إحدى معضلات المشهد السياسى المصرى أن المتصارعين فيه يتصرفون باعتبارهم أوصياء لا شركاء، دون أن يفوضهم أحد فى هذا أو ذاك. 
 (1) 
أتحدث عن الجزء الظاهر فى هذا المشهد الذى يحتل الواجهات، لأننى أعلم أن ثمة جزءا غاطسا أفضل منه كثيرا. والأول ما تقدمه لنا وسائل الإعلام وما يستأثر بالقدر الأكبر من الأضواء، فى حين أن الجزء الغاطس نجا من غواية الأضواء وأثبت حضوره بالأفعال وليس بالأقوال.. الأولون هم النخب الذين فرضوا أنفسهم على المجتمع وملأوا الفضاء العام، سواء بحكم الأمر الواقع أو من خلال وسائل الإعلام، والآخرون هم النشطاء العاديون المغمورون الذين يتحركون على الأرض، مدفوعين فى ذلك بمحبة الوطن والمواطنين، وليست لديهم لا حسابات ولا تطلعات أو أجندات.
 
بين أيدينا هذه الأيام نموذج للدور الوصائى الذى تمارسه النخب الليبرالية والعلمانية فى مصر، ذلك أن ما يسمى بمسودة إعلان المبادئ الأساسية للدستور ليست سوى ثمرة لتوافق نخب ما أقل ما يمكن ان توصف به إنها ليست منتخبة أو مفوضة من المجتمع. ولكنها منتحلة ذلك ومفروضة عليه. ليس ذلك فحسب، وإنما جاء تحرك تلك النخب تحديا للإرادة الشعبية والتفافا عليها. حتى أزعم ان ما قامت به يعد تجسيدا نموذجيا للمعضلة التى أشرت إليها. القصة عشنا وقائعها بعد الثورة. حين أقر أكثر من ثلاثة أرباع الشعب المصرى (77%) فى استفتاء حر بعض الأحكام الدستورية التى من شأنها ترتيب خطوات انتخاب المجلس التشريعى ووضع الدستور الجديد وانتخاب رئيس الجمهورية، ومن ثم تسليم السلطة للمدنيين فى فترة لا تتجاوز شهر يونيو عام 2012. لكن النخب المفروضة على المجتمع والمهيمنة على وسائل الإعلام رفضت الخيار الشعبى، ومارست العديد من الضغوط والحيل التى استهدفت إجهاض المخطط الموضوع من خلال تشكيل مجالس غير منتخبة ضمت أناسا معبرين عن ذواتهم أو جماعاتهم ولا يمكن الادعاء بأنهم يمثلون الرأى العام. وتمخضت حوارات عن المجالس عن وثيقة إعلان المبادئ التى أريد بها فرض أجندة النخبة على المجلس التشريعى للنخب وتكبيل لجنة وضع الدستور، فى مصادرة مدهشة لمختلف تجليات الإرادة الشعبية. وقد شرح كل ذلك وفضحه المستشار طارق البشرى فى دراسته المهمة التى نشرتها جريدة «الشروق» يومى الجمعة والسبت الماضيين (10و11 نوفمبر).
 
لقد ظلت رسالة عناصر تلك النخب طول الوقت تعلن على الملأ انها وحدها تحتكر الصواب وانها لا تثق فى إرادة الجماهير واختيارها، من ثم فرؤيتها ووصاياها وحدها التى ينبغى الاسترشاد بها لكى ترسو سفينة الوطن على بر الأمان.
 
لا يقف الأمر عند حد الادعاء باحتكار الصواب فى رسم مستقبل الوطن أو الإصرار على رسم ذلك المستقبل على النحو الذى تنشده النخبة. انما بناء على ذلك أو تعبيرا عنه فإن تلك النخب اعتبرت نفسها الوكيل «الحصرى» والمحتكر الأوحد لمجموعة من القيم والشعارات الايجابية التى فى مقدمتها الديمقراطية والليبرالية والمدنية والحداثة والتنوير. وتمسكوا بنسبتها إلى العلمانية فى حين ان تلك القيم ( ونقيضها أيضا) موجود داخل كل تيار. بما فى ذلك محيط الإسلام السياسى.
 
 (2) 
التيار الإسلامى وقع فى المحظور ذاته. ذلك ان حجبه عن المشاركة فى العمل السياسى طوال العقود التى خلت جعل جماعاته تتبنى الخطاب الدعوى وتبتعد عن العمل الاجتماعى. وذلك الخطاب بطبيعته إرشادى ووعظى، الأمر الذى ربى أجيالا تعتبر نفسها فى موقع القوامة على المجتمع والوصاية عليه. وحين رفع القيد وأبيح للجميع بأن يعلنوا عن أنفسهم بعد الثورة فإنهم اندفعوا إلى ساحة العمل العام دون ان تتوفر لديهم خبرة سابقة فى مخاطبة الناس. وكانت النتيجة اننا قرأنا لبعض رموزهم تصريحات لم تعبر عن موقف الإرشاد والوصاية فحسب وإنما أسهمت أيضا فى تخويف الناس وإثارة قلقهم.
 
