<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt; mso-para-margin:0in; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-latin; mso-fareast-font-family:"Times New Roman"; mso-fareast-theme-font:minor-fareast; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-hansi-theme-font:minor-latin; mso-bidi-font-family:Arial; mso-bidi-theme-font:minor-bidi;} </style> <![endif]-->
منذ ألف سنة كان أقصى ما يطمح فيه إنسان قطعة أرض وبضعة رؤوس من الماشية .. كان هذا هو الثري الأمثل في ذلك العصر.. وكان أقصى ما يحلم به ذلك الثري هي عربة مطهمة يجرها حصان ليدخل بها مجتمع الوجهاء وأهل الشياكة .. واليوم نقول عن من يملك العربة والحصان إنه (( عربجي )) وهو في اعتبارنا من الناس الدون ..
أما أهل الشياكة والوجاهة فقد استبدلوا بالأرض العمارات .. ثم استبدلوا بالعمارات الشركات .. ثم استبدلوا بالشركات مجرد دفتر سندات أو دفتر شيكات بحجم الجيب .. مجرد رأس مال يتوالد من تلقاء ذاته بالإسهام في أي مشروع .. وانتهى إسطبل المواشي ليحل محله كراج عربات مرسيدس .. ثم انتهى أمر الكراج وتركه الأغنياء للسوقة والناس الدون .. و صار الواحد منهم يمتلك طائرة خاصة أو مرسى لليخوت أو باخرة .. وغدا تصبح الطائرات من أملاك الفقراء ويظهر الأغنياء الوجهاء الذين يملكون الصواريخ والسفن الفضائية والأقمار الصناعية ، وتصبح رحلة (( الويك إند )) عشاء ساهرا في المريخ .. الزمن استدار وانتقل الناس من حال إلى حال بسرعة غريبة ، وأحلام زمان أصبحت الآن متاحة للكل ..
أي إنسان من مستويات الدخل البسيطة يستطيع الآن أن يحصل على كثير من وسائل الترف التي كانت تحلم بها جدتي وجدي ويسيل لها اللعاب .. ومع ذلك فالبؤس موجود والتعاسة مازالت هي القاعدة والشكوى مستمرة على جميع المستويات .. تشهد بذلك أعمدة الصحف والأغاني والكتب وأخبار الإذاعات ووجوه الناس المربدة المتجهمة في الشارع ومشاكساتهم الدائمة و صدورهم الضيقة بكل شيء ..
لا شيء مما تصور الإنسان أنه سوف يسعده قد أسعده وهو ما كاد يمتلك ما كان يحلم به حتى زهد فيه وطلب غيره .. وهو دائما متطلع إلى ما في أيدي الآخرين غافل تماما عما في يده .. ولكنها الرغبة التي لا تشبع ، والتي يتجدد نهمها دائما وتتفتح شهيتها على كل ممنوع ومجهول .. ولهذا أقام بوذا ديانته على قتل الرغبة والخلاص منها باعتبارها سبب الشقاء ، ولا خلاص من الشقاء إلا بالخلاص من الرغبة وقتلها و الوصول إلى حالة من السكينة الداخلية الزاهدة في كل شيء والعازفة عن جميع الرغبات .. والله يكشف لنا الحقيقة بشكل أعمق في القرآن فيقول إنه خلق الدنيا و لها هذه الطبيعة و الخاصية فهي ( متاع ) - ( إنما هذه الحياة الدنيا متاع ) و ( المتاع ) هو اللذة المستهلكة التي تنفذ .. من خصائص الدنيا كما أرادها خالقها أن جميع لذاتها مستهلكة تنفذ وتموت لحظة ميلادها ..
في كل لذة جرثومة فنائها .. الملل والضجر والعادة ما تلبث أن تقتلها .. هي الطبيعة التي أرادها الله للدنيا ، لأنه أرادها دار انتقال لا دار قرار .. ولهذا جعل كل لذة بلا قرار ولا استقرار .. لأنه لم يرد لهذه اللذات أن تكون لذات حقيقية وإنما أرادها مجرد امتحان لمعادن النفوس .. مجرد إثارة تختبر بها الشهامة والنبل والعفة وصدق الصادقين وإخلاص المخلصين .. والذي يدرك هذا سوف يستريح تماما ويكف عن هذه الهستيريا التي تخرجه من شهوة لتلقي به في شهوة ، وتقوده من رغبة لتلقي به في أتون رغبة ، وتجره من جنون لترمي به في جنون .. سوف يريح ويستريح ويحاول أن يروض نفسه ويستصفي روحه ويطهر قلبه ويعمل للعالم الآخر الذي وعد به الله جميع أنبيائه بأنه سيكون العالم الذي تكون فيه اللذة حقيقة .. والألم حقيقياً ..
وهو لن يندم على ما سوف يفوته من لذات هذه الدنيا ، لأنه علم تماما وبالتجربة و الممارسة أنها لذات خادعة تنفلت من الأصابع كالسراب .. وهو قد قرأ التاريخ وعرف أن مال قارون لا يزيد الآن بالحساب الحالي عن عدة مئات من الجنيهات بالعملة النحاسية .. وهكذا قدرت جميع خزائنه بالإسترليني .. وما أكثر من يملك مئات الجنيهات الآن ويشكو الفقر ، ويلعن اليوم الذي ولد فيهِ .. مع أنه بحساب التاريخ أغنى من قارون ..
إنها الخدعة الأزلية .. تحلم بامتلاك الأرض فإذا بالأرض هي التي تمتلكك وهي التي تكرسك لخدمتها .. تتصور أن المال سوف يحررك من الحاجة فإذا بالمال يفتح لك أبواب مطالب أكثر وبالتالي يلقى إلى احتياج أكثر .. وكلما أحرزت مليونا .. احتجت إلى ثلاثة ملايين لحراسة هذا المليون وضمانه .. وتدور الحلقة المفرغة ولا نهاية .. و هذه طبيعة عالمنا الكذاب الذي نمتحن فيه .. كلنا نعلم هذا .. ومع ذلك لا نتعلم أبداً .. ؟!


