جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
لقد أوتيت الصدى غرفة، استبق الرحيل من أمكنتي، تاركا الجسد شاردا، يذرف دمعا أحول هديره صهيلا، وأشتري لوجودي زنزانة، إن لم أستطع ابتياعها، أكتري ركنا من البقاء فيه أقيم طقوس ردتي وكفري، ثم أبسط على روحي لحافا من لذة الكرى، أبحث في روضة عن مكان أتآلف فيه مع الموت، أسكب دمعا منه اليم حوى ملحه، صخرا ترسب على شواطئه، بذور عبرات من حولي تنبت أقحوانا وقرنفلا، من عبق رحيقه أبدع جمال امرأة عارية من تقاليد النساء، زنجية تبيت في أحلامي وتأخذني في عيونها بحرا من شرفته تغازلني شمسا، تلامسني بوجنة كتلك التي لا مسني بها القمر عند بزوغه في ليلة ظلماء، فأنشر من لونها الخافت غروبا يسر قلبا عفيفا، لوحة كنت لها البديع، تشير لي بطرف الوقت، وجفن الغسق ملئ بدمع الوداع،ناظرة أن أكون في أحشائها وميضا، إذا أبسطت لها الإصباح فراشا، فتسخر لي موج البحر أدراجا، أنقل عليها هدايا أنفقت في شرائها ما ملكت في وجودي، لما كنت جنينا اشتغل في الرحم كماسح أحذية، منه طردت تعسفا، فهيأت لي الطبيعة مما حاكت من أسمال الفقراء هودجا، فنصبت الغروب خيمة، وعلى صخرة قاعدة ترسبت من رميمي، أعقد أشلاء طفولتي المبعثرة في التراب، بخيط رث من كفن مهترئ لملمته، ثم غادرت المكان الذي فيه ولدت، وولجت مكانا منه تفر الناس، ومنه اتخذت لموتي مستقرا، تم أنظف روحي من وسخ الطين وعلى جدار صخرة أرسم بلوني شيخوختي كما أشاء لها، مرة على قارعة الرصيف تحتسي من جمجمة المهد كآبتي وأحزاني، وأخرى في قعر حذاء لقيط منكمشة تغزل لي من النقع قماشا، اتخذه كسوة لعيد ألاقي فيه بإملاقي الجنانيون وهم في الصلاة بي يستهزؤون، وما صورت في رحم الصخرة من شيخوخة، فيكون بيننا الموت فاصل في الوغى، يتذكرني خارج الزمان ذلك العجوز، لما كنت صبيا في حارتي ألتقط حبيبات برد من فرو غيمة ألقت بها السماء، لتكون لي جدول دمع من مقلي يتصبب مدرارا، إنهم جبناء لا يستطيعون اغتيال ما بنيت من الجبال، فإذا ألحقت بهم مكروها تنصل بعضهم من بعض، فتراهم في الجنة أشتاتا فرارا، فيتذكرني ذلك العجوز حين هر اللحد من نعشي، عندما ركبت توبقال جوادا نافرا يحاورني بوقع حوافره على الحصى، أدق بصهيله طبلا في الصدى، وموعدي فاس منها أنتزع ما سلبت من تراث الزنوج، وما أخذت سطوا من متاجر الإنسان، وما نهب فقهاؤها من مناجم القبائل، وما زيفوا من حقائق على قرطاسهم، إنهم في القرويين ليسوا سوى دجاج رابط في خمه، يخيفه الليل إذا أطل بهيمه .
فيا خليلي عندما تعشق في موتك موتي، أتخذ من كفي نعشا عليه أحمل جثتك المنكوبة، في حانتي، تمنحك رحمها يركض فيه خيالك طليقا من غير لجم، حتى تصنع من جمالها ما يصرف عنك ما تولد فيك من إيمان العبودية، وراودك على خيانة ما أنت عليه من كفر مسكوت عنه .
سكن البيدر، ولاطمت حواشيه عتمة الليل، في سمائه استوقدت شموعا من النجوم اللامعة الومض، ومن حوله لا تسمع لغو سيارة، ولا سامرا يناجي في معبده إلاها قد أنزل على قلبه شقاوة خفضت به حضيض مذلة، واليافعين كأنهما من جلمود ، لا يخال ناظر إليهما أن الحياة دسيسة في بواطنهما ستتفجر، فاخترق النفوس وما يغشى البيدر من صمت، صوت مناد ينادي نداء مبحوحا، من تخوم القرية مصدره، ولا آبه لعشائه إلا قلوبا خافضة قد أثقل عدلها إملاق، وما من إقطاع للحقول يصادر في حضن عدل للضعفاء يبيد إعداما، فلبي على الفور دعوة المنادي كهل ومعه قرين عجوز قد نهك التعب جسده السقيم، وصاحبه شاحب نحيف، صابر طوال الحول على طعام غث من سنبلة يستخرج ما يشد به الرمق، فسعى العجوز معكوف الظهر يمشي على ثلاثة أرجل، إلى كومة قش من تحتها يخرج جرة ماء، فاغتسل بما فيها من سراب، وما كان ليغتسل لولا خوفه من بطلان ما سيقدم من مناسك قربانا يرضي بها نفسا مقهورة، ثم تبعه في ذلك صاحبه، فالماء غير مطهر لما علق على الوجه من أوحال، إلا إذا سالت الدماء من جسد رصيف له حذائي أعير، فانصرفا من البيدر يقصدان البيت لجوءا، وفي الإسراء ليس لهما من طريق إلى المحج، والمقصد إلى ما يسعيان إليه مجهول، وما هو إلا حلما في الكرى غير مرجو .