فى الأسبوع الماضى قرأنا قول احد المرشحين فى الإسكندرية انه بظهورهم فى الساحة وبفوزهم المنشود فى الانتخابات «فإن الإسلام قادم وحكم الشرع قادم». كأن الإسلام كان غائبا عن مصر طوال السنين والقرون التى مضت، وسيعود إليها إذا فازوا بإذن واحد أحد، وبذلك اعتبروا أنفسهم هم الإسلام، إذا غابوا غاب وإذا حضروا حضر.
 
يوم الخميس الماضى 10/11 نشرت صحيفة «الوفد» حوارين مع اثنين من رموز السلفيين تحت عناوين كبيرة على ثمانية أعمدة. ونقلت عن إحدهما قوله: انتهى عصر شرب الخمر وتعرى النساء فى الشوارع. وقال الثانى: لو وصلنا إلى الحكم سنغلق الملاهى الليلية ومصانع السجائر!.
 
صحيح ان العناوين لم تخل من اصطياد وان الحوار فاحت منه رائحة الايقاع والتوريط إلا ان المتحدثين استجابا للتوريط وتكلما كما لو ان المجتمع على ايدى جماعاتهم سوف ينتقل من الفساد إلى الصلاح ومن الضلال إلى الهداية والرشاد. ولا استثنى من ذلك اصواتا من مرشحى الإخوان اعتبروا أنفسهم قاطرة المجتمع، ولم يروا فى الآخرين سوى مقطورات تجرها القاطرة وراءها.
 
 (3) 
اكثر ما يلفت النظر فى ذلك الاحتراب ان الطرفين لم يتحدثا عن أى مساحة مشتركة يمكن ان يعملا فيها سويا، رغم ان ذلك المشترك متوافر فى ساحة العمل الوطنى، خصوصا فى مجالات الدفاع عن الديمقراطية والاستقلال والتنمية والعدالة الاجتماعية.  فى هذا الصدد لا مفر من الاعتراف بأن النخب العلمانية التى ظلت مهيمنة على مختلف المنابر هى الأكثر تشبثا بمفهوم الوصاية ورفض الشراكة. وذلك مفهوم، لأنهم يدافعون عن مواقعهم واحتكارهم التقليدى لتلك الواجهات. بسبب من ذلك فإن الدور الوصائى للنخب العلمانية اقترن برغبة شديدة فى الإقصاء وهذه الروح الإقصائية واضحة فيما خص التيار الإسلامى. وذلك واضح فى مجالين على الأقل يمثل الإعلام أولهما. ذلك ان الخطاب الإعلامى المعبر عن تلك النخب اعتمد سياسة التخويف والترويع من مجمل التيار الإسلامى. وفى بعض الصحف المصرية هناك أخبار شبه يومية تصب فى ذلك الاتجاه، وتجد فى كلام بعض السلفيين أو الإخوان أو غيرهم مادة جيدة للاصطياد، وهو كلام يطلقه أفراد لكنه لا يعمم على الجماعات فقط، ولكنه أيضا ينسب إلى مجمل التيار، دون تفرقة بين المعتدلين والمتطرفين والعقلاء والحمقى، حتى كان احد عناوين الصفحة الأولى لجريدة الوفد المنسوبة إلى التيار الليبرالى والتى صدرت يوم 10/11 كالتالى: السلفيون أعلنوا الحرب المقدسة والأقباط يهددون بالهجرة(!).
 
جدير بالذكر فى هذا السياق ان الإعلام المتصيد يجد فى جماعات السلفيين حديثى العهد بالعمل السياسى مادة وفيرة للتخويف والإثارة. وحين رجعت إلى نص الحديث الصحفى الذى اجرى مع القيادى السلفى الذى سبقت الإشارة إليه، وجدت ان الأسئلة التى وجهت إليه كانت كالتالى: أصحاب محال الخمور وأصحاب الملاهى الليلية يتخوفون من وصول السلفيين للحكم ــ ما تعليقك؟ ــ ماذا عن السجائر؟ ماذا عن السائحات العاريات؟ البعض يتخوف من فرض النقاب فى حال وصولكم للحكم؟ــ لو انتخبت سلفية عضوا بمجلس الشعب هل ستدخل بالنقاب أم بالحجاب؟.
 
