كلمات مى الحجار

قصة : "يناديها..سيدتى"

أحيانا..نحتاج ألم أقوى ، ليذهب من داخلنا ألم أقل ...
نظرت لنفسها فى المرآة ، فوجدت أمرأة ذات حسن وجمال ، لازالت شابة فى الثالثة والثلاثون من عمرها ، تعطرت ..أتمت زينتها .. ونزلت حالمة ، مبتسمة الدور الاول من بيتها ، الذى هو عبارة عن "فيلا" ، كبيرة ، مطلة على بحيرة صغيرة ، ظلت تنتظر زوجها..وهو ليس أى زوج..أنه رجل أستطاع أن يكون أصغر ، وزير فى وزارته ، فهو من القلة التى وصلت للحكم فى زمن قياسى..فهو لم يتجاوز سن الاربعون ...

عندما عاد..جرت عليه بكل مشاعر الانثى المشتاقة لزوجها ، تعانقه..تعلقت بمنتهى الرقة برقبته ..وتنشقت بلهفة عطره ، وأرادت أن تقول له ألف كلمة حب وشوق..فاليوم عيد زواجهما ، ولكنه برفق أزاحها عنه ، ثم جرح مشاعرها بهمسه فى أذنها :

"أنا متعب الان......."

لم تكن تريد منه شئ ، سوى أن يبقى معها ، ولكنه تركها فى الدور الارضى من البيت ،وصعد الدور الثانى ، لينام ، وطلب منها صراحتا ، إلا توقظه مهما كان السبب ..إلا إذا كان سبب يتعلق بعمله كوزير...

جلست وحدها على كرسي بجانب المدفأة ، تبكى وحدتها رغم أنها متزوجة من رجل تحبه ، أو تظن أنها تحبه ..وتذكرت كيف كانت حياتها فى بداية زواجهما ، كان لازال مجرد محاسب ، فى شركة كبرى ، وكيف وقفت جانبه حتى حصل على درجة الدكتوراة فى الاقتصاد ، حتى عندما طلب منها تأجيل حلمها بالامومة ، لم تعترض كثيرا ووافقت..فقط من أجل أرضائه ..حقا كراسى الحكم ملعونة ، تأخذ روح من يجلس عليها ، ويصبح فقط تفكير من يجلس عليها ، كيف يبقى عليها...

خافت أن يراها الخدم تبكى ، فخرجت إلى الحديقة ، ومشت نحو البحيرة ، ورأت أنعكاس لصورتها الحزينة فى الماء الازرق ، وللحظات ظنت أنها تشاهد روحها تتعذب خلف جدار زجاجى ، كم تتمنى لو تستطيع كسره...

بكلتا يداها أحتضنت نفسها ، وعادت تبكى أشد من الاول ، هى لا تريده وزيرا وطوال الوقت مشغول عنها ، هى فقط تريده رجلا بسيطا ، ولكن يشعر بنبضات قلبها ، المنهك القوى فى حبه ..هى تريد أن تتحدث معه ، أن تضحك معه .. تريد أن تشعر بوجوده حولها ، فهذة فقط الحياة بالنسبة لها ...

تصاعد الدم حار لرأسها المحموم ، وعادت لا تحتمل الالم الذى يرقص بهمجية فوق بقايا أعصابها ، فقررت أن تنزل البحيرة ، كما هى بكل ملابسها ،ولم تستطع أن تسيطر على نفسها وتكبح هذة الفكرة المجنونة ، التى سيطرت عليها فأجاة...

فى الماء شعرت بحرية غريبة ، تدب فى أوصالها ، ثم بدأت أعصابها تهدأ شيئا ، فشيئا ، وعندما حاولت الخروج من الماء ، بعد حوالى ساعة ، لم تستطع ، فقد كان فستانها الطويل عالق بشى ما ..حاولت سحب نفسها بشتى الطرق ، ولكنها عجزت ، وظلت على حالتها هذة تقريبا ساعة أخرى ، وبدأت الماء تصبح ثقيلة على قلبها ، وشعرت أنها عاجزة عن التنفس بسهولة ، وبدأت تستسلم لفكرة أنها قد تموت غرقا ..وأغمضت عينيها المتعبة من كثرة البكاء ، وبدأت تستسلم لفكرة النوم الابدى...

