مائة عام من السرد
صادق الطريحي
Jun 28, 2016
ابتدأت هذه القصة عام 1916 وكان من المفترض أن تنتهي في هذا اليوم 16/5/2016 لتكون نسخة مقلدة من «مئة عام من العزلة»، أو مئة عام من الحنين، لشيوع ظاهرة البيع المربح للبضائع المقلدة؛ ولكن أحداثاً عدة حالت دون ذلك، وسأذكر بعضها طلباً للاختصار لا غير، فلم يوافق أحد من الناشرين على هذه القصة؛ لأنها ليست رواية أجيال، وقد لاحظ مثلي ثبات الشخصيات المتناسلة على رؤية واحدة فقط ؛ فنصحني بكتابة قصيدة النثر بدل التورط برواية فاشلة.
وفي محاولة مني لكتابة هذه القصة وفق تقنية تعدد الأصوات، اعترضت بعض الشخصيات على ذلك؛ فلا يمكن لي أن أساوي بين فريق في الجيش وجندي مكلف يمقت التجنيد الإجباري، ولا يمكن لي أن أساوي بين زعيم ديني ومعلم جامعي في مدرسة متوسطة في الأرياف، وقد كنت أستطيع أن أتجاوز هذه الاعتراضات لولا أن هذه الشخصيات هي التي ستطبع القصة على نفقتها الخاصة خدمة للمصلحة العليا، وطلباً للأجر والثواب في الآخرة.
ورفضت دار أخرى نشر القصة بعد أن أبدى الخبير الأدبي للدار شكوكاً في رواجها حينما لاحظ أنها تخلو من اللهجة المحلية في الحوار، كما هي في قصص نجيب محفوظ، أو غائب طعمة فرمان مثلاً، ولاحظ أيضاً سلامة اللغة في القصة في الوقت الذي لا تحسن فيه بعض الشخصيات القراءة والكتابة، وكتب في توصيته «ثمة فجوة لغوية واضحة بين ثقافة الشخصيات ومستواها الدراسي، وبين اللغة التي تتحدث بها، ولا يشفع للمؤلف أن هذه الشخصيات بيدها مصير شخصيات الرواية جميعاً».
وعندما وصلت هذه الأخبار إلى الممولين سحبوا مني توكيل النشر، ولكن بلطف وبدبلوماسية مهنية عالية، متحججين بهبوط أسعار النفط في العالم، وكدليل على حسن نيتهم فضلوا البقاء في القصة بانتظار تحسن الأسعار.
عندها قررت أن أتجه إلى مؤسسة السرد الدولي، فهي المؤسسة الوحيدة التي تطبع مثل هذه القصص على نفقتها، ولكن بشروط أكثر، ومن دون أن أخبر الشخصيات سلمت مخطوطة القصة إلى سكرتير النشر في المؤسسة، وبعد ثلاثة أشهر تقريباً وصلني خطاب عبر البريد الرقمي يفيد بقبول الرواية للنشر؛ ولكن بعد أن تتعهد الشخصيات بقبول الشكل الطباعي للكتاب، من حيث نوعية الورق، والغلاف الورقي للكتاب وحجمه، واستناداً إلى التخويل الذي منحته لي الشخصيات وافقت على ذلك، فكانت هذه القصة.
تغيير في السرد
عندما قررت أن أكتب هذه القصة، وضعت مخططاً سردياً قديماً لها، هو المخطط نفسه الذي استعمله السارد العليم في قصة الطوفان، ولكنني، ولسبب أجهله غيرت في المخطط، جعلت للقصة أكثر من راو مشارك، وما أدهشني حقاً هو أن السارد العليم نفسه لم يعترض على ذلك، وقد جعلته أحد الرواة المشاركين، بضع شخصيات فقط هي التي اعترضت على التغيير، وطالبتني ـ كشرط لبقائها في القصة ـ أن يكون السارد العليم هو المتحدث عنها، وافقت بسرعة، وكذلك السارد العليم، وحين أخبرته بتخصيص مساحة سردية أكبر له، رفض قائلاً: لن أستطيع أن أتحدث عنهم أفضل من أنفسهم.
