يوم دعيت الى حضور جلسة دفاع عن اطروحة تستعرض بشكل علمي انثروبولوجي وضع السيدة الأرملة في احدى القرى اللبنانية، لم اتوقع ان انتهي الى كتابة هذه القصة كما سمعتها من فم بطلتها. سيدة مجتمع من الطراز الأول اسمها سما كانت تتشح بالسواد جالسة على كرسيها قبالة لجنة من الدكاترة في كلية العلوم الاجتماعية. بدأت السيدة كلامها واجهشت بالبكاء ثم تمالكت نفسها وأكملت موضوعها.

طبعا المجتمع لا يزال يتخبط في تراث ذكوري لا ينصف المرأة ولا يمنحها حق الانتماء الى الجنس البشري بشكل مواز للرجل. فالرجل هو رب المنزل ورب العائلة والمرأة اما زوجة فلان أو ابنة فلان أو شقيقة فلان أو قريبة فلان أو أو أو والرجل هو مرجعيتها.

السؤال هو أين هي حرية المرأة كأنثى تنتمي الى الجنس البشري؟ والأنثى هي الزوجة وهي الأم وهي مصدر الغذاء الأول للطفل وهي منبع السعادة لعائلتها وهي الإبنة التي تشع حنانا وعطاء على ابويها في شيخوختهما وهي الأخت وهي ايضا مصدر التمويل في حال تمكنها من العمل الى جانب قيامها بالأدوار المنوطة بها طبيعيا.

في القرية اللبنانية كان على المرأة تاريخيا العمل في "كرخانة الحرير" وتربية دود القز والاهتمام بزراعة الخضر في مواسمها كما الاهتمام بكروم العنب التي ما كان يخلو منزلا قرويا من امتلاكها. ومع ذلك لم يكن المجتمع منصفا بحقها. اما اليوم فلقد تطورت المعيشة ولم يعد هناك تربية لدودة الحرير ولا زراعة خضر ولا كروما للعنب بل ان القرية اضحت وكأنها مدينة صغيرة فيها محال تجارية واسواق استهلاكية. لا زال للمرأة دورها الطبيعي لكن ضمن اطر مختلفة تتماشى مع متطلبات العصر الذي نعيشه.

الثقافة الشعبية تجاه المرأة لم تتطور بل انها لا زالت وكأنها حرف ناقص يلزمه الالتصاق بالذكر كي يتم الاعتراف بحرية محدودة له او حتى بالاعتراف بأنه فرد يتمكن من العيش بسعادة. فالزواج ضرورة كي لا تسمى الأنثى عانسا والعانس بالطبع لا تكف السن الناس عن ذكرها بكل سوء او بكل شفقة لأنها تعتبر من "القطايع" والقطيعة لا تحترم كفرد حر في مجتمع يعتبر ان استمرارية الحياة يضمنه التناسل. فبيت فلان او علان كي يبقى مفتوحا يجب ان يرثه ابنا ذكر يحمل اسم العائلة والأب والجد.

المفهوم القبلي هو السائد. والانتماء الى العرق البشري في كوكب يفسح مجالا لاستمرارية الحياة عليه ضمن شروط على هذا العرق ان لا يتعداها غير مفهوم. تدهور البيئة على كوكب الأرض لا تعني شيئا لأحد. ذوبان جليد القطبين وبدء انقراض الدب القطبي ليس مدعاة للاهتمام.

يولد الأطفال في القرية فتقام الأفراح وتتم تربيتهم وكأنهم سوف يخلّدون. لا أحد يتوقع الموت ولا أحد يتقبل الفكرة. انه رعب وحزن حين يزور مرض السرطان المتكاثر بسبب التلوث احد الناس. لا أحد يفكر بالأسباب ولا بالعمل على ازالتها او على الحد من تفاقمها. يلجأ القروي الى الطبيب وينتظر النتائج.

سيما حكت عن تجربتها كأرملة في اطروحتها في الجامعة. كانت ثائرة على مجتمع قروي لا يسمعها الا كلام الشفقة. "فالرجل في البيت رحمة حتى لو كان فحمة" قالوا لها.

سألت القائلين:" ما هو تعريف الفحمة في هذا المثل؟"

طبعا كانت الإجابة بأن الفحمة في هذا المثل هي سلبية مطلقة.

سألت مرة ثانية:" اذا كان سلوك الرجل في البيت يتميز بالعنف والظلم والخيانة والكذب و و و الى ما هنالك من سلبيات هل يمكن اعتبار وجوده رحمة؟"

فكر المتحدثين قليلا وأجابوها: " لا بالطبع علينا تغيير هذا المثل."

بعد انتهاء سيما من نقاش اطروحتها هنأتها على التقدير الذي نالته وطلبت منها ان تخبرني قصتها كي اقوم بكتابتها ضمن مجموعة من قصص الواقع التي اعمل عليها. وافقت بفرح ودعتني الى زيارتها في منزلها.

شال نيلي جميل كانت ترتديه حين فتحت لي الباب. لاقيت ترحيبا لديها ليس فقط من الكلام الذي سمعته انما من البسمة والنظرة الصافية والبساطة والصدق ايضا.

"كنت اساعد أمي في تنظيف البيت يوم طرق بابنا مهندس صناعي قادم من فرنسا حيث تلقى علومه. تابعت عملي بينما كان يتحدث مع والدي الذي كان يعمل في البناء كي يساعده في بناء مصنع في قريتنا. تتابعت زياراته الى منزلنا فنمى حب بيني وبينه. كان صريحا مع أهلي منذ البداية فرحبوا به وفسحوا لنا مجالا للتعارف داخل البيت وخارجه عندما كان يدعوني لمرافقته الى مكان ما.

كنت في الجامعة حينها وكان يشجعني على الطموح الى نيل شهادة الدكتوراه في العلوم الاجتماعية. جمعنا ايمان روحاني مشترك كما جمعنا الحب المشترك. والديه احبوني كما احبوه والديّ تماما مما بعث الطمأنينة والسعادة في قلبي فسكنت معهما بعد زواجنا ولم اطلب منه بيتا منفردا لي وله. حبه لي لم يكن يوما أنانيا بل انه أحب أهلي كما أحبني ومنحني حريتي كشريكة لحياته.

بعد الزواج انجبت وانصرفت الى تربية اطفالي ولم اعد اذهب الى جامعتي. لكنني اضطررت الى السكن في العاصمة حين أصبح الأطفال في سن الذهاب الى المدرسة. هو استمر في عمله في مصنعه ولم يأتي معنا الى المدينة. لكنه كان يزورنا خلال الاسبوع وكنا نزوره في ايام العطل المدرسية.

البعد عن بعضنا ولّد شوقا تحوّل الى فرح للعائلة وقت اللقاء. أولادنا كانوا يطلقون علينا اسم "روميو وجوليت" لأن حبنا اشع عليهم سعادة وايجابا سلوكيا. كانت لديهم حريتهم في الاختيار وفي التفكير الذي ارتكز اساسا على محبة حقيقية وعلى توجيه انساني روحاني سليم لا لبس فيه.

في احد الأيام اخبرني زوجي انه يشعر بألم في الظهر. بالطبع قمنا بزيارة طبيب اجرى فحوصاته وطمأننا بأن كل شيء على ما يرام. لكن الألم تضاعف مع مرور الأيام وتنقل الى أماكن أخرى في الجسم. مما اضطرنا الى دخول المستشفى بشكل طارئ لإجراء فحوصات ادق. وكان خبر الطبيب بأن الإصابة خطيرة لأنها سرطان في حالة متطورة لا سبيل للشفاء منه. تعليق زوجي الوحيد كان ابتسامة وجملة واحدة بعد رفع يديه الى السماء "الذي يريده لي الله لا اعتراض عليه".

أصريت أنا على السير بعلاجات الكيموثيرابي ولم اصدق بأنه سيتركني. فلا بد للعلاج من التخفيف عنه ومن المساهمة بشفائه. وكنت قد مررت مع شقيقي ومع شقيقتي بحالتي سرطان تم شفاءهما.

اهتممت ايضا باللجوء الى الطب البديل واصبحت اختار نوعيات الطعام الصحي. مررنا بفترة تحسنت حاله فيها فاطمأن قلبي قليلا. لعلنا عشنا اجمل فترات العشق بعد اصابته بالمرض. اصبحت اراه في منامي وليس فقط عندما افتح عينيّ صباحا باكرا كي امضي معه ساعات الصباح بسماع الموسيقى التي كان يحبها. نمى لدي نوع من أمل.... الى ان كانت الغيبوبة التي اصابته ونقل على اثرها الى المستشفى.

سمعني ابني اقول بأنني لا اريد لوالده الرحيل بل انني اريد له البقاء معنا حتى لو كانت حالته بهذه الصعوبة. وكان جواب ابني لي غاية في الواقعية والانسانية والروحانية: "أمي لا تكوني انانية في حبك لأبي" قال الشاب. فإيمانه هو ان والده انتهى دوره في هذه الحياة لأن دورا آخر ينتظره في وجود آخر كتبه الله له.

وكان ان انتقل الحبيب جسديا كي يترك فراغا في حياة الحبيبة العاشقة المشتاقة. وكانت هجمة المجتمع الشرسة التي لم تقسح مجالا لسيدة حرة كي تعيش فترة من حزن واشتياق ووحدة ونظرة الى الداخل كانت بحاجة ماسّة طبيعية اليها. "يا حرام أصبحت أرملة" .... "عليها الحداد وارتداء الأسود وعدم الخروج من بيتها".... "يا حرام هي وحيدة وسوف تنهار".... لكن السيدة سما فاجأت الجميع بالعودة الى الجامعة وبالعمل على اطروحة عرضت من خلالها بشكل اكديمي معاناة الأرملة في مجتمع ذكوري متخلّف.

هي ليست وحدها لأن حبيبها لا زال معها روحا وذكريات وولدين تمكنا من انجابهما.... هي لا تكتئب ولا تضيع وقتها سدى لأنها تغوص في ذاتها مكتشفة الأنا التي تضمها الى عاشق تمكنت من الاتحاد به قلبا وعقلا وروحا.... هي ليست في حيرة من امرها لأنها ستعمل على الحصول على الدكتوراه التي كان الحبيب يريدها ان تحصل عليها.... هي حرة تعرف ما لها وما عليها لأنها مارست الحرية عندما كان حبيبها الى جانبها جسديا.... والحرية متى اصبحت ملكا لأنثى مارست العشق حتى اوصلها للالتحام بروح العاشق لن تجد امامها سوى الفرح والإيجابية والعطاء والتطور بمجتمعها والإشراق                

 

هو العاشق من يطال السما

هو العاشق من يوحد الأنا

هو العاشق من ينمي شجرة الحياة

بذور ثمارها تنبت اشجارا اخرى من قلب الممات

تتوحد البذرة بنور وماء

تراب يحتضنها بوعد وضّاء

رحيل العاشق كجسد

وجود حتمي طويل الأمد

فالوجود يتغير شكلا ومضون

لكنه باق يتفاعل مع قانون مصون

قصتنا ليست من خيال لكنها واقع

عاشتها سما وروتها بدافع

هي ليست وحدها مع انه رحل

لا زال يعبئها فرحة وأمل

فرحتها فرحة الذكريات

ذكريات لا تعبث بها الآهات

ذكريات تؤلف جذور

تغذي شجرة تتعمشق الدهور

 

 

 

 

المصدر: قصة بقلم ندى أمين الأعور - بيروت - لبنان
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 118 مشاهدة

ند ى أمين الاعور

Nadamine
الشهادات العلمية تموز، 1988 الجامعة الأميركية في بيروت، بيروت، لبنان ماجستير في الآداب الخبرات المهنية شباط 1995 –حزيران 2001 مؤسسة ومنسقة نشاطات النادي البيئي المدرسي "بلو اند غرين" ، مدرسة يسوع ومريم، الربوة، لبنان. حزيران 1999 - نيسان 2001 مديرة البرامج، شريكة المركز الدولي للتنمية، المتحف، شارع اوتيل ديو، بناية »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

50,723