جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
الإنسان بين الواقع والاحلام.
عندما نرى من خلال مرآة الخيال الفسيح تكون كل الأشياء كما نريدها أن تكون . فعقلنا الباطن دوما يشتهي العيش في سلام. و يقنعنا أن كل شيء على ما يرام . و تتحول الحقيقة إلى حلم لذيذ ليس فيه أوهام أو أتعاب. و كل شيء يكون في هذا الحلم بديع و جميل . لكن ليس هذا ما سيكون في واقعنا المعيش . فهذا كالفرق بين الحركة و السكون . عندما تصدمنا الحقيقة بكل بشاعتها و بكل قبحها تسقط كل الظنون و تختفي كل الحسابات و تصمت كل الكلمات . و لن تنفع كل القراءات لتزيين أو تجميل هذ الحقيقة . و على الدوام هي حياتنا على أرض الواقع يكون الأمر صعبا ليس كما تمنيناه أو حلمنا به . فبين الكتمان و البوح آمال و جروح متراكمة في عمق الروح . و هذا صمتنا يقتلنا حزنا و كمدا و يضغط على المعاناة عندنا بكل قسوة . إن بحنا للآخرين بما يوجعنا كشفت مكنوناتنا . و ان ركنا للصمت أحرقتنا أحزاننا . لكن لا مناص لنا في بعض الأحايين من ترك بعض الأحزان ترى النور و تتعرض للشمس . نطلق سراحها من الحبس حتى ترتاح النفس من تآنيبات الضمير و أوجاع القلب و وخزات الواقع . و هي فرصة لإعادة رسم الدرب حتى و لو كانت حياتنا رواحا و مجيئا تسعى بين الحب و الحرب و بين البعد و القرب و بين الأقدام و الهرب .لكننا سنواصل تحليقنا مع السرب فلسنا لوحدنا من نعاني ويلات البوح و الكتمان . إن استمرار وجودنا في هذه الحياة جعلنا نتحايل عليها بأحلامنا المتكررة .نصحو على واقع مر و نغفو على حلم جميل .و لو لا هذه الثنائية في التجاوب و التعامل مع الحياة لما حدث هذا التفاعل الذي نحياه آلاما و أفراحا . و ربما تكون أحلامنا الجميلة هي صرخة في وجه الواقع أو ربما تكون صفعة موجعة لنا . لكن نحن لا غيرنا من يرسم دربنا و من يصنع سلمنا و من يدق طبول حربنا . الدرب دربنا و السرب سربنا و هذه أرض الله واسعة نسعى فيها بكدنا و جدنا و جهدنا و كرهنا و حبنا و جهلنا و علمنا و بكل ما استطعنا جمعه من شتات حلمنا . و سنظل نقرأ و نقرأ و نحلم و نعمل و نحن ماضون بخطواتنا في دربنا حتى ينجل شكنا و نصل إلى حيث يزول حزننا . و لن تؤثر فينا هذه الكوابيس التي تنغص علينا نومنا و تجعل قلوبنا تنتفض خوفا و فزعا . حتى و لو كانت هي جزء من أمرنا . أو حتى لو كانت هي من يصنع زاوية مظلمة من حزننا في حياتنا . لكن قد ينبعث فصل من فصول حلمنا الجميل من عمق هذه الكوابيس المروعة و المفزعة و يرسم طريقا جميلا في عمرنا. و لو لا هذه الكوابيس المرعبة لما عرفنا قيمة أحلامنا و دورها في إسعادنا .و قد قيل قديما تعرف الأشياء بأضدادها .
بقلم بدرالدين ناجي.