رائها من بعيد حارسها الخاص الذى كان يفتش عنها طوال الليل ، ليتاكد أنها بخير ، وبسرعة نزل الماء ، وخلصها ، ثم حملها وخرج بها من الماء ، كطفلة محبطة شبه غائبة عن الوعى ..كان أقرب مكان يضعها به حتى يتأكد أنها بخير ، السرير الذى يوجد فى الحجرة ، المخصصة لسكنه فى الحديقة ...

جمع كل الاغطية الموجودة فى الحجرة ، ليدفئها بها ، ولكنها ظلت ترتعش وتهذى باسم زوجها ، الذى لفظها من بين أحضانه كأى شئ غير مفيد ، وذهب لينام ..وهى مغمضة العينين مدت له يدها ، لم يفهم ماذا تريد ؟..وبمجرد أن عثرت على يده ، أحتضنتها ببراءة ، وغابت عن الوعى مرة أخرى .. لم يطاوعه قلبه على سحب يده منها ، فهو لطالما أحبها ، وتعلقت عينيه بأى مصدر خطر عليها ، فهو حارسها ، والرجل أحبها فى صمت ورقى ، فهى له حلم مستحيل .. زوجة لوزير ، يعمل فى حمايته ، ولكنه يملك منع نفسه من البوح بحبها ، ولكنه لا يملك قتل هذا الحب فى قلبه وخاصة وأنها أمام عينيه ليل..نهار..يحميها..حتى من حبه الكبير لها...

ظل جانبها فقط يمتع نظره بفحص ملامح وجهها رائع الجمال ، وعندما أستيقظت أخيرا ، تركت يده ، وجلست تنظر له ، مصدومة قليلا من أحداث يومها ، أعد لها شئ ساخن تشربه ، وجلس يتحدث معها..كان فقط يريد أن يهدأ من روعها قليلا...

عندما أستطاعت أخيرا أن تعود حجرة نومها ، التى تنام بها وحدها..بدلت ملابسها المبتلة وأستسلمت لنوم طويل...

فى الظهر ، أستيقظت من نومها ، لتجد زوجها قد غادر البيت ، حتى دون أن يطمئن عليها ، أو يسأل عنها ، وكأنها قطعة ديكور ، هو يضمن بقائها كما هى ، عند عودته مرة أخرى.. فكرت فى أحداث الليلة السابقة ، وقلقت من أن يخبر الحارس الخاص ، شئ مما حدث من أحداث الليلة الماضية لزوجها ، فزوجها دائما يصر على أن تتصرف بطريقة تناسب المكانة الجتماعية لزوجة وزير..ويطلب منها دائما أن تكون مثال للحكمة والرزانة ، فهى زوجة وزير...

أرتدت ملابس بسيطة ، ولكن جميلة ، أضافت حسن ، لحسنها الرقيق الناعم ، ونزلت من حجرتها تبحث حارسها الخاص ..وجدته ، واقفا ، مع ضابط الحراسة عند البوابة ، فاشارت إليه ، فاتى فورا ..لم تكن تعرف كيف تبدأ كلامها معه ، ففاجائها هو بسؤاله :

"هل أنتِ بخير سيدتى الان؟....أتمنى أن تكونى بأتم عافية........"

فردت عليه بخجل :

"الحمد لله...ولكن ..أتمنى أن لا تخبر أحد بما حدث أمس..حتى زوجى........"

فرد عليها بأبتسامة مطمئنة :

"لم يحدث شئ ، لاخبر أحد به..أطمئنى سيدتى......المهم أنك بخير.........."

ثم تابع كلامه ،عندما لاحظ رضائها عما قال :

"ولكنى أنصحك بزيارة الطبيب..حتى أطمئن عليك..أقصد حتى نطمئن جميعا عليك........."

فى المساء ، ذهبت فعلا معه إلى الطبيب ، الذى نصحها بالراحة والبعد عن أى مصدر قلق أو حزن .. فى طريق العودة إلى البيت ، لم تجلس فى الكرسي الخلفى فى السيارة ، كما جلست وهما فى طريق المجئ ، بل جلست فى الكرسي الامامى بجانبه ، حيث كان يقود السيارة ..وبدأ بينهما حديث ما أعذبه .. الهواء والكلام معه ، وصوت الاغنية الحالمة التى كانا يستمعا لها ، كان لهم فعل السحر ، على شفاء روحها ، وعودة أبتسامتها المسلوبة ، خلف القضبان الذهبية التى تعيش فيها مع زوجها ، الذى صار عشقه الوحيد كرسي الحكم والسلطة...

صار كل مساء ، بينهما لقاء ..فقط حديث فى أى شئ ، وكل شئ ، وهما يتمشيان حول البحيرة ، أو فى الحديقة ، وكانت تضبط نفسها تضحك من كل قلبها ، وهى معه منتشية من الغرام ، الذى لم تعترف به..حتى لنفسها، ولم يحاول حتى لمس يدها ، أو الاقتراب منها ، فهى عنده شئ غالى ، يحفظ عليه..حتى من نفسه...

كان هناك أحدى الخادمات ، همها الوحيد نقل أخبارها لزوجها.. وفعلا أخبرت زوجها بكل شئ ..فثار الزوج ، وعصفت الغيرة بقلبه..ليس لانه يحبها ، ولكن فقط كرامته تؤلمه ، أن زوجته تفضل عليه ، أحد خدمه...

دون مقدمات..حبسها زوجها ، هى وحارسها ، فى أحد الحجرات ، وبدأ بتعذيبهما حتى يعرف الحقيقة الكاملة عن علاقتهما ، صرخت فى وجهه وهو يصفعها وهى مقيدة :

"طلقنى ..أنا لا أريدك..أنت مجنون سلطة ، مستبد بارد ظالم........"

فصرخ الزوج فى وجهها :

"أنا فعلا طلقتك أمس..أنت لا يليق بك دور الاميرة ، التى أصبحت عليها وأنت زوجتى .. ولكنى لن أكتفى بطلاقك..بل سأقتلك أنت وهو..كالكلاب الرخيصة......أنتما هنا إلى أن أكتفى من تعذيبكما ، وأقرر قتلكما ، وقتما أشاء........."

فنطق حبيبها مدافعا عنها :

"صدقا لم يحدث شئ ، وهى أشرف إمرأة ، وليس ذنبها أنى أحبها ، أقتلنى أنا وأتركها هى ، هى بريئة لم تفعل شئ ......"

أشتاط الزوج غضبا أكثر من كلامه ، فضربه ، على رأسه ، بمؤخرة المسدس الذى كان فى يده ، فوقع على الارض بالكرسي الذى كان مقيد عليه ، مغمى عليه ...

فنزلت الف دمعة على خدها العاجى ، وظنت أن هذا أخر يوم فى حياتها البائسة ، هى والرجل الذى أحبته ..وتوسلت لله بقلبها أن يسامحها ويغفر لها ..هى وحبيبها...

دخل الحجرة عليهم أحد رجال زوجها ، الذى قال له شئ فى أذنه ، جعل وجهه يصفر ، فخرج زوجها من الحجرة ، حتى دون أن يغلق الباب خلفه من شدة فزعه مما سمع ...

مضت ساعة ، دون صوت أو حركة ، وهى تبكى ، وحارسها مغمى عليه بجانبها ، إلى أن دخلت عليها خادمتها ، التى تحبها ، وأخبرتها وهى تحل وثاقها :

"زوجك لن يعود ياسيدتى..لقد هرب مع بعض من رجال الحكم خارج البلد..لقد سمعنا أن هناك ما يشبه الثورة ، حتى الامن أختفى ، والفوضى عمت الشوارع ...وأنت الان ياسيدتى حرة..."

تزوجت حارسها الخاص..الرجل البسيط..الذى بحبه وأحتوائه لها ، جعلها حقا تحيا كملكة ، تاج رأسها أبتسامة لا تغيب عن شفتيها..وأنجبت له عدة أطفال فى جمالها وحنان والدهم...

بقلم/مى الحجار
"كاتبة هاوية"

WWWsho3raelnel

مجلة شعراء النيل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 33 مشاهدة
نشرت فى 30 مايو 2014 بواسطة WWWsho3raelnel

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

61,630