(تفاءلوا حتى لو كان الموت متشائم)
هو من معارفي ولا أقول من أصدقائي لأن الصداقة تكليف وتشريف والمعرفة لا يترتب عليها مسئوليات جسام ! دخل وصفار المرض على وجهه باديا ! وقد نحل جنباه واحدودب ظهره وتساقط أكثر شعر رأسه ! وخشنت جلدة وجنتيه ! رحبت به كأنه نزل من السماء لتوّه ! وأغرقته ببسمة الحب ونسمة اللقاء ! وأكرمته بواجب الضيافة ثم سألته : كيف حالك ايها الحبيب : قال لا أقول لك كيف حالي الا اذا أعربت لي (كيف حالك )ضحكت وفرحت من فرفشته مع أنه يبدو وكأنه من أهل القبور أو من زوارها بعد وقت قريب ! قلت له أيعنيك أمر النحو والإعراب أكثر مما تعنيك حالك في سؤالي ؟ قال : أغتنم وجودي معك لأمازحك ! قلت له : أنا فرح بلقائك وأراك ما شاء الله تتمتع بصحة جيدة ووجه جميل هل استعملت مكياجا ليظهر هكذا جمال ! قال اعرب ما سألتك عنه ثم سل ما بدا لك ؟ قلت له : كيف : خبر مبتدأ مقدّم !وحالك: مبتدأ مؤخر ! وما بين التقديم والتأخير أخشى على أسئلتي أن تطير ! قال أنا لم أضع مكياجا ولا ما يحزنون ! أنت أول شخص يجعلني أفرح ويدخل البهجة على قلبي وأنا أعرف أنك تجاملني ! فالجميع يقولون حين يروني لماذا وجهك اصفر أنت مثل الأموات أنت خالص مالص ! اكتب وصيتك ! ومن هذا القبيل من الكلام الذي يهدّ الجبال ولا يهدي الا الى التي أتعس ! قلت له أنت حبيب وعيني عنك راضية ! قال حالي متأخر غير متقدم مثل إعرابي والمرض متقدم غير متأخر أيها الحبيب ! بادرته فوراً كم مضى من عمرك قال ست وخمسون سنة ! قلت له ذكّرتني بعام 56 ذكرى العدوان الثلاثي على مصر يوم أن كانت مصر تزلزل الدنيا بكبريائها ! المهم مضى من عمرك ست وخمسون عاما ! ثم جاءك المرض الخبيث ولا أظن كلمة خبيث لائقة في مقامي هذا فالمرض ليس دائماً محنة وانما يكون منحة من الله لغسل البشر من الذنوب ! والمرض الذي يغسل الذنب اسمه المرض الطيب والجميل ! اسمع يا صديقي ما نقول بالطفل الذي مات وهو لم يبلغ السنة الواحدة أو الشاب الذي مات وهو عريس ؟! فالعمر الذي بلغته لم يبلغه ملايين البشر ! فنم قرير العين ويكفي أنك تشعر بالدنو والقرب الى الله في كل لحظة خير لك من أن يباغتك الموت في أي لحظة وأنت موغل في المعاصي ؟ تبسم صديقي وقال والله زال ست وخمسون مرض عني ! والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه وأهلا بالموت في كل لحظة ! وتفارقنا وكأنه عاش من جديد ! وكأنه قد لبس ثوب العيد !!الأديب وصفي المشهراوي ...

