نبيه أبو الحسن:
" أخوت شانيه" الذي اصبح وثيقة لتاريخ وطن ......
ندى امين الاعور
لم يكن "أخوت شانيه" مع نبيه أبو الحسن مجرد رجل بسيط يثير الضحك بلهجته وتصرفاته، بل كان شخصية تقف على الحدود الفاصلة بين البساطة والحكمة، الجنون والوعي، والضحك والاحتجاج. فهو يبدو للوهلة الأولى رجلًا شعبيًا بسيطًا، لكن هذه البساطة نفسها تمنحه حرية لا يمتلكها أصحاب المناصب والسلطات. فالإنسان الذي لا يخشى أن يبدو ساذجًا يستطيع أن يسأل السؤال الذي يخشى الآخرون طرحه. وهنا تحول "أخوت شانيه" إلى ما يشبه ضمير شعبي من خلال المسرح والتلفزيون .
"أخوت شانيه" يقول ما يريد الناس قوله، ويسخر من الواقع، فيضحكون. ثم يكتشفون أن الضحكة كانت موجهة إلى واقعهم هم. وهذه هي العبقرية الحقيقية في الشخصية التي تجعل النقد مقبولًا لأن النقد يأتي متخفيًا في هيئة الفكاهة.
تاريخ هذه الشخصية يحمل دلالة عميقة. فالمصادر التي تتناولها تشير إلى أصل أدبي وشعبي وتربطها بحكاية «حسن» الذي كان يُنظر إليه بوصفه مجنونا، قبل أن يعيد نبيه أبو الحسن تقديمه على الخشبة بصورة جديدة. وهنا تبرز واحدة من أجمل مفارقات المسرح فمن يصفه المجتمع بالمجنون قد يكون أحيانًا أكثر عقلًا من المجتمع نفسه.
المجنون في الأدب الشعبي يستطيع أن يقول الحقيقة لأن الناس لا يأخذون كلامه على محمل الجد. لكن نبيه أبو الحسن قلب المعادلة لأنه جعل «أخوت شانيه» يقول الحقيقة بطريقة تجعل الجمهور يضحك، ثم يكتشف أن الرجل الذي يضحك منه هو في الحقيقة مرآة له.
كان استخدام نبيه أبو الحسن للهجة الشوفية عنصرًا أساسيًا في صناعة الشخصية. لكن اللهجة هنا ليست مجرد أداة لإضحاك الجمهور. بل إنها هوية. يتحدث "أخوت شانيه"من بيئة لبنانية محددة، ويحمل معه ذاكرة القرية، وأسلوب أهلها، وطريقة تفكيرهم، ومفرداتهم، وعفويتهم.
وهذا ما جعل الشخصية قريبة من الناس.
لقد نقل أبو الحسن إلى المسرح شيئًا من روح القرية اللبنانية، لكنّه لم يحبس الشخصية داخل القرية؛ بل جعلها قادرة على الدخول إلى السياسة والمجتمع والحياة العامة. وهكذا أصبحت اللهجة المحلية لغةً لفكرة وطنية أوسع.
من أجمل ما ارتبط بالشخصية انها أرشدت الامير بشير الشهابي إلى كيفية مد المياه من نبع الصفا إلى قصره. وهي الحكاية التي استند إليها حضور "أخوت شانيه" في الذاكرة الشعبية. فالماء هنا ليس مجرد عنصر في الحكاية بل إنه رمز للحياة. وربما لهذا استطاعت الشخصية أن تتجاوز حدود الفكاهة؛ فهي مرتبطة بفكرة الإنسان الشعبي الذي يمتلك معرفة عملية وحسًا بالواقع، حتى لو لم يمتلك لقبًا أو منصبًا. إنها صورة للبنان الذي يعرفه الناس من الداخل: لبنان القرى، والينابيع، والطرقات، والحكايات، والعلاقة المباشرة بالأرض.
مع مرور الوقت، لم تعد هذه الشخصية مجرد شخصية شعبية فكاهية. بل تحولت إلى مساحة للنقد. وتذكر المصادر أن أعمال الشخصية اتخذت اتجاهًا نقديًا وثوريًا، وأن نبيه أبو الحسن كان من الفنانين الذين جعلوا المسرح وسيلة للتعبير عن قضايا الحرية والعدالة ومواجهة القهر. وهذا ما يفسر سبب قوة الشخصية واستمرارها. فالفكاهة السياسية الحقيقية لا تضحك على السياسي فقط. بل إنها تكشف المنظومة التي تجعل المواطن يشعر بأنه عاجز أمام السلطة.
عندما يصعد «أخوت شانيه» إلى المسرح، فإن المواطن العادي يجد شخصًا يتكلم باسمه، لكن من دون خطاب سياسي مباشر وثقيل. إنه يقولها بطريقة أخرى: نضحك لأننا لا نملك أحيانًا إلا أن نضحك. لكن وراء هذه الضحكة احتجاج كامل.
لم تكن قوة نبيه أبو الحسن في تقليد الشخصية الشعبية فحسب، بل في ارتباطها بالناس الذين لا يملكون منبرًا. وقد وصفت إحدى السير عنه بأنه كان قريبًا من الفقراء والضعفاء ومدافعًا عن العدالة في مواجهة الظلم والقهر. وهنا يصبح «أخوت شانيه» أكثر من شخصية كوميدية. إنه الإنسان الذي لا يملك القوة لكنه يملك الكلمة. لا يملك القصر، لكنه يعرف الطريق إلى الماء.
لا يملك السلطة، لكنه يستطيع أن يفضح تناقضاتها. لا يملك المنبر الرسمي، لكنه يملك خشبة المسرح. ولا يحتاج إلى خطبة طويلة بل تكفيه جملة ساخرة أو حركة أو لهجة كي يفهم الجمهور الرسالة.
أحب الناس «أخوت شانيه» لأنهم لم يروا فيه شخصية بعيدة عنهم. رأوا جارهم ورأوا قريبهم.
ورأوا الرجل الشعبي الذي قد يخطئ في التعبير، لكنه يصيب في الإحساس. رأوا الإنسان الذي قد لا يعرف المصطلحات السياسية الكبيرة، لكنه يعرف الظلم عندما يراه. وهذه هي قوة الكوميديا الشعبية التي لا تحتاج إلى أن تكون مثقفًا حتى تفهمها، فهي تتمكن من أن تجعلك تفكر حتى لو دخلت المسرح من أجل الضحك فقط لانها عبارة عن هوية فنية قائمة بذاتها.
هذا أمر نادر في تاريخ الكوميديا. فالكثير من الشخصيات تضحك الجمهور في عمل واحد ثم تختفي، بينما استطاع «أخوت شانيه» أن يعيش في أعمال متعددة، لأن جوهره لم يكن في النكتة وحدها، بل في الشخصية نفسها. لهذا السبب ظل فنه قريبًا من الناس. كان يعرف أن المسرح لا يعيش فقط في النصوص، بل في الوجوه واللهجات والقصص والمشكلات التي يحملها الجمهور معه إلى الصالة.
كانت آخر مسرحية «أخوت حتى السلام» عام 1993 اخر اعمال نبيه ابو الحسن. وتذكر المصادر أنه توفي إثر حادث سير قبل تقديم المسرحية بأيام، بعدما أنهى البروفات وكان في طريق عودته من المسرح. وهكذا جاءت المفارقة المؤلمة:
الفنان الذي عاش طويلًا على خشبة المسرح، والذي جعل «أخوت شانيه» شخصية تقاوم وتنتقد وتسخر، رحل قبل أن يقدّم آخر رسائله المسرحية. لكن «أخوت شانيه» لم يرحل. بقيت الشخصية في ذاكرة اللبنانيين، وبقيت معها صورة نبيه أبو الحسن: الفنان الذي استطاع أن يجعل من الضحك موقفًا، ومن اللهجة هوية، ومن الشخصية الشعبية أداة نقد، ومن المسرح منبرًا للإنسان.
إذا أردنا أن نفهم نبيه أبو الحسن حقًا، فلا يكفي أن نقول إنه كان ممثلًا كوميديًا. وإذا أردنا أن نفهم «أخوت شانيه»، فلا يكفي أن نقول إنه كان شخصية مضحكة. الأعمق من ذلك أن «أخوت شانيه» كان قناعًا مسرحيًا للحقيقة. تحت القناع كان هناك مواطن. وفي المواطن كان هناك إنسان. وفي الإنسان كان هناك خوف وغضب وحلم وحب للوطن. وكانت الضحكة هي الطريقة التي استطاع بها هذا الإنسان أن يتحدث.
لهذا بقي نبيه أبو الحسن. وبقي "أخوت شانيه". فالشخصيات العظيمة لا تموت عندما ينتهي العرض لانها تنتقل من خشبة المسرح إلى ذاكرة الناس. وهناك، في الذاكرة، يصبح الفنان أكثر من ممثل، وتصبح الشخصية أكثر من دور، وتصبح الضحكة وثيقةً من وثائق زمن كامل.


