<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt; mso-para-margin:0in; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-latin; mso-fareast-font-family:"Times New Roman"; mso-fareast-theme-font:minor-fareast; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-hansi-theme-font:minor-latin; mso-bidi-font-family:Arial; mso-bidi-theme-font:minor-bidi;} </style> <![endif]-->
أحيانا تراودني الرغبة في البكاء مثل طفل صغير يتيم تاهت عنه أمه في الزحام .. وأشعر في تلك اللحظات أننا جميعا أطفال لا فرق كبير يذكر بيننا و بين أطفالنا في عِلمنا ومعارفنا وأخلاقنا .. يخيل إلينا أننا اخترقنا السماوات بعلومنا .. ولو فكرنا قليلا لوجدنا أننا مازلنا في حروف أ . ب . ت . ث .. وأننا كأولادنا على عتبة واحدة من الحيرة والتساؤل والجهل .. يقول لك طفلك وهو يشاور على القمر : من أين جاءوا بهذا القمر يا أبي ؟ وتجاوب عليه بكلام كثير .. وتتلو عليه نظريات وافتراضات خلاصتها أنه لا أحد يعرف الحقيقة .. ولا حتى أينشتاين نفسه .. ويسألك طفلك عن جده الذي مات أين ذهب منذ موته ؟ وعن أخيه الذي ولد أين كان قبل مولده ؟ فلا تعرف جواباً .. فلا أحد يعرف ماذا قبل الميلاد ولا ماذا بعد الموت ولا من أين ولا إلى أين ويشاور لك على الكهرباء ويقول ما هذا ؟ فتقول الكهرباء ويسأل من أين أتت الكهرباء ؟ فتحكي له حكاية طويلة عن ماكينات النور وأنت لا تدري ما النور ولو سألت علماء الطبيعة كلهم ما وجدت فيهم واحدا يستطيع أن يدلك على كنه النور ، ولا حتى نيوتن ، ولا أفوجادرو، ولا فاراداي ..
وما أجهلنا على الدوام .. ابتكرنا علم النفس وكتبنا فيه المراجع ونحن لا ندري ما هي النفس .. واخترعنا الساعات لنقيس الزمن ونحن لا نعرف ما هو الزمن .. وسكنا الأرض منذ ملايين السنيين ومازلنا لا نعرف عنها إلا قشرتها ..
ويجتمع شهود الحادثة الواحدة فيختلفون في روايتها ويحكيها كل واحد بصورة و هذا شأن الحادثة التي لم تمر عليها ساعة فما بال التاريخ الذي مر عليه ألوف السنين وكتبت فيه المجلدات ، وكلها تخيل وما أبعدنا دائما عن الحقيقة .. وما أقل ما نعلم .. وما أقرب الفارق بيننا وبين أطفالنا في عِلمنا ومعارفنا بل ما أقرب الفارق بيننا وبين أطفالنا في أخلاقنا – نحن الأوصياء والمربيين وكل منا يحتضن أملاكه كما يحتضن الطفل لعبته ولا يطيق أن تمسها يد منتفع وفينا البخيل والشره والأكول والطماع ومن يسيل لعابه على المليم ..
والطفل يخطف والكبير يسرق والطفل يضرب والكبير يقتل والطفل يمد يده بالإيذاء والكبير يمد عصاه وسكينه والطفل يرمي بحصاة والكبير العظيم يرمي بقنبلة ذرية .. ألا يحق لي بعد ذلك أن أبكي على هذا العالم من العيال الذين ظنوا أنفسهم كبارا ؟!
كيف تكسب ألف جنيه فورا ؟ اطمئن .. لن أقول لك اقطع الكوبون في أسفل الصفحة و أرسله مع اسمك وعنوانك مع الأجوبة على الاستفتاء كذا .. ولن أحول الموضوع إلى مسابقة تنفق عليها (سيجال) أو إعلان .. إنما الموضوع جد .. والأغنياء والأذكياء الجدد الذين اشتروا بأموالهم كل شيء مما كانوا يحلمون به من أرض ودور وقصور ومتاع لم يقفوا عند حد لأن ثرواتهم لم تكن تقف عند حد ، فبدأوا يشترون الذمم ثم يشترون الأحزاب والحكومات ثم يحركون السلطة لصالحهم فيدفعونها إلى تجييش الجيوش وغزو البلاد المتخلفة واستعمارها لتكون أسواقا جديدة ، ومصادر جديدة للثروة والقوة ..
