
هنّوا أبو الفصاد...
أوبريت جعلت الطيور تغني للاحتفال بأعياد الميلاد
ندى أمين الاعور
"يلا حالا بالا بالا... هنّوا أبو الفصاد" هذه الجملة واحدة من أشهر الجمل التي ارتبطت بأعياد الميلاد في الذاكرة المصرية والعربية. يرددها الأطفال والكبار، وغالبًا ما تُغنّى من دون أن يعرف كثيرون أن وراءها حكاية إذاعية وفنية قديمة. فـ«أبو الفصاد» لم يبدأ كأغنية عابرة لأعياد الميلاد، وإنما كان بطل أوبريت إذاعي للأطفال بعنوان "عيد ميلاد أبو الفصاد"، من تأليف وتلحين الفنان إبراهيم جكله، وإخراج الإذاعي المصري محمد محمود شعبان، المعروف باسم «بابا شارو». وقد ظهر الأوبريت في أوائل الستينيات، وشارك في أدائها عدد من نجوم الإذاعة والفن المصري.
تبدأ الاوبيريت بخطاب للشيخ غراب يلقيه خلال اجتماع للطيور.
" طيوري الاعزاء وعصافيري الاوفياء تحت رعاية استاذنا الطاووس اجتمعنا هنا لفرفشة النفوس وتجديد المحبة والوداد لأخيكم العزيز ابو الفصاد. وحيث ان هذه الحفلة هي عيد ميلاده فلا بد من تحقيق مراده. وبعد المهرجان نعود الى الجناين والغيطان. والان كلنا نغني لابو الفصاد".
لكن طائرا يسأله:
- حانغني ونفرفش ازاي من غير موسيقى؟
فيجيبه الغراب:
- للضرورة احكام واني اسف اذا كانت الحفلة تنقصها الموسيقى.
لكن طائرا اخر يسأله:
- ليه تنقصها الموسيقى؟ مع العلم ان البني ادمين اخذوا الموسيقى من اصواتنا احنا يا معشرالطيور.
فأجابته الطيور:
- كلام معقول.
فأجابهم الغراب:
- حيث كده نقدر نكون من بيننا مجموعة موسيقية ويبقى كل واحد مننا يقول اللي في نفسو م الاغاني. ودلوقت مين يقدر يقلد الصفارة اللي اسمها الفلوت؟
فتجيبه اليمامة:
- انا وصوتي تمام زي الفلوت اتفضل اسمع.
وتنجح اليمامة بتقليد موسيقى الفلوت.
فيستحسن الغراب الامر ليعود ويسأل:
- ومين يقدر يقلد الكمنجة؟
فيجيبه الكنار:
- انا اتفضل اسمع.
ونجح الكنار في ذلك ليعلق الغراب بالقول:
- الله دي حاجة حلوة جدا طيب مين يوافق صوتو صوت الطبلة؟
فيأتيه الجواب المقنع عندما يخبره احد الطيور ان صديقه الضفدع برفقته. وعندما احسن الضفدع تقليد موسيقى الطبلة ارتاح الغراب لتبدأ حفلة عيد ميلاد ابو الفصاد بالاغنية التالية:
يلا حالا بالا بالا هنوا ابو الفصاد
حيكون عيد ميلادة الليله اسعد الاعياد
هنوا ابو الفصاد
انا الكروان بنادى وبقول للطيور
يوم مبروك ونادي عيدك يا عصفور
وبلونك الرمادى تنزل على البحور
ان شالله بيعودك
ونيجى فى الميعاد
هنوا ابو فصاد
وانا مش رايحه اغشك بغبغان كبير
يامولود فى عشك مفطوم على الشعير
مين يقدر يهزك وانت ابن الامير
واحنا الاقطاعية
حافظين الوداد
فليحيا ابو الفصاد
اسمك سهل جدا
على بق الاولاد
فليحيا ابو الفصاد
اسمعوا يا احباب
من ابوكو الغراب
الواجب علينا
نشيلو بين ايدينا
ونغني ونقولو
عصفور الجنينة الجنينة
نورك هل علينا علينا
اسمع من السمانة
عيدك يوم هنانا
فيه الفرح جانا
وبنورك اهتدينا
جينالك في دارك
نقلك مبارك
وف ليلك نهارك
تتدلع علينا
وانا الهدهد
وناوى على حبك اسير
يا ابو عقل ناصح حير ملايين
طول عمرك مأوح ويا الصيادين
اسمك سهل جدا على بق الاولاد
هنو ابو الفصاد
ان شالله برجوع ونيجى فى الميعاد
فليحيا ابو القصاد
ومن هنا بدأت رحلة أبو الفصاد من عالم الأطفال إلى عالم أعياد الميلاد، حتى صار اسمه جزءًا من طقوس الاحتفال نفسها. أبو الفصاد هو الاسم الشعبي المصري للـذعرة البيضاء، White Wagtail، Motacilla alba. وهو طائر صغير رشيق، يتميز بدرجات الأبيض والأسود والرمادي، وبذيله الطويل الذي يحركه باستمرار. وفي مصر يرتبط وجوده بصورة واضحة بموسم الهجرة والشتاء؛ فهو يصل في الخريف ويبقى خلال أشهر الشتاء ثم يغادر في الربيع. فالطائر في الحقيقة جزء من عالم الهجرة؛ يعبر البحر المتوسط، يصل إلى مصر، ثم يعود في دورة موسمية منتظمة. وهذه واحدة من أجمل المصادفات بين الفن والعلم: الشاعر لم يقدم درسًا في علم الطيور، لكنه أدخل مفهوم الهجرة والعودة إلى أغنية أطفال. فالطيور التي حضرت عيد أبو الفصاد هي كثيرة فالأوبريت لا تكتفي بأبي الفصاد وحده بل تظهر فيه شخصيات متعددة، ولكل طائر شخصية ودور.
وهنا تصبح كلمات الأوبريت أكثر من مجرد قافية جميلة:
وبلونك الرمادي
تنزل على البحور
ثم:
إن شاء الله بعودة
ونيجّي في الميعاد
ثم تكمل الاغنية لتقول:
أنا الكروان
بنادي وبقول للطيور
الكروان دور المنادي الذي يدعو الطيور إلى الاحتفال. لكن هنا يجب أن نكون دقيقين: كلمة الكروان اسم شعبي وليس تحديدًا علميًا كافيًا. وفي الاستعمال المصري يمكن أن تشير إلى طيور مختلفة بحسب السياق. لذلك لا يجوز أن ننسبها إلى نوع علمي واحد اعتمادًا على الأغنية وحدها. لكن وظيفتها الفنية واضحة: الكروان هو صوت الدعوة والجوقة.
ثم يأتي الببغاء:
وأنا مش رايحة أغشك
بغبغان كبير...
وهذه الشخصية ارتبطت في التسجيل الإذاعي بصوت الفنان فؤاد المهندس. والببغاء هنا ليس بالضرورة نوعًا بريًا محددًا؛ فـ«الببغاء» اسم لمجموعة كبيرة من الطيور. لذلك فهو في الأوبريت شخصية فنية أكثر منه وصفًا لنوع مصري محدد. والفكرة الطريفة أن الببغاء، المعروف بقدرته على تقليد الأصوات، يدخل في حوار احتفالي مع بقية الطيور وكأنه فرد من المجتمع.
ثم يظهر الهدهد:
وأنا الهدهد
وناوي على حبك أسير
وهنا ينتقل النص من التهنئة إلى المحبة. الهدهد Upupa epops، هو من الطيور المعروفة في مصر وبلدان المنطقة. والهدهد حالة مثيرة للاهتمام من الناحية البيئية؛ إذ لا يمكن اختزاله في عبارة «مقيم» أو «مهاجر» فقط في كل مناطق انتشاره. ففي مصر توجد مجموعات مقيمة، كما تمر طيور مهاجرة خلال مواسم الهجرة. أي أنه يمثل في الأوبريت، بشكل غير مباشر، الطائر الذي يجمع بين عالم الإقامة وعالم الحركة الموسمية.
وهناك طائر آخر وهو السمان. وقد أدت الإذاعية آمال فهمي دور السمانة في الأوبريت. والسمان المقصود هو السمان الشائع - Common Quail - Coturnix coturnix. وهنا تصبح الصلة بالهجرة أوضح بكثير.
فالسمان من أشهر الطيور المهاجرة التي تمر بمصر في رحلتها بين أوروبا وأفريقيا. وتُعد السواحل المصرية، وخاصة شمال سيناء، من مسارات مروره الخريفية.
الدراسات العلمية وثقت أن صيد السمان المهاجر كان ولا يزال قضية مهمة في مصر، لأن أعدادًا كبيرة تمر عبر الساحل المصري أثناء الهجرة. إذن «السمانة» في أوبريت الأطفال ليست مجرد شخصية طريفة؛ إنها تمثل واحدًا من أشهر الطيور المهاجرة في مصر.
ويظهر كذلك الغراب، وقد أدى دوره إبراهيم جكله. والغراب في مصر ليس بالضرورة طائرًا مهاجرًا؛ فالغراب الأبقع/المقنع المعروف في مصر مقيم ويتكاثر في أجزاء واسعة من وادي النيل والدلتا. وهنا نجد تناقضًا جميلًا داخل عالم الأوبريت:
أبو الفصاد يأتي ويرحل،
السمان يعبر في الهجرة،
الهدهد يمكن أن يكون مقيمًا أو مهاجرًا بحسب المجموعة والموسم،
أما الغراب فيمثل الطائر الذي يعيش معنا.
وبذلك يصبح عالم الأوبريت نفسه صورة مصغرة من عالم الطيور الحقيقي: طيور مقيمة، وطيور مهاجرة، وطيور عابرة.
أجمل ما في الأوبريت: أنه لم يفصل الإنسان عن الطبيعة فإذا تأملنا الأوبريت اليوم بعين بيئية، سنكتشف أنه يقدم فكرة عميقة جدًا بطريقة بسيطة. الطيور لا تظهر ككائنات صامتة في الخلفية. إنها تتحدث و تغني وتدعو بعضها وتحب وتحتفل وتنتظر عودة بعضها. وهذا يجعل الطفل لا يرى الطائر بوصفه «نوعًا» في كتاب العلوم فقط، بل بوصفه شخصية لها مكان في العالم.
وهذه نقطة مهمة جدًا في التربية البيئية فالوعي البيئي لا يبدأ دائمًا بالمعلومات. أحيانًا يبدأ من المحبة وعندما يحب الطفل الطائر، يصبح مستعدًا لأن يعرف:
أين يعيش؟
ماذا يأكل؟
لماذا يهاجر؟
أين يذهب؟
ماذا يحدث إذا اختفى موطنه؟
ولماذا يجب ألا نصطاده؟
نِجي في الميعاد... جملة تختصر قانون الهجرة وربما تكون هذه الجملة من أجمل الجمل بيئيًا في الأوبريت:
ونِجي في الميعاد
فالطيور المهاجرة لا تتحرك عشوائيًا هناك مواسم وهناك طرق
وهناك مواقع توقف وهناك مناطق تغذية واستراحة. والطائر الذي يعبر البحر المتوسط يحتاج إلى شبكة كاملة من المواطن الطبيعية كي يستطيع إكمال رحلته. لذلك عندما تختفي الأراضي الرطبة أو تتدهور الشواطئ أو تُدمّر مناطق الراحة والتغذية، فإن المشكلة لا تتعلق بطائر واحد فقط؛ بل يمكن أن تؤثر في رحلة تمتد عبر دول وقارات. وهنا تتحول أغنية عيد الميلاد إلى رسالة بيئية غير مباشرة:
إذا أردنا أن يعود الطائر في موعده، فعلينا أن نحافظ على الطريق الذي يعود عبره.
من «عيد ميلاد أبو الفصاد» إلى عيد التنوع الحيوي فالأجمل أن الأوبريت لا يحتفل بأبو الفصاد وحده. بل إنه يجمع حوله مجتمعًا كاملًا من الطيور:
الكروان ينادي.
الببغاء يشارك.
الهدهد يحب.
السمانة تحضر.
الغراب يغني.
وأبو الفصاد هو صاحب العيد.
وكأن الرسالة تقول:
لا يوجد طائر يعيش وحده فكل طائر جزء من شبكة وكل شبكة جزء من نظام بيئي وكل نظام بيئي جزء من كوكب واحد. وهنا يمكن أن نعيد اكتشاف هذه الأغنية القديمة اليوم، لا باعتبارها مجرد أغنية جميلة من ذاكرة الطفولة، بل باعتبارها قطعة من التراث البيئي والثقافي المصري.
لقد فعل إبراهيم جكله وبابا شارو شيئًا بالغ الذكاء: أخذا معلومة من عالم الطبيعة، ووضعاها داخل حكاية موسيقية يستطيع الطفل أن يحبها ويحفظها. ولهذا بقي أبو الفصاد حيًا في الذاكرة. ليس لأنه طائر فقط... بل لأنه طائر له عيد، وله أصدقاء، وله لون، وله رحلة، وله موعد للعودة. وربما تكون هذه هي أجمل طريقة يمكن أن نعلّم بها الطفل معنى الهجرة:
لا تقل له فقط إن الطائر مهاجر؛
قل له إن لديه أصدقاء ينتظرونه عندما يعود.


