقتهم عندما وصلت لقناعة بأن النخبة المفكرة هبط سقفها ليشمل كل من يعمل عقله، أتمنى الآن أن يثور كل المصريين على طريقتهم القديمة في التفكير، تحية لمن اجتهد ليرى.
 تحية أولى وأخيرة لمن رحلوا ... لنرى.

المصدر: محمود محمد المليجي
  • Currently 76/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
25 تصويتات / 275 مشاهدة

ساحة النقاش

WafaaFarag
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

440,205