وآخر صورة محزنة من هذا الذكاء البشري هو ما نراه الآن ، فالأقوياء الأغنياء لم يعودوا يفكرون حتى في أن يحاربوا.. و إنما اكتفت الدول الكبرى بأن تصنع السلاح ثم تبيعه للأمم الفقيرة الصغيرة لتقتل به بعضها بعضا.. و تطوع الأذكياء بإشعال الفتن في هذه الدول الصغيرة البائسة كلما نامت الخلافات أوقدوا نارها.. بين الهندوس والمسلمين في الهند ، وبين المسلمين والمسيحيين في نيجيريا ، وبين الكاثوليك والبروتستانت في ايرلندا ، لتظل الحرب مشتعلة تأكل السلاح وتبقي على الصغار صغارا وتجعل الكبار أكبر والأغنياء أغنى .. وبرغم دعاوي الاشتراكية ظل القانون القديم سائدا.. إن من عنده يربح فيزداد.. ومن ليس عنده يخسر أكثر فأكثر.. الكبير يزداد كبرا والصغير يزداد صغرا .. والعلم بتطوره السريع يهدد المتخلفين الذين يزدادون تخلفا في معاركهم مع الكبار.. يهددهم بأن يتحولوا إلى قرود ، بالنسبة إلى الأدوات العلمية التي تتطور في أيدي الكبار فتحولهم إلى عمالقة وأنصاف أرباب .. والدول الكبرى لم تعد تتصرف بحكم المبادئ والأيديولوجيات .. وإنما أصبحت تتصرف بحكم كونها كبرى ويجب أن تظل كبرى وتصير أكبر في مواجهة دول أخرى (( كبرى)) تحاول أن تكون أكبر و في حلبة الصراع بين الكبار.. تدوس الأقدام الصغار.. وتدوس مصالحهم ، وتدوس حياتهم ..
هل فهمت شيئا من هذه القصة ؟ لقد فهمت شيئا من السياسة .. وفهمت أن الإنسان كان يكسب دائما باستخدام يديه وعقله وحيلته وأن هناك طريقتين للكسب أن تكسب بالحيلة الشريفة عن طريق عمل يديك وعمل عقلك ، وأن تكسب بالحيلة الخبيثة عن طريق أيدي الآخرين وعقولهم ، وأن في الإمكان أن تكسب ألف جنيه بشرف .. وذلك بأن تقدم عملا أو كشفا أو اختراعا أو إمتاعا أو نفعا للناس يساوي تلك القيمة .. ولا عذر لك .. ولا يصح لك أن تتعلل بأن حظك من العلم قليل .. فقد بدأ أديسون المخترع العظيم حياته صبيا يبيع الجرائد ، ثم اخترع لنا المصباح الكهربائي والجراموفون .. كما بدأ عالم الكهرباء العظيم مايكل فاراداي حياته صبيا يعمل في محل تجليد كتب ، ثم اكتشف قوانين الكهرباء التي اخترعت على أساسها جميع أجهزة اللاسلكي فيما بعد .. واللاعب البرازيلي بيليه جمع ثروة هائلة من مجرد إتقان الجري .. وأي اجتهاد في أي شيء ولو كان اجتهادا في اللعب .. لابد أن يؤتي ثمرته ..
اعمل بجد في أي شيء وإذا لعبت فالعب بجد وابدأ فورا من الآن لا تبرر كسلك - بأن العلم في المدارس والجامعات وأنت محروم من المدارس والجامعات .. فالعلم في الكتب والمكتبات .. وهو متاح على الأرصفة أرخص من علب السجائر وهو في دور الكتب مجانا .. والقدرة على الابتكار موهبة أودعها الله في كل عقل .. كل ما عليك أن تبدأ غادر مقعدك المألوف على المقهى فورا .. واكدح بذهنك ويديك في شيء.. ولا تظن أن ((الألف جنيه)) قد وقعت على رأس أي واحد بمجرد التمني وبدون أن يجتهد في كسبها وتأكد أن تسخيرك لذكائك أسهل من تسخيرك للجن وثق بأن مفعول ذكائك أقوى من مفعول السحر .. وإذا شككت في كلامي فاقرأ المقال من جديد لتعلم كيف قامت دول كبرى .. وكيف صعد الإنسان للقمر دون بساط سليمان .. و كيف أنك مهدد بأن تتحول إلى قرد إذا ظللت جالسا في جلستك اليومية على المقهى لا تجهد ذهنك في شيء .. و العالم من حولك في سباق علمي رهيب يفض أسرار الذرة ، ويسخر القوى النووية في صناعة الأعاجيب .. فيزداد الأقوياء قوة ، ويزداد الضعفاء ضعفا .. إلى أن يصبح المتخلفون في مكانة القرود أو أقل من القرود .. هل تشعر بأني خدعتك ؟ بل لو كنت قلت غير هذا لكنت خدعتك ..


