-         " ايها الظالم هل انت فعلا موجود؟ لماذا خلقتني؟ انا لا افهمك".

وأخذ فكرها يدور في حوار صامت عميق مع الذات. فهم يقولون لها بشكل دائم "لماذا تضحكين؟ ستدخلين النار!

لماذا تلعبين؟ ستدخلين النار!

لماذا تريدين تعلم القراءة والكتابة؟ ستدخلين النار!

لماذا ولماذا ولماذ؟؟؟؟" ودخول النار هو قرارهم باستمرار.

فالله بالنسبة لهم لا يريد للأنثى الخروج من البيت ولا يريد لها الحركة بحرية ولا يريد لها التعبير عن نفسها ولا الطموح ولا التقدم ولا ولا ولا.... فما كان منها الا ان رفضت وجوده بينها وبين نفسها.

هي تريد الضحك وتريد الخروج وتريد اللعب وهذا كله من حقها.

كونها وحيدة بين عدد كبير من الأخوة وابناء العم وابناء الخال في العشيرة، صعّب عليها الحياة وضيّق عليها الخناق. الصبية يلعبون في الساحات وهي ممنوع عليها الحركة....

 

كانت تجلس قبالة التلفاز الذي شكل نافذة لها رأت من خلالها العالم الخارجي. ما يجري في التلفاز كان يجيب على سؤالها الدائم: "هل حال كل النساء كحالي أنا؟ هل هنّ جميعا موعودات بنار جهنم اذا ضحكن؟"

وكان ان عرض فيلم "أنا حرّة" للفنانة لبنى عبد العزيز على التلفاز فاستمتعت بمشاهدته وحرضها على التنفس وعلى المطالبة بحقها في الحياة. سمعت بمدرسة لمحو الأمية في المنطقة فطالبت العائلة بالسماح لها بالالتحاق بالمدرسة والتعلم.

-"هذا محال". كانت الإجابة.

ما كان منها الا ان اضربت عن الطعام. ساءت صحتها بشكل كبير ولم يستطع الطب أن يجدي معها نفعا. فانفطر قلب الأم عليها وأخذت تتواسط مع رجال العائلة كي يسمحون لإبنتها بدخول المدرسة.

نفعت وساطة الأم بعد حين فدخلت الفتاة الى المدرسة وتابعت التعلم بشغف وحب. أصبح لحياتها معنى ولأيامها مذاق. فرح أشع من عينيها فهي تمكنت بعد جهد من ممارسة نوع من أنواع الحرية دون الحكم عليها بدخول النار. استساغت طعم تحصيل المعرفة فأبدعت وقرأت وكتبت وعبّرت عما في داخلها. نجحت في انهاء المرحلة الاولى من التعليم فنوت الالتحاق بالمرحلة الثانية.

وعادت خرزات السبحة الى تكرار دورتها الاولى. منع من العائلة وتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور.... نار جهنم وبئس المصير.... دور تقليدي للأنثى لا مجال للتفكير بتطويره.... فعاد المرض وعاد الاضراب عن الطعام .... فجاء دورحنان الأم ووساطتها لحل الموضوع.

مرت الأيام بسرعة فأوصلت الفتاة الى مرحلة دخول الجامعة. قررت دراسة الإعلام كي تكتب وكي تعبّر وكي تطالب كل ظالم بالعودة عن قراراته. فالكتابة بالنسبة اليها شكّلت الطريق الى التطور الاجتماعي. لذلك نبع قرارها الذي نوت أن تجاهد في سبيل تحقيقه. وطبعا بعد عناء وجهد وصبر تمكنت من دخول كلية الاعلام في العاصمة.

هناك كانت مواجهة صعبة من نوع آخر: مجتمع جديد غريب عنها.... أفراد تلتقيهم بشكل يومي لديهم آراء مسبقة.... عدم قبول للآخر ومفاهيمه التي تربى عليها.... ضاقت بها الدنيا وأحست بحرية تمكنت من ممارستها لكنها استلبت وأصبحت دون جدوى.

تعلّمت فنا من أنواع الفنون القتالية للدفاع عن النفس فاطمأنت وعبّأت وقتها بما رفّه عنها وبما أسعفها على استعادة أسمى معاني الحرية. كافة الأفراد الذين أخافوها أصبحوا يحسبون لها الف حساب. بل انها اجبرتهم على الاعتراف بها وعلى احترامها واحترام المكان الذي جاءت منه. فهي تحب ابناء عشيرتها وما رغبت يوما الا بتطوير عاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم. لم تستعمل العنف يوما لإقناعهم على القبول بمفاهيمها التي اجبرهم حنان أمها عليها بالرضوخ لها. لكن مجتمع المدينة المجبول ايضا بالتخلف والكبرياء والجهل أجبرها على اتقان رياضة فن القتال للدفاع عن النفس.

هي اليوم مدربة محترفة لرياضة الفنون القتالية للدفاع عن النفس وصحفية جامعية. فيما يتعلق بالرياضة كان الأمر سهلا لأنها تدرّبت، نالت الأحزمة التي توضح مدى مهارتها وتخرّجت فوجدت عملا كمدربة لتلك الرياضة بشكل تلقائي.

لكنها يوم تخرّجت من الجامعة صدمت صدمة حياتها لأنها لم تجد اي مجال للعمل. أصيبت بالإحباط القاتل وأخذت تفكّر ماذا عساها أن تفعل؟! هل تعود ادراجها الى حيث أتت كي تقول لأبناء عشيرتها قد حصلت على الشهادة لكنني لم اتمكن من ايجاد عمل!!!!  قرارها  كان ان تكتب لمواجهة الظلم وللمساهمة في تطور السلوك والعادات والتقاليد. لكنها تواجه بظلم أكبر هو عدم وجود فرص للعمل وهي لا تستطيع مواجهته منفردة.

اعتصرها حزنها ولم تتمكن من القرار. فالاضراب عن الطعام لن يفيد.... وسوء الصحة والمرض لن يفيد.... لكن القدر شاء ان يسعفها. ومتى شاء القدر يصبح الأمر الصعب هينا. قرأت اعلانا عن ورشة عمل لاتحاد الاعلاميات فقررت المشاركة بها لعرض قضيتها. وهكذا كان.

استمعت الاعلاميات الى قصة وكأنها فيلم كرتون من غير الممكن ان يكون واقعيا. لكن بطلة القصة كانت تروي حكاية حصلت معها. ردة الفعل كانت ايجابية جدا فلقد وجدت الصحافية عملا لدى الاتحاد. وأضحت مثالا يقتدى به ومثلا أعلى يروي حكايته على كل زائر أو زائرة.

هكذا التقيتها وهكذا عرفت منها تفاصيل تجربة حياة غنية فريدة نادرة. لعل بلادنا مليئة بتجارب مماثلة لكننا لا نعرفها ولا نعرف عنها. ملايين البشر يقطنون هذا الكوكب وكلا منهم يتمتع بقدرات خاصة به او بها. منهم من يستخدم طاقاته لتنفيذ المستحيل ومنهم من يحيا على الهامش.

بطلة قصتنا أزالت الحواجز عندما كانت والدتها الى جانبها من خلال نضال لاعنفي تلخص في الاضراب عن الطعام. اما في المدينة فالنضال اللاعنفي تحول الى رياضة أتقنتها والى بحث عن رفيقات ناشطات يشاركنها التطلع والرؤيا. فنقلت نضالها الفردي الجبار الى نضال مع الجماعة كي تحقق قرارا نبع من حلمها بالحرية وبالمساهمة في تطوير المجتمع برمته.  

قصة من الواقع

حصلت رغم الموانع

اشراقة من فكر

سهّلت الطريق

أضاءت الظلمة

فبان الرفيق

الرفاق كثر

شراكة يعملون

لهدف موحّد

بقلم يكتبون

 

 

المصدر: بقلم ندى أمين الاعور - بيروت ، لبنان
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 59 مشاهدة
نشرت فى 21 يناير 2018 بواسطة Nadamine

ند ى أمين الاعور

Nadamine
الشهادات العلمية تموز، 1988 الجامعة الأميركية في بيروت، بيروت، لبنان ماجستير في الآداب الخبرات المهنية شباط 1995 –حزيران 2001 مؤسسة ومنسقة نشاطات النادي البيئي المدرسي "بلو اند غرين" ، مدرسة يسوع ومريم، الربوة، لبنان. حزيران 1999 - نيسان 2001 مديرة البرامج، شريكة المركز الدولي للتنمية، المتحف، شارع اوتيل ديو، بناية »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

52,296