![]() |
|
| بدوي في سيناء - تصوير : مريم هاني. | |
القاهرة (مصر) - رويترز : في حين تشهد شبه جزيرة سيناء المصرية تفجيرات متعاقبة يأتي كتاب ألفه مؤرخ منذ حوالي 90 عاما ليشدد على أهمية هذه المنطقة التي خضعت مباشرة للسلطة العسكرية المركزية حتى أن دخولها قبل مئة عام كان يحتاج الى اذن خاص من مدير المخابرات في القاهرة كما حاولت جمعية صهيونية اقامة مستعمرة في شمالها.
وقال المؤرخ الشامي نعوم شقير في كتابه "تاريخ سينا القديم والحديث وجغرافيتها" ان سيناء مجهولة عند عامة المصريين ولكنها "حصن طبيعي لمصر" مدللا على ذلك بأن أول ما يجب على طالب السفر اليها الحصول على "اذن الدخول اليها من مدير المخابرات في نظارة (وزارة) الحربية بمصر القاهرة".
وكان لشقير بحكم عمله بقلم المخابرات البريطانية في مصر دور فاعل في بعض الوقائع والازمات كما كان في الكثير منها شاهد عيان ولهذا كتب في كثير من المواضع بصيغة المتكلم : "دعاني فلان.. حكى لي فلان.. أخبرني.. أثبته في يوميتي".
وتحت عنوان "الجمعية الصهيونية في رفح" أشار المؤلف الى أنه "حضر حديثا بعض رجال الجمعية الصهيونية الى رفح واشتروا من أهلها بعض الاراضي بقصد تأسيس مستعمرة لهم هناك. وكان بعض تلك الاراضي للحكومة وبعضها منازع على ملكيته فلم يثبت لرجال الجمعية من الارض ما يكفي لانشاء مستعمرة فوقف عملهم".
وأشار مدير وحدة البحوث الوثائقية بدار الوثائق المصرية صبري أحمد العدل الذي حقق الكتاب الى أن "هذه المحاولة الصهيونية حدثت عام 1908 وقد سبقتها محاولات أخرى أهمها مشروع العريش الذي تبناه تيودور هرتزل في عام 1903".
وجاء هرتزل (1860 - 1904) مؤسس الحركة الصهيونية الى القاهرة في مطلع القرن الماضي بعد أن أصدر عام 1895 كتابه "الدولة اليهودية" وطالب أغنياء اليهود في مصر بمساعدته في الحصول على موافقة الخديو عباس حلمي الثاني (1892 - 1914) على منح سيناء وطنا قوميا لليهود.
وقال شقير في الكتاب الذي كتبه منذ حوالي مئة عام وصدرت طبعته الاولى في مارس 1916 ان المصريين "أصحاب سيناء قلما يزورونها أو يعلمون شيئا من أمرها مع أن الافرنج يدخلونها أفواجا كل سنة قصد الصيد والنزهة وزيارة الدير أو البحث عن المعادن أو التنقيب عن الاثار".
ووقعت تفجيرات في عدد من المناطق بسيناء في الشهور الاخيرة ففي أكتوبر 2004 استهدف تفجير منتجع طابا على حدودها الشرقية مع اسرائيل وأدى الى مصرع العشرات بينهم سياح اسرائيليون. كما وقعت ثلاثة تفجيرات في يوليو الماضي بمدينة شرم الشيخ السياحية في أقصى الجنوب وأسفرت عن قتل نحو 64 مصريا وأجنبيا.
وفي شمال سيناء انفجرت الاثنين الماضي عبوة ناسفة حطمت مركبة تابعة للوحدة الكندية العاملة بالقوة متعددة الجنسيات التي تتولى تطبيق البنود الامنية في معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية الموقعة عام 1979.
وشهدت منطقة طابا ثلاث أزمات حدودية في نحو مئة عام. فعند تولي الخديو عباس حلمي الثاني عام 1892 تفجر ما عرف بأزمة فرمان تولي الخديو. وفي عام 1906 قامت قوة عثمانية باحتلال طابا ووجهت بريطانيا انذارا الى الباب العالي وتمت تسوية الازمة التي كان المؤلف شاهدا عليها باعتباره سكرتير اللجنة التي وقعت اتفاقا أنهى احتلال القوة العثمانية لطابا.
وتفجرت أزمة ثالثة حول طابا في نهاية الثمانينيات بين مصر واسرائيل بسبب خلاف حول علامات حدودية وأيدت هيئة التحكيم الدولية وجهة نظر القاهرة باعتبار طابا أرضا مصرية.
وأعادت دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة نشر الكتاب في سلسلة مركز تاريخ مصر المعاصر. وتقع الطبعة الجديدة في 798 صفحة من القطع الكبير وتضم خرائط وصورا فوتوغرافية لمسؤولين مصريين وأجانب وأماكن ومعالم وعملات أثرية.
وكان شقير (1864 - 1922) يعتبر منطقة الشام التي تضم سوريا وفلسطين والاردن ولبنان كتلة سياسية وجغرافية واحدة يطلق عليها اسم سوريا حتى أنه في أكثر من موضع يشير الى أن شبه جزيرة سيناء "هي تلك البادية الشهيرة التي تصل القطر المصري بقطري سوريا والحجاز" كما أن منطقة رفح على الحدود الشمالية الشرقية لمصر هي "الحد بين مصر وسوريا".