دخلا البيت راكعين وهم حفاة، والقلب يتخشع من الفقيه، نبضه يسمعه الأقصى وإن يكن أصم، بصوت خفيض همهما بالتحية، وتسابقا مرهوبين من يكون الفائز بالقبلة على هامة الرجل؟ فعصفت على عتبته بهما رجة، كاد أن ينقض أحدهما من الرجة حضيضا، و هو منهما يبدو غير عابئ، على فرو يجلس، ولا يكف عن المسح على اللحية، بكف تحمل طهارتها سبحة، من بين الأنامل تتدلى ارتجافا، و على تقاليد لباسه محافظ، منه عطر الرند ينبعث فوحا، وعين جاحظة تطارد في إسرائها نسوة من القرية قد أعجبه فيهن الخصر، فتدحرجا حبوا إلى أقصى ركن داخل البيت، وفيه تلبدا منكمشين لا يسمع لهما زفيرا، ولما قضى النفع الذي أتيا من أجله، انصرفا غير مطرودين ليخليا له الفضاء الذي يشتغل فيه كاسبا رزقا، يفتح لهم باب جنة ومن خيراتها يريهم وهما، وهم إليه يرغبون، إذا جاءه أحد من الفقراء، وهم يحجون إليه كافة، وأنفسهم بالضر مثقلة، يدعي شفاء المرضى، ولو كان المرض مزمنا ، ومن النساء اللائي يخادلن أزواجهن، ومن مس الشياطين متوهمات، فنصيب الفقيه منهن الأوفر، وإذا أعجبته إحداهن وسال على أنوثتها لعابه، فرض عليها الخلوة فريضة، إلى حين أن يستسلم المارد ويغادر منها إكراها، فترة منه يقرر أوانها، يحل متى يشاء في مواقيت رحمها محل الشيطان، ويداوم إيتاءها في بيتها أياما، حتى يتخم من لذائذها، والنفس تغادر منها راضية، يأتين إليه أصنافا وما أكثرهن، ومن الذين هم إليه يتضرعون، مظلوم ضعيف ضاع منه الحق في سرايا المحاكم، أن يصك له تميمته تصيب بأذى ذلك الذي غلبه بحصانة من جاهه، أوزاني يجيئه أعمى، ومن المال ما يصرف جما، يطالب منه إخضاع محصنة قد أغراه ما ظهر له من زينتها، يسطر له من الطلاسم ما يجعل جلبها إليه عاجلا، بغية راضية به، ملبية أطماع نزواته في مضجعه الخبيث.
فكت الشمس عن طلوعها أغلالا من ليل كانت طوقا على النهار، فشع النور منها وعم الضياء مني، إني لست طارحا ما ليس لي به علم، حيث يخرج الفقراء والعتمة للقرية غطاء، يكسبون قوتا، والجبين منه يتصبب العرق صبيبا من قسوة مهلكة، أما الذي هو بالمسجد يحتضن، من كف صبي قد قرحته المعاول يأكل طعاما، طفلا قد اشترى ذمته من أرملة، نخاسة بضاعة أسواقها غلمانا يتامى، ومن المحتاجين الضعفاء، على قارعتها ثمن بيع فلذات الأكباد زهيد، إن في ذلك للطفولة حقارة وتبخيسا، إن النخاسين هم السفهاء، وأهل القرى في الجهل رواقد، وعن خطيئتهم غفل، أتحسب الأحزاب المتكالبة في تآلفها على ما تغشي من ضر يسقم الأرض، ويميت في البؤس العباد، إن من خمودها لا يصيبهم رزج، فإنا علينا أن نبدل صورة ما سننجب من أجيال، ومنهم نخرج الألباب، تفك رقاب الأقنان والعبيد من أغلال طغاة، من الحياة صيروا محرقة بؤس فيها ألقوا بأمة، وجميع من ينتمي إلى عقيدة الإنسان عقيدة بها كفروا، وعلى أجنتها شنوا حربا ضروسا .