فلما حل بجنح ليل، والليل يرفو من إصباح، يكشر عما ببواطنه من ظلم مزمن، في مرقده يتخبط تقلبا، وكأن مسا بنفسه تربص، إنه لم يهدأ له بال ولن يهدأ أبدا، حتى أتى يده لمرات عدة، حتى صار منه المصباح قصيا، وما تدفق من ماء قذر، خال أنه ذنب، وفي الآخرة يكون منه قد أنجب من نفسه ولدا شقيا، يكون على ما فعل شهيدا، وعلى ما يجرى به من عقاب عدل قسيا، ثم دلف تائها في خيال بسطت منه البيداء أطرافها وسرابها، على ناقة ضامر، وزاده في جراب من فرو ثدي قد تعفنت به الألبان، يجوب ضالا أمكنة عليه الدخول إليها محظورا، وقد أظناه عبء البحث عن ملامح أنثى منها يعيد إليهم بضاعة ترضي يوم اقتراع نخاسا، يوم الابتياع في سوق النخاسة تتقاتل الأحزاب، إنها لم تترك له في الدنيا من زينة إلا وصادرتها منه غصبا، وتركوه على قارعة الأزقة جثة عفنة يعيف أكلها البعوض و لو من شدة الجوع يحتضر، يزعم أن ما يغرفه من دمع، من أنهار نبعها بكاء قد صار كالسراب لا يسقي الأرض إلا قحطا، إن البكاء في خلوة الصمت يشفي ما أصاب النفس من قرح، في غرفة الحياة سلبوا منه فراشا من نسوة لم يتذوق بعد من ثمارهن طعما، لقد غلوا بغشاوة حالكة قلبه، وبه زجوا في سبات حوائطه من أشباح، تبدوا له بارزة كلما أطبق جفنيه المثقلين بأرق مرتدي إملاقا أبديا، أشباح فظة، وفظيعة في نهشها لحظة الإنقضاض على ما من جنين يحاول خلقه فيما هو فيه من كبت مزمن، فطر عليه ومنذ أن كان في التراب رغيفا، ومطرا من زقوم، تلبدا وتآلفا في غيمة حتى صار كسوة للروح في جسد منه الإنسان ظهر.
إنه منذ المهد لم يجد نكاحا، ولم يتركوا له في السجن ما ينكحه، وما ترغب إليه النفس من بغاء، لقد عقلوه بأصفاد من تمائم ،يحمل عقابها في غفلته عبء تقيل، فقد خرج كافرا خارج ما وصفوه فيه من بؤس، وما قيدوه به من أغلال عدل تصليه عقابا إن هو أراد أن يمارس شهوات الحياة، بعين ضريرة، نزل إلى قعر السبات الحالك، والقلب قد شرب منه نخاس ظمي، وتركه للحياة ناضبا عن النبض قد انثنى، وكلما أراد المرء أن يتلمس جمال الكون، فعليه أن ينفذ بما استطاع جمعه مما أوتي من بذرة طيف بها ينجب من نفسه جمالا، يضيف لوحته إلى ما قد علقت على جدار الطبيعة من سحر لوحاتها الأخاذ، عندها ترى نفسك في قلب النساء صبيا، يمنحك البراءة من كل ذنب في جنة اللعب واللهو اقترفته سهوا.
إن لم تستطع أن تضيف شيئا من جمالك إلى الكون، فإن وجودك بغرفته باطلا، إني لا أبدي أي جهد في الحصول على أفكار، ولكن ما أعاني منه هو أنني موجود بعالم غير ذلك الذي تتكون فيه الأفكار، منه إلي يوحى أن أنقلب على ما أهداه الأنبياء من صلاة للإنسان .
كسر الأصفاد، ثم هوى نحو قصر الصبا، كورقة ميتة سقطت من كرمة بها الريح من شواظ الخريف تعبث، ولقد اشتعل الجسد بما زرعت فيه الشقاوة من بذور كبث أكياسا، وعلى الفتوة خلقت حرثا، والمصدعة صدئة، وما شققت من تجاعيد عليه،من أغوارها كست الوجه شيبا كثيفا، وفي بطن لحد و ضعته عجوزا في النسيان منسيا،حتى إذا بلغته المنية تولت فرارا، وقالت هلوعا إنه ليس إنسانا مألوفا، إنها تأبى أن تقربه وما كان عليها هينا أصبح عصيا، فتركته آية، كما تركوا له مآثرهم العتيقة في بطنها تدس رمام الأجساد، إن الضعفاء، وهم كافة من ذرية الفقر لا يستطيعون في التاريخ تنقيبا، عقولهم مغلولة بقفل من جهل، فيه يمكثون ركودا، كي لا يصنعون في الطين ضجيجا، به يزعجون إلاها زعم أنه من سلالة السماء خليفة، في الأرض يرفل على رزق هو من عند الله قد سخره للناس قوتا،إنه في الرقاد لم يكن ظالما لنفسه، ولكن ما أصابوه به من ظلم، جعله يبيح لنفسه قبحا مضمورا، لفافه من سبات فيه يحيا حلما، ولا يخشى عدلا لا يفقه إلا في تنزيل فريضة يكون عقابها جورا، فرحل إلى قفر وحيش، وكان بالأمس به يتيما في الأرض يرضع زقوما، خربة من الصبا كان له بها مأوى، وأعياد تأخذ مواقيت الصلاة من عمره درعا، ولا يجوز له في إصلاحيتها كفارة ولا جزية، ممنوع عليه بسط نظرة من كوة إلى شمس نسجت سناء ونورا، في عتمة ما أعدوا له من قعور، ضياؤها مني ساطع، فإني أحذركم نفسي، فمن حاول أن يصيب أطفالي بأذى أو هؤلاء الذين مني على قرطاسي، فإن مدادي زقوم أصب منه أكوابا ملأى في بلعوم طغاة من أحزاب، إني لا أستبشر منهم للغد خيرا .
حلق يؤوسا حول ما ترك في المهد من قمامة الصبا، والقلب من الهوى مبتور، فلم يلمس من زوجة قبلة ولا لمسا، فقط لما بلغ الفحولة يلاطمهن خفية بنظرة تؤدي الجنان ألما مريرا، بما يضمر فيه من خواطر، فيه تحبس ولا تجد لها مسربا منه إلى الحياة تتفجر، إنه في الوجود يلاقي صوما أبديا لما النفس فيه تعشق، تكاد الرموش أن تنفض في جفونها، والعين تؤرقها رؤى منها الجمال يفتقد، فتصير كليل إن هو افتقد طيفه القمر، فتغوص النفوس الشحب في وصل النعاس، ولا تجادل جلادا وشم على جبينها قهرا، وقسوة في محرقة الدنيا لا تذر من جسده العاجف رميما، فحتى الأرض الزغب اللحود لم يتركوا لها من جيفة، لحمأً وعظماً تنهش، فغالبه النعاس ففاز بموت يحل على النفس ما كان عليها محرما، وما كان منها قصيا وعصيا، واسقط عنها عين المخزن التي كانت عليها رقيبا، إن هي تزوغ عما صنعوا لها من خم فيه تركد إصباحا وآصالا، فركع لما يعتريه من قصور، وما بصدره من شع مكبوتات على ضلوع متكلسات عالق، ودب في مخيلته يصطاد طليقا نقص ما لمح بصره من عورات نسوة ولو كن من محارم، في مضجع زنزانته بت ما يغريه فيهن من فاكهة الأنوثة، صورا منها يأكل لذائذ، وجبة شهية منها كان ممنوعا، وما أبهم عليه من صور تزيده تأججا لشهواته، فيستحضر بريقها انتشالا، ثم ينقض عليها نكاحا، ولما يقضي منها ما كان ينقصه، ينصرف عنها مشبع الرغبة مرحا،ولا يعتبر ذلك عيبا، ولا يحسب ما استمتع به ذنبا ولا جرما،ولا يزج به في حانات المحاكم حيث القانون يفتي فيه عقابا .

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 61 مشاهدة

مؤسسة الفجر العربى الإعلامية رئيس مجلس الإدارة الشاعر الإعلامى أحمد الببلاوى

WWWarabfjr3
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

30,991