حضارة الاسلام
إن في التاريخ البشري سنناً ربانية تحكم الأحداث الجارية ، والذين يفقهون هذه السنن ويحسنون التعامل معها هم الذين يستمرون في الحياة ويتفوقون فيها.
والأمة التي يقودها فقهها في السنن الربانية في بناء المجتمعات هي الأمم التي تحقق النصر لا محالة ،أما القادة الخطباء الذين يلعبون بالمشاعر والعواطف فهؤلاء يقودون قومهم إلى دار البوار.فمن فضل الله على عباده أن جعل السنن ثوابت لا تتغير ولا تتبدَّل (ولن تجد لسنة الله تبديلا) ،(ولن تجد لسنة الله تحويلا) ، فلنهوض الأمم, ولازدهار الحضارات سنن ، لا تحابي أحدا ، من أخذ بها وصل ، ومن أغفلها حار ولم يبرح مكانه ، فالمعجزات نادرة.
لذا فإنه من الواجب على الإنسان أن يضع خططه ويرسم هدفه ويمضى ليحقق غايته، فلا مبرر لمتكاسل يدعى تقلب السنن ، ولا لمجتهد أخطأ الوسيلة الواضحة الجلية وهو قادر على السؤال.
وهنا سنحاول معا تصفح التاريخ, ننقب في أسراره ، ونبحث في دهاليزه لنخرج معالم قيام الأمم وازدهار الحضارات ، فالتراث الإنساني مليء بالتجارب التي أبدعت فيها العقول وأخرجت كنوزا, بداية من الحضارة اليونانية ، والحضارة الرومانية ، مرورًا بالحضارة الإسلاميةوانتهاء بالحضارة الغربية الحديثة.
شهد تاريخ البشرية الطويل ، حضارات عدة سادت ثم بادت ، منها ما كان مقتصراً علىإقليم من الأقاليم ، أو جنس من الأجناس البشرية كحضارة قدماء المصريين مثلاً ، وقدتكون نتيجة جهود أجناس مختلفة وتشمل بقاعاً واسعة ، كما هو حاصل اليوم في حضارةالغرب التي مازالت قائمة ، ولكن لا يعرف على وجه التحديد ، كيف بدأت هذه الحضاراتالمتنوعة ، وليس سهلاً أن يضبط تاريخ مولدها ، والظروف التي صاحبت وجودها ونشأتها· لأن أي حضارة من الحضارات تتبدى لنظر المؤرخين عند قيامها ، كائناً حياً سوي الخلقة ،وهي بذلك قد خلفت وراءها بعض مراحل تطورها في ظلال ظروف ماضية يصعب التعرف الدقيقإليها ، وهذا يعود بدوره إلى أن الحضارات لا يمكن أن تولد كما يولد الأفراد ، وإن هيمن ناحية أخرى تشبه الكائنات العضوية في تأثرها بمؤثرات البيئة في نموهاونضجها فنحن لا نستطيع أن نحدد مثلاً بدء الحضارة الغربية الحديثة ، فإن كلما ندريه عنها أنها تطورت شيئاً فشيئاً من حطام الحضارة الرومانية ، وامتزجت بدينشرقي هو المسيحية ، بعد أن عدلته وحورته طبقاً لحاجات الغرب واستعداداته وظروفحياته ، ولكن لا نستطيع أن نحدد على وجه دقيق متى اتخذت هذه الحضارة الجديدةالمركبة طابعها المحدد المتميز ، وكل ما نستطيع أن نقوله في هذا الصدد أن ذلك لابدأن يكون قد تم في أوائل العصور الوسطى على مدى أربعة أو خمسة قرون على وجه التقريب· والواقع هو أن الحضارة الغربية بدت في الوجود وأبرزتها في مواكب الزمان تطورات دامتأحقاباً طويلة فكانت مقوماتها الأساسية التي تتمثل في نظرتها إلى الحياة الإنسانيةوالأخلاق وفضائل النفس ، في تراثها وعاداتها وقوانينها الاجتماعية ، نتاج امتزاجبطيء لخليط من المؤثرات الفكرية مختلفة أشد الاختلاف ولعناصر من الحضارات متباينةأشد التباين ، وليست حضارة الرومان ذاتها أكثر وضوحاً أو تحديداً من سابقتها ، ولاكذلك حضارة الهندوس أو الصين ، ولا تخرج حضارات بابل وأشور عما سبقت الإشارة إليه ،بل إن القول لينطبق على كل ما شاهد البشر من حضارات ، إننا مهما أوغلنا في التنقيبوالبحث فيما سلف من حضارات البشر ، فلن نجد توقيتاً معيناً نستطيع أن نحدده بدءاًلحضارة ما ، أو تاريخاً لمولدها ، ولا أن نعين حداً فاصلاً يميز بين حضارة ولَّتوأخرى أشرق عليها النور وتبدت للوجود·
لكن هناك استثناء واحداً لكلما أسلفنا من قول ، استثناء تكاد لغرابته تذهل العقول وتنعقد الألسنة ، فلم يذكرتاريخ البشر فيما عرفه الناس من حضارات سوى حضارة واحدة ، برزت للوجود من عالم الغيبدفعة واحدة ، واستوت للناظرين قائمة على أصولها في فترة محدودة من تاريخ البشر ـ تلكولا شك حضارة فذة من نوع فريد ، إنها حضارة الإسلام ، لقد انفردت وحدها بانبجاسها إلىالحياة من دون سابق عهد أو انتظار ، وقد جمعت هذه الحضارة ، من فجر نشأتها ، كلالمقومات الأساسية لحضارة مكتملة شاملة ، فقامت في مجتمع واضح المعالم ، له نظرتهالخاصة إلى الحياة ، وله نظامه التشريعي الكامل ، وله نهجه المحدد للعلاقات بينالأفراد ، بعضهم ببعض داخل هذا المجتمع ، ولم يكن قيامها ثمرة تقاليد زخر بها الماضي ،ولا وليد تيارات فكرية متوارثة ولكن هذه الحضارة ، كانت وليدة حدث تاريخي فريد ، وهو تنزيل القرآن الكريم ، وكان مردها إلى رجل فذ في التاريخ هو محمد رسول الله صلى اللهعليه وسلم ، فلقد أدرك الذين آمنوا بالإسلام واتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلموصدَّقوا بالقرآن ، فاتخذوه قاعدة حياتهم ، إن الدين الجديد الذي جاء به القرآن يتطلبمنهم هجرة بائنة إلى ما جاءهم به عما توارثوه من عقائد في الحياة ، وما ألفوه منمناهج السير فيها · إنهم أدركوا أن الإسلام جاء نظاماً شاملاً للحياة ، وقد افتتححقاً حضارة جديدة وما كان دوره ليقتصر على التمهيد لغيره من الحضارات أو الإرهاصبها ، فتبينوا كما تبين من جاء بعدهم من المؤمنين ، أن مبعث رسول الله صلى الله عليهوسلم كان إيذاناً ببدء عهد جديد بكل ما ينطوي عليه هذا البدء من حقائق ومعان · لقدبدأت حضارة الإسلام إذن كائناً حياً متكاملاً متمايزاً ، انبثق نجمها فكان ظهورها فيتوقيت تاريخي محدد امتد زهاء ثلاثة وعشرين عاماً ، هي الحقبة التاريخية التي قضاهارسول الله صلى الله عليه وسلم على ظهر الحياة من يوم بعثته حتى لقي الرفيق الأعلى ،وليس هناك في التاريخ البشري كله من حضارة في القديم أو الحديث ، نستطيع أن نحددتاريخ مولدها والظروف والعوامل التي صاحبت وجودها ونشأتها ، سوى حضارةالإسلام·
ويمكن أن نوجز خصائص الحضارة العربيةالإسلامية بنقاط هي:
أولاً : إنها كانت للعالم حضارة جديدة تقوم علىعقيدة التوحيد في أسمى صورها ، وهي العقيدة التي تنبع من وحي رسالة سماوية ، وتمدالحضارة بالروح والقوة والتماسك ، وتوجهها إلى الموازنة الدقيقة بين مقاصد الروحومطالب الجسد ، والبعد عن الزهد المعطل للحياة ، وعن المادية الجامحة المفسدةلإنسانية الحياة ، لقد كان الفرد المسلمإنساناً صالحاًوكانت الأمة أمةفريدة في توحدها على عقيدة التوحيد·
وفي ظل حضارة الإسلام انعقدت الصلة بينالأرض والسماء ، وبين الحياة الدنيا والآخرة ، بين النشاط المالي والقيم الأخلاقية ،وهذا أعظم ما يصل إليه الإنسان في الأرض ، وبهذا يكون متحضراً·
ثانياً : الحضارةالإسلامية عالمية التوجه والمحتوى ، أنشأت مجتمعاً جديداً يقوم على التعاون والتسامحوالانفتاح على الآخرين ، والتعايش السلمي مع الجميع سواء كانوا أفراداً وجماعات أودولاً ، وللفقهاء كلام صريح في هذا الباب ، حيث يؤكدون على إنسانية الإسلام وعالميته ،فالفرد في نظرهم إما مسلم أو ذمي ، وإما معاهد وإما محارب ، وينسحب هذا التقسيم علىالدول أيضاً ، في معاملة الدولة الإسلامية لها فيقال : دولة معاهدة أو محايدة أومحاربة ·
ثالثاً : أنقذت الحضارة العربية الإسلامية العالم القديم مما كان يعيشفيه من فوضى واضطراب ، وأنقذت الإنسان من الاستعباد والظلم الاجتماعي ، وأشاعت المثلالأخلاقية الرفيعة ، في عصر كانت تسوده شريعة الغابففي القرنين الخامس والسادسـ الميلاديين ـ كان العالم المتمدن على شفا جرف هار من الفوضى ، وكان يبدو إذ ذاكأن المدنية الكبرى التي تكلف بناؤها جهود أربعة آلاف سنة مشرفة على التفككوالانحلال ·
رابعاً : وصلت الحضارة العربية الإسلامية بين قديم الحضاراتوجديده ، بما حفظت من تراث الأقدمين وما أضافت إليه من صنع عبقريتها المبدعة فيميدان العلوم الطبيعية فضلاً عن إشاعة روح البحث العلمي ، والنهوض بالآداب .
وأخيرا وليس آخرا ان الحضارة الإسلاميةأضافت إنتاجًا مميزًا ومبهرًا أنتج قفزات للبشرية ساعدتها على اكتشاف أشياء لم تتخيل يومًا الوصول إليها ، إلا أن الحضارة التي كانت أول كلماتها (اقرأ) وعنوانها (قل هاتوا برهانكم) انتهت إلى تجريم التفكير وتقزيم دور النظر والبحث بصورة بدت عصية على الفهم .
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل

WWWsho3raelnel

مجلة شعراء النيل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 36 مشاهدة
نشرت فى 10 يوليو 2014 بواسطة WWWsho3raelnel

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

61,774