رائحة السرد
فجأة، وأنا أكتب في هذه القصة، توقفت الشخصيات عن السرد، وطالبتني بتفسير ما للرائحة التي غمرت القصة. ملأت رائحة البراز أنف الراوي، أما رائحة الطين الآسن فقد غطت وجه رجل كان يراقب السرد عبر نشرة الأخبار، توقفت الأغاني الوطنية بفعل رائحة الغازات النتنة لبضعة جنود ينتظرون دورهم لتفريغ بضاعتهم في مبغى تحت الرقابة الصحية، وجاءني أحد الأطفال مدعياً إنني جعلته يتبول في بنطاله المدرسي قبل أن يكتشف أن رائحة اليوريا تملأ صفوف المدرسة، وفي منتصف الزمن السردي تماماً انبعث رائحة فاكهة متعفنة من المستشفى الجمهوري، حيث كنت هناك بانتظار أن تستلمني أمي من الطب العدلي.
سيرة صوت
هو في الخمسين من العمر، وهو يكتب الآن سيرته في قصة قصيرة، لم يعلم إنه في الثمانينيات كان معرضاً للإعدام لو وشى به أحدهم لتخلفه عن العسكرية، ولم يعلم إنه كان سيدفن في المقابر الجماعية لو فتش الجيش بيتهم في 1991، وما علم إن اخته قد باعت أثاث البيت في التسعينيات، فبقي على قيد الحياة في البيت الذي لم يغادره مذ كان في الثانية والعشرين، يوم تخرج في الجامعة، وعاد ليجد أن أباه قد توفي، ودفن في وادي السلام بدون أن يخبره أحد ما.
وإذ خرج الآن يتفقد صوتا ً نشازاً، نحره الصوت، فكتب هذه القصة.
مصور الأحوال
منذ حين من الدهر، وأنا أعمل مصوراً في دائرة الأحوال الشخصية، صورت أعداداً غفيرة من وجوه الأطفال، وأودعتها سجلات الدائرة، وبطاقات الهوية الشخصية، ومنحت الكثير منها أسماءها، ومع تقدم العمر، وتكرار الأسماء، فإني أستطيع أن أرجع كل شخص إلى اسمه، واسم أمه وصورته، وسجله، وهذه قدرتي التي أتمتع بها، الأمر الذي جعلني غير مشمول بقانون التقاعد، رغم احتجاجات بعضكم. والآن وأنا منشغل ٌ بكتابة هذه القصة، استدعيت على عجل إلى الدائرة، امتلأت ساحة الطب العدلي بهم، استطعت أن أرجع كل شخص إلى اسمه وصورته، وسجله، ولكنني أصررت على التقاعد، لأنني لم أعد أعرف من القاتل ومن المقتول.
الشدة بعد الفرج
للتنوخيّ (ت 384 هـ) كتاب بهذا العنوان… أهداني نسخة منه آملاً أن أكتب عرضاً عنه في مجلة مئة كلمة من السرد، هل كان يعلم أن ثلاث كلمات فقط كافية لعرض الكتاب والتعريف به، وتسويقه كأحسن ما يكون في عالم يضج بالكتب الرقمية! لكنني قررت أن أكتب عنه مئة كلمة فقط، هي ملخص لإحدى حكايات الكتاب.
في آذار، في التسعينيات عملت نساخاً في سوق الوراقين ببغداد، سجنت لأنني كنت أبيع كتب الدهريين، مندون أن أدفع الجزية لصاحب الشرطة… وفي نيسان عدت للعمل، لست كنساخ بل كمعتقل سياسي، أرجعوني كاتباً في ديوان القضاء، وكان القاضي هو صاحب الشرطة.
٭ كاتب عراقي