وأهدي المؤلف كتابه "الى محب العرب الكبير ومروج الاصلاح في سينا والسودان حضرة صاحب المعالي الجنرال الفريق السير ريجنولد ونجت باشا حامل نيشان الحمام الاكبر ونيشان فكتوريا ونيشان القديسين ميخائيل وجورج ونيشان الامتياز الخ. سردار الجيش المصري وحاكم السودان العام. مع جزيل احترام المؤلف المخلص".
وأشار الى أن قناة السويس التي أطلق عليها اسم "ترعة" كانت تحقيقا لحلم قديم مشيرا الى أن وصل البحرين المتوسط والاحمر كان "أمنية كل ملك عظيم قام على مصر منذ أيام الفراعنة. كان أول من حقق هذه الامنية رمسيس الثاني".
وأضاف أن امتياز القناة التي افتتحت في نوفمبر تشرين الثاني 1869 مدته 99 عاما وكان يديرها مجلس عام مؤلف من 32 عضوا من جميع الدول المساهمة ولم يكن "للحكومة المصرية ولا للمصريين سهم واحد منها. وفي الاتفاق الدولي الذي أمضي في 29 أكتوبر سنة 1888 تقرر أن يكون حق المرور بالترعة (القناة) شائعا لجميع الدول فتمر فيها بواخرها المسلحة وغير المسلحة في زمن الحرب أو في زمن السلم".
وأشار الى أن الشركة اقترحت على الحكومة المصرية عام 1909 أن تطيل الامتياز 40 سنة مقابل أربعة ملايين جنيه "مع قليل من الارباح".
وأضاف أن الرد المصري جاء بالرفض "بحجة أنه مجحف بحقوق مصر. قالوا يكفي الذي خسرته تجارة مصر بفتح هذه الترعة وأنه ليس لمصر الان سهم واحد من أسهمها فلا نطيل أجل خسارتنا بيدنا أربعين سنة أخرى. قالوا ذلك وهم املون دخول الترعة في حوزة مصر عند انتهاء مدة الامتياز".
وأعلن الزعيم المصري جمال عبد الناصر عام 1956 تأميم الشركة العالمية لقناة السويس التي أصبحت منذ ذلك الوقت شركة مساهمة مصرية. وترتب على ذلك العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الاسرائيلي على مصر.
ويتناول الكتاب تاريخ سيناء وحدودها وطبيعتها الجغرافية ومدنها ومعالمها الدينية والاثرية وخرافات سكانها وتجارتهم وعاداتهم وحروبهم اضافة الى خاتمة موجزة عن تاريخ مصر والشام والعراق وشبه الجزيرة العربية.
ووصف شقير سيناء بأنها "بلاد عربية محضة يعيش فيها الانسان على الفطرة كأنه معاصر لابراهيم وموسى وله عقل الشيوخ وقلب الاطفال. بلاد تتجلى فيها الطبيعة بأبهى مظاهرها".
وروى بعضا من عادات أهل سيناء في تلك الفترة منها أنه "جرت عادة النساء أن يحرقن صغار العقارب ويصحنها بهاون ويرششن منها على حلمات أثدائهن عند ارضاع أطفالهن تطعيما لهم حتى لا يؤذيهم لسع العقارب".
وتحت عنوان "ضرب النساء" قال انه اذا ضرب "رجل زوجته بكفه ولم يسبب الضرب جرحا كانت رضاوتها قرشا واحدا عن كل كف واذا سبب الضرب جرحا وكان خفيفا كانت رضاوتها نعجة رباعية أو جنيها واحدا".
وأشار الى وجود ما وصفه بدوام الفوضى التي لا تساعد على أن "يستتب الامن في باديتهم... القانون وحده مهما صلح حاله لا يكفي لاصلاح قوم مازالوا على البداوة... ان كل قبيلة من قبائل البادية دولة مستقلة بذاتها وان قبائل سيناء مرتبطة بعضها ببعض بحلف حفظا للسلام... واذا رفقت السياسة بسيناء وقدر لها أن تكون همزة وصل لا همزة قطع رأينا فيها سكة حديد تربط القطرين الشقيقين قريبا ان شاء الله".
وقال أستاذ التاريخ أحمد زكريا الشلق المشرف على مركز تاريخ مصر المعاصر في مقدمة الكتاب ان "اشتغال مؤلفنا في خدمة السلطات البريطانية في مصر طوال ثلاثين سنة جعله يعرض لتاريخ الاحتلال لمصر باعتباره مسألة طبيعية. ولم يفكر شقير في التعليق على سياسة بريطانيا 'الاستعمارية' في مصر وعدم وفائها بوعودها بالجلاء".
وأضاف أنه أيا كانت مواقف شقير السياسية وعلاقاته "التي غالبا ما كانت تمليها مصالحه الخاصة ووظائفه وانتماؤه لاقلية أرثوذكسية شامية تقيم في مصر فانه قدم للتاريخ المصري وللمؤرخين كتابا مهما عن تاريخ سيناء يرقى الى درجة المصادر التاريخية خاصة في الجزء الذي عاصر المؤلف أحداثه ووقائعه. كان شاهد عيان يمتلك حسا تاريخيا مرهفا".



ساحة النقاش