 (4) 
من يقرأ الصحف المصرية يقتنع بأن فى البلد قبيلتين تقتتلان، وان النخبة تركت الثورة وأهدافها فى المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وتفرغت للاقتتال والسباق حول مقاعد مجلس الشعب المقبل. وهو انطباع صحيح بصورة نسبية، لأن ذلك حال النخب الطافية على السطح التى أشرت إليها فى البداية إلى انها تمثل الجزء الظاهر من المشهد، فى حين ذكرت ان ثمة جزءا غاطسا أكثر جدية وبراءة، واكثر وفاء للثورة وأهدافها. ولأنهم كذلك فهم لا يزالون يعملون بروح ميدان التحرير، حين التحم الجميع مع بعضهم البعض وظلت أعينهم معلقة بأهداب الوطن. لم تشغلهم المغانم ولم تحركهم المرارات والحسابات المتراكمة وإنما خلع كل منهم انتماءه الفكرى والسياسى وظل مهموما بشىء واحد هو الشوق إلى استرداد الوطن من خاطفيه والى إقامة الحلم على الأرض. هم من قماشة الذين خرجوا إلى الميادين فى 25 يناير. وبعدما انفض الجمع فإنهم شكلوا من أنفسهم جماعات انتشرت بين الناس لكى يواصلوا الدفاع عن قيم الثورة وأهدافها.
 
أتحدث عن جيل آخر من الثوار الذين لم «يحرقهم» الظهور على شاشات التليفزيون ولم يدعوا إلى المحافل الدولية أو ندوات النخب الذين اعتبروا أنفسهم قيادات سياسية للبلد، ولم يعرف عناوينهم سماسرة التمويل الأجنبى. ولأنهم يعملون فى الظل وأعدادهم تفوق الحصر فى مختلف محافظات مصر، فمن الصعب التعرف على الجميع. لكننى اذكر منهم مثلا مجموعة «التيار الرئيسى» فى القاهرة ،التى تعتبر ان الأغلبية الصامتة من الشعب المصرى هى التيار الرئيسى فى البلد الذى ينبغى مخاطبته. أتحدث أيضا عن «منتدى الدلتا» فى طنطا الذى ينهض بمسئولية توعية الناس وتثقيفهم لكى يتحملوا مسئوليتهم فى المرحلة الجديدة. ويعمل جنبا إلى جنب مع «اللجان الشعبية للدفاع عن الثورة» التى تنتشر فى مختلف المحافظات، وعن مجموعة «شارك» فى حى المعادى التى تتصدى لاستنهاض الهمم وإثارة الحماس للمشاركة فى العمل العام، ومجموعة «شباب ضد القبلية» فى قنا التى تحارب التعصب القبلى فى الصعيد وتدعو الناس إلى الاشتراك فى بناء الوطن. ومجموعة «احم صوتك» التى تدعو إلى اختيار المرشح الأفضل وتسجل على المرشحين وعودهم، ومجموعة «لك دور» التى تحرض الناس على الدفاع عن حقوقهم فى الحياة الكريمة والشوارع النظيفة. ومجموعة « امسك فلول» التى أعدت قائمة ضمت أسماء أكثر من ثلاثة آلاف شخص من رموز النظام السابق وأركانه الذين أعانوه على الاستبداد والفساد. وعممت تلك القائمة على مواقع الانترنت لتحذير الناس من التصويت لهم فى الانتخابات.....إلخ.
 
لست اشك فى ان هناك مجموعات أخرى تنشط فى الساحة وتعمل فى صمت بعيدا عن الأضواء. ولكن أكثر ما يهمنى ان ندرك ان الذين استولوا على الواجهات ليسوا كل شىء فى البلد. بل ربما كانوا يمثلون النصف الفارغ من كوب الثورة اذا جاز التعبير. أما هؤلاء الناشطون الذين يحاولون تجديد الدماء فى عروق الوطن واستنهاض همة الأغلبية الصامتة فهم النصف الملآن. بل هم أملنا فى استمرار الثورة التى تحاول النخب احتكارها. وهم طوق النجاة لنا من حالة الإحباط التى صارت تعذبنا هذه الأيام.
 
هذه الآلاف التى تتحرك فى أنحاء مصر، هم التجسيد الحقيقى لروح 25 يناير، وهم المعول عليهم فى إقامة نظام جديد يشترك الجميع فى بنائه، بعيدا عن هيمنة الأوصياء وقبضتهم.

 

 

المصدر: الشروق / بقلم : فهمي هويدي
  • Currently 5/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
1 تصويتات / 150 مشاهدة
نشرت فى 15 نوفمبر 2011 بواسطة TAHAGIBBA

ساحة النقاش

TAHA GIBBA

TAHAGIBBA
الابتسامة هي اساس العمل في الحياة والحب هو روح الحياة والعمل الصادق شعارنا الدائم في كل ما نعمل فية حتي يتم النجاح وليعلم الجميع ان الاتحاد قوة والنجاح لا ياتي من فراغ »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

589,518

السلام عليكم ورحمة الله وبركات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته