ممتلكات للخبرة الإستشارية / متخصصون بالتقييم العقارى المعتمد ودراسات الجدوى الإقتصادية للمشروعات وإدارة الأصول والتحكيم والتسويق العقارى

 

 


 

العناصر الرئيسة المؤثرة على التطور الإقتصادي (المصدر: أطلس مستقبل العالم

مدن المستقبل
في ضوء التحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية
يواجه العالم  مشاكل لم يعهدها من قبل، فلا يمر يوم حتى تنقل لنا وسائل الإعلام أحداث سوف تؤثر  على المدى البعيد  على مستقبل العالم. يأتي التطوير الاقتصادي العالمي على رأس هذه المشاكل، لقد أدى هذا التطوير مع زيادة السكان إلى زيادة استهلاكهم للطاقة والغابات وإتلاف الأراضي والمحاصيل الزراعية، ثم تلوث البيئة الطبيعية والاحتباس الحراري وشح المياه والفقر وهجرة الناس وتكدس سكان العالم في المدن. تأثير هذه الأحداث أصبح يهدد الكون كله، فهذه المشاكل وإن كانت تختلف حدتها من منطقة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر، إلا أنها أصبحت مؤثرة على كافة نواحي الحياة وخاصة في المدن التي يعيش فيها أكثر من نصف سكان العالم والتي سوف تزداد نسبتهم مع مرور الزمن . وبينما لايمكن أن تقف التنمية العمرانية والعمارة والمخططين والمعماريين في أنحاء العالم بعيداً عن هذه الأحداث, إلا أن بعض هؤلاء مازالوا يقللون من أهمية هذه المشاكل وتأثيرها على المنتج العمراني و المعماري.  قد يرجع أحد أسباب ذلك إلى عدم اطلاع هؤلاء على ماهية المشاكل ومعرفة أسبابها ومدى تأثيرها على الكون بشكل عام وعلى المدن بشكل خاص. اليوم هناك توجهات  عمرانية ومعمارية تحاول أن تواكب هذه التحولات الكونية، فكل التوجهات والمدارس المعمارية ما كانت إلا نتيجة تحولات جذرية في المجتمعات والبيئة المحيطة سواء كانت على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو التقني. ولذلك كان يجب أن تقوم مجلة البناء بإعداد ملف يحاول أن يوضح هذه المشاكل وتأثيرها على العمران والعمارة . يمكن أن نرجع هذه المشاكل إلى خمسة مشاكل رئيسة : التحولات السكانية، التحولات الزراعية،  التحولات المائية، التحولات في الطاقة،  التحولات المناخية.


التحولات السكانية

توقعات زيادة السكان في العالم (المصدر: أطلس مستقبل العالم)ب

في بداية القرن الميلادي الأول بلغ عدد سكان الأرض حوالي 250 مليون نسمة ولمدة سبعة عشر قرنا لم تزيد أعداد السكان إلا  قليلاً، وفي بداية القرن التاسع عشر قدر عدد سكان الأرض بنحو مليار نسمة وكان معدل الإنجاب بين 5 و 6 أطفال، بينما كان معدل الوفيات عالياً  حيث لم يكن يصل إلى سن البلوغ أكثر من 2 إلى 3 أطفال . في القرن التاسع عشر الميلادي مع التطور الاقتصادي وخاصة بعد الثورة الصناعية  مرت أمريكا الشمالية وأوروبا بظاهرة ما يعرف بالتحول السكاني (الديموغرافي) حيث يشهد هذا التحول في البداية تحولات سكانية تتسم بانخفاض معدل الوفيات نتيجة التطور الصحي والغذائي يؤدي إلى ارتفاع عدد السكان بينما يبقى معدل الانجاب على حاله، ثم يلى ذلك انخفاض في معدل الإنجاب نتيجة تحرر العادات والتقاليد الاجتماعية والتطوير الاقتصادي  مما يؤدي في النهاية إلى إيجاد توازن بين معدل الإنجاب والوفيات. في النصف الثاني من القرن العشرين بدأت تنتشر ظاهرة التحول السكاني في أمريكا الجنوبية ثم آسيا وفي أفريقيا وهي لم تنتهي حتى الآن في كثير من مناطق العالم. حيث بلغ عدد سكان الأرض في عام 1960م  (3 مليار نسمة)، ثم في عام 1974م (4 مليار نسمة)، وفي عام 1987م (5 مليارنسمة)، وفي 1999م (6 مليار نسمة). وبالرغم من ملاحظة إنخفاض معدل الزيادة السكانية خاصة في الدول المتقدمة إلا أنه من المتوقع أن يبلغ عدد سكان الأرض (9 مليارات نسمة) في نهاية القرن الواحد والعشرين. وعندها يتوقع أن يكون العالم قد وصل إلى نقطة التوازن بين معدل الإنجاب والوفيات على المستوى العالمي. تختلف مناطق العالم ودوله من حيث درجة التحول السكاني فيه وعناصره الثلاث أي معدل الإنجاب ( عدد الأطفال للمرأة الواحدة) معدل عدد الوفيات (لكل 1000 نسمة) وكذلك معدل العمر الافتراضي عند الولادة (متوسط أعمار المتوفين) في المجتمع الواحد في كل مرحلة زمنية. فإنخفاض معدل الوفيات وارتفاع معدل العمر الافتراضي مثلاً هو نتيجة للتطورات الصحية وتحسين بيئة العمل أما إنخفاض معدل الإنجاب فقد يكون نتيجة إلى الإجراءات التي تفرضها الدول على عدد الأطفال في الأسرة ، أو من خلال ارتفاع مستوى معيشة المرأة وتعليمها وتحسن حالتها الصحية والتحولات الاجتماعية مثل السماح للمرأة بالعمل. وإن كان ذلك هو الأغلب والأعم إلا أن هناك بعض الحالات  تشذ عن هذه القاعدة ، إلا أن هذا لا يمنع بأن يمكن تقسيم العالم إلى قسمين،من حيث السكان: دول الشمال ودول الجنوب ، فدول الشمال ( أوروبا وأمريكا الشمالية بشكل رئيس) قد أنتهى تحولها السكاني ( الذي كان بطيئاً وصاحبه تطور تقني واقتصادي واجتماعي هام) وبدأت في مرحلة تحول سكاني جديد نتيجة إلى الإنخفاض الكبير في معدل الإنجاب الذي قد يؤدي إلى انخفاض التطور الاقتصادي فيها نتيجة لنقص  الأيدي العاملة. أما في دول الجنوب  (أفريقيا وآسيا بشكل رئيس) فإن التحول السكاني يتطور فيها بشكل سريع يزيد من نسبة الشباب ويرفع من نسبة كبار السن لكنها تفتقد الاستثمارات الاقتصادية المناسبة لمواجهة مشكلة البطالة الناشئة عن هذه التحولات السكانية. هذا التقسيم الجغرافي للتحولات السكانية يعني أن الفقراء سيشكلون الجنوب بينما الأغنياء سيشكلون الشمال ، كما يعني أن الانفجار السكاني سيكون في الجنوب بينما يشهد الشمال تراجعاً سكانياً، ويعني أن معظم سكان الجنوب سيكونون من الشباب بينما ستكون نسبة كبار السن أكبر في الشمال.
التحولات الزراعية
يتوقع في المستقبل أن يستمر سكان العالم في النمو بينما الموارد بطبيعتها محدودة ، وأن تستمر حالة التوازن الطبيعي للبيئة في تدهور  على كافة الأصعدة خاصة في حالة الأراضي الزراعية. والسؤال  هل تستطيع كل منطقة أو دولة تحقيق أمنها الغذائي كما حدث من قبل؟! من وجهة النظر الزراعية فإن التطوير الزراعي الذي حدث في النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي كان مبهراً من حيث تحسين وسائل الري وميكنة العمل الرزاعي وتحسين السلالات والمدخلات الجديدة على الزراعة،  وبينما يبدأ القرن الواحد والعشرين الميلادي ومع استمرار الزيادة السكانية فإن البعض بدأ يشك في ما إذا كان العالم قادر هذه المرة على تأمين الموارد الغذائية اللازمة لاستيعاب هذه الزيادة ، فمن الآن وحتى عام 2050م سوف يزداد السكان بنحو 2.5 مليار نسمة، بينما يمكن أن يزيد الإنتاج الغذائي 70٪ عما هو عليه الآن حتى يسد حاجة سكان الأرض وبينما تتطور  الزراعات غير الغذائية ( الوقود الزراعي) يوماً بعد يوم والتي سوف تحتاج إلى التربة الزراعية أكثر فأكثر. واليوم يزداد اهتمام الدول بأمنها الغذائي نتيجة للمخاوف المشروعة من نقص الموارد الزراعية وارتفاع الطلب عليها  ونتيجة للتطور الاقتصادي والزيادة السكانية.  حيث يتوجه الاهتمام بتربية الماشية لتوفير اللحوم والألبان (التي يزداد الطلب عليها كلما ارتفع مستوى معيشة السكان وتطور عاداتهم الغذائية) كما سيتم الاهتمام بزراعة الوقود الزراعي لسد النقص في الطاقة، هذه الأنشطة تتطلب توفير أراضي لها على حساب الأراضي الزراعية التي توفر  الغذاء، الأمر الذي يدفع بالدول إلى شراء واستئجار أراضي خارج حدود أراضيها لتأمين أمنها الغذائي. وكما هو ملاحظ فإن المشكلة الغذائية تكمن في  أن زيادة الإنتاج الزراعي لايرتبط بالضرورة جغرافياً بالزيادة السكانية. كل هذه التحولات سواء كانت نتيجة للممارسات الخاطئة للإنسان بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر كما في ظاهرة الاحتباس الحراري التي أصبحت ذات تأثير سلبي كبير على الأنظمة الطبيعية البيئية التي  تحافظ على تهيئة البيئة الملائمة للنشاط الزراعي من حيث المحافظة على الأرض القابلة للزراعة. وهنا يمكن كذلك إضافة التأثيرات السلبية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي للممارسات الإنسانية على الزراعة سواء من خلال عدم اهتمام دول الشمال (التي تحقق فائضاً  تنافس به الآخرين على مستوى التجارة الزراعية العالمية) بالتعاون مع دول الجنوب (التي مازالت زيادة السكان فيها وشح الموارد الاقتصادية وتأثير التحولات المناخية تؤثر على امكانياتها الغذائية). يتوقع أن تأتي الحلول لسد النقص من خلال:
ـ زيادة الرقعة الزراعية مازالت أحد الحلول الهامة حيث أن المساحة المستغلة الحالية 1.4 من أصل 4.3 مليار هكتار قابلة للزراعة نظرياً، فمثلاً تمتلك دول مثل روسيا وأوكرانيا والأرجنتين مساحة شاسعة قابلة للزراعة، وفي البرازيل واندونيسيا يتم تحويل الغابات إلى أراضي لزراعة قصب السكر وزيت النخيل،  أما في كندا وسيبيريا  فإن الاحتباس الحراري سيحول المناطق الثلجية إلى أراضي قابلة للزراعة.  إلا أنه توجد أسباب كثيرة تجعل من الصعوبة بمكان زيادة الرقعة الزراعية في العالم ومنها عدم توفر الموارد الاقتصادية  لتحويل الأراضي البور إلى أراضي زراعية مثل ما هوحاصل في أفريقيا.  كما أن تحويل الغابات إلى أراضي زراعية يقلل من إمتصاص ثاني أكسيد الكربون من الجو، كما تظل الكثير من الأراضي صعبة الوصول إليها مثل المنحدرات والأراضي الملوثة .
ومن المشاكل التي قد تمنع زيادة الرقعة الزراعية مشكلة تدهور حالة الأرض الزراعية أو القابلة للزراعة نتيجة للتحولات المناخية وارتفاع درجة الحرارة و التصحر وشح المياه والجفاف ونتيجة للممارسات الزراعية  الخاطئة التي تؤثر على  الطبقة القابلة للزراعة من خلال الحرث المتتابع للأرض واستخدام الأراضي للرعي  واحلال الزراعة (التي تساعد على التخلص من ثاني أكسيد الكربون) مكان الغابات. وأخير فإن  التوسع العمراني على حساب الأراضي الزراعية يعد سبباً آخر.  وفي المحصلة يبدو أن الزيادة المتوقعة في الأراضي الزراعية ستكون 5٪ فقط حتى عام 2050م.
ـ  زيادة المردود الزراعي للأراضي أهم من زيادة الرقعة الزراعية وبينما تم التوصل إلى تحسين كبير في المردود الزراعي في آسيا وأمريكا الشمالية وأوروبا، يجب التركيز الآن على أفريقيا وأمريكا الجنوبية لتحسين هذا المردود مثل تحسين الري وتوفير الامكانيات من الآلات الزراعية ومن الأسمدة وزيادة البحوث الزراعية ،إلا أن عدم توفر الموارد الاقتصادية للاستثمار والتأثيرالسالب الزراعي على الأنظمة البيئية (بينما يعتمد مستقبلها على هذه الأنظمة) تشكل حاجزاً لتطوير المردود الزراعي في الدول النامية.
 التحولات المائية
يمثل المخزون العالمي للماء 1.4 مليار كم مكعب موزع على مياه البحار (97.4٪) والمياه العذبة المثلجة في المناطق الثلجية (1.9٪) والمياه الجوفية 0.6٪ ومياه القنوات المائية والبحيرات ( 0.2٪). وتقدر المياه الموجودة على سطح الأرض والتي يمكن الوصول بسهولة نسبياً بأربعين ألف كم مكعب وتعتبر هذه المياه كافية لسد حاجات السكان والمحافظة على الأنظمة البيئية الطبيعية، إلا أن توزيعها الجغرافي لا يتفق و حاجات السكان في كل منطقة من مناطق العالم، فهناك شح في المياه في الشرق الأوسط وفي منطقة البحر الأبيض المتوسط، بينما في أمريكا الجنوبية وأفريقيا الوسطى هناك فائض من المياه، من جهة أخرى فإن زيادة السكان في العالم تدفع إلى المزيد من مشاكل المياه، فقارة أسيا التي يمثل سكانها نسبة 60٪ من سكان العالم لاتمتلك إلا 36٪ من الموارد المائية العذبة على مستوى العالم، بينما يمثل سكان أمريكا الجنوبية 6٪ من سكان العالم وترتفع نسبه المياه العذبة إلى 26٪ على المستوى العالمي، وفي أوروبا التي يمثل سكانها 11٪  فإن نسبة  مياهها تمثل  8٪ على المستوى العالمي،  وهكذا يمكن وضع مؤشر لقياس كمية المياه المتوفرة في كل بلد من خلال قسمة حجم المياه العذبة المتجددة والمتوفرة سنوياً على عدد السكان. سنجد مثلاً أن هذا المؤشر يمثل في الدول الغنية بالمياه مثل البرازيل 45000متر مكعب لكل ساكن سنوياً، والنرويج 83000 متر مكعب لكل ساكن ، وفي الدول التي تشح فيها المياه مثل المملكة العربية السعودية 95 متر مكعب لكل ساكن سنوياً، وفي جزر المالديف 98 متر مكعب لكل ساكن سنوياً ، كما يمكن التعرف على المخاطر التي تواجهها الدول من جراء نقص المياه استخدام مؤشر يفرق بين الدول الغنية بالمياه وتلك التي تعاني نقصاً فيها. يعتمد توفر المياه  على نوع الاستخدام، فالنشاط الزراعي يستهلك ثلثي المياه العذبة المتوفرة عالمياًَ، والنشاط الصناعي20٪، والاستخدام الإنساني 12٪،  و يرتفع معدل استهلاك الإنسان كلما ارتفع مستوى معيشته أو تطورت عاداته الغذائية، أو حدث توسع في العمران وزاد الطلب على الشبكات والمرافق. وقد قامت الأمم المتحدة بتحديد الحاجة من المياه  العذبة في المستقبل بحيث تبين أنه  يجب توفير 64 مليار متر مكعب من المياه العذبة لكل 80 مليون نسمة إضافية. ويقدر الكثير من العلماء أن تتناقص كمية المياه في العالم نتيجة للاحتباس الحراري نسبة تشكل 20٪ بفعل شح المياه والجفاف والأعاصير. وحيث تعتبر حاجة الإنسان مقياساً لدرجة رفاهيته فإن كمية 2 لتر من المياه المتوفرة يومياً  من الماء تمثل  الحد الأدنى لتجنب موت الإنسان من العطش، وأنه يجب توفير 25 لتر يومياً من الماء  للشرب ولطهي الطعام وللنظافة، وأخيراً تعتبر كمية 100 لتر يوميا فما فوق حداً معقولاً لتحقيق حاجات ورفاهية الإنسان من الماء. في أوروبا يتراوح الاستهلاك الفردي ما بين 150 إلى 200 لتر يومياً، بينما ينخفض هذا الاستهلاك إلى مابين 40 إلى 100 لتر يومياً في أفريقيا.  ويتدخل العامل الاقتصادي في مدى امكانية توفير محطات الضخ والتقنية والشبكات الكافية لإيصال المياه إلى السكان، فقد تتوفر المياه ولكن يصعب إيصالها في كثير من دول في العالم خاصة دول الجنوب ، فبالرغم من الجهود التي  بذلت فإن الزيادة السكانية والتوسع العمراني في هذه الدول تجعل من الصعوبة بمكان إيصال المياه لكافة السكان نتيجة  الطلب المتسارع والمستمر. وكما للاستهلاك من بصمات أو أثر على البيئة مثل الأثر البيئي فإن هناك أثر مائي يمكن حسابه من خلال استهلاك الماء  سواء على المستوى العمراني أو الزراعي أو الصناعي أو في إنتاج الطاقة، وهو يمثل كمية المياه المستخدمة في التحويل الصناعي للموارد  أو زراعة المحاصيل أو الإستخدامات اليومية. يأتي الإسراف والاستعمال الغير مبرر للمياه أو الاهمال كظواهر يجب محاربتها على مستوى العالم  وخاصة في الدول الغنية كالتوسع في استخدام المسابح المنزلية في المدن الصحراوية أو عدم أخذ الحيطة في زراعة الحدائق المنزلية في توفير المياه المستخدمة في زراعتها أو ترك الصنابير مفتوحة أو الإسراف في المياه المستخدمة في غسيل السيارات .. إلخ، أو إهمال صيانة الشبكات وعدم معالجة مشاكل تسرب المياه في المباني، في الأراضي المحتلة الفلسطينية مثلاً هناك فقدان للمياه يقدر بـ 40٪ نتيجة تهالك شبكات المياه والقنوات المائية. ويشكل تلوث المياه نتيجة للنشاط الزراعي (الأسمدة)  والصناعي (استخدام مواد كيميائية ) مشكلة أخرى . كما يشكل التوسع العمراني والزيادة في عمليات تنقية مياه المدن مشكلة هامة خاصة وإن عمليات تنقية المياه وإعادة استخدامها لم تعد مضمونة نتيجة لزيادة حجم التلوث وتعدد مصادره.
التحولات في إنتاج الطاقة
هناك عدد من العوامل التي تحدد الطلب على الطاقة في كل بلد وهي: موقع البلد ومناخها اللذان يؤثران على حجم استهلاك الطاقة المخصص للتدفئة  أو التهوية أو الإضاءة ، كما يؤثر التخطيط العام للمدن وتوفر الخدمات العمرانية التي بدورها تؤثر على استهلاك الطاقة وبغرض الحركة والتنقل. ويعتبر مستوى المعيشة وتكلفة الطاقة العاملان الأكثر تأثيراً وهما يؤكدان على العلاقة المباشرة بين مستوى التطوير الاقتصادي ومستوى الاستهلاك الفردي. فمن المتوقع وحتى عام 2030م أن يؤدي التطوير الاقتصادي في الدول الأسيوية الناهضة إلى زيادة الطلب على الطاقة وكذلك الحال بالنسبة لدول الشرق الأوسط وأفريقيا. في دول الشمال الصناعية فإنه من المتوقع أن يتغير حجم الاستهلاك نتيجة إلى تحويل ونقل مصانعها إلى دول الجنوب نتيجة الصعوبات الاقتصادية لإبقائها داخل حدودها، وبذلك سوف يزداد الطلب أكثر وأكثر على الطاقة     في الجنوب. ويعتبر عامل السعر الذي يتجه نحو الارتفاع كلما اقتربت المخزونات العالمية من النضوب وزيادة السكان و التطوير الاقتصادي (حيث  تشكل الطاقة الناتجة عن الوقود الاحفوري 90٪ من حجم الطاقة المتوفر) من أهم مشاكل الطاقة، فيمثل البترول بمفرده 60٪ من الطاقة الأولية المستهلكة في العالم، ومع الوقت سيصبح شحيحاً، وبالتالي فإن  ارتفاع سعره يؤثر أكثر من التخوف من نضوبه. وبالرغم مما يشهده العالم من تقدم في التقليل  من الاعتماد على الطاقة (البترول) إلا أن البترول مازال يعتبر الأكثر والأسهل استخداماً والأقل كلفةً . ففي وسط القرن العشرين الميلادي بدأ نمط حياة جديد في أمريكا سرعان ما انتشر في العالم هذا النمط  يعتمد على التوسع في العمران وعلى الطاقة البترولية الرخيصة التي  ساعدت على استخدام السيارات بكثافة، هذا النمط مازال يلقى رواجاً كما هو حاصل اليوم في الصين، إلا أنه بات مؤكداً أن الاستمرار في التوسع العمراني والاعتماد على السيارة كوسيلة نقل يؤدي إلى زيادة الطلب الكبير على الطاقة . ولقد ساعد تطور الإتصالات إلى زيادة التبادل التجاري بين الدول مما أدى إلى التواصل بين الأسواق المتباعدة و أدت زيادة حركة النقل بين هذه الأسواق المتباعدة إلى زيادة الطلب على البترول. في مجال الزراعة تعتمد الأسمدة والمبيدات والآلات الزراعية على البترول وكذلك في مجال الصناعات المختلفة مثل الصناعات الغذائية بما في ذلك نقلها،  كما تعتمد الصناعات الطبية على البترول بما في ذلك توزيعها ونقلها . يمثل البترول كذلك ثلث الطاقة الأولية (30.9٪) في توليد الكهرباء من بين الطاقات الأولية الأخرى مثل الفحم (26.4٪) ، الغاز الطبيعي (21.2٪)، الطاقة الحيوية (9.7٪)، الطاقة النووية (5.9٪)، الطاقة المائية (2.2٪)، الطاقة المتجددة  (0.7٪).

المخاطر والأضرار الناتجة عن التطوير الإقتصادي الغير مسئول (المصدر: أطلس مستقبل العالم)

التحولات المناخية

الاحتباس الحراري هو ظاهرة مناخية أدت إلى ارتفاع حرارة الهواء الطبيعي ومياه المحيطات عن معدلها التقليدي، وهناك اعتقاد سائد بأنها نشأت نتيجة إلى النشاط الاقتصادي الإنساني وتأثيره على التكوين الطبيعي للهواء المحيط بالأرض، الذي يتكون من غازات مختلفة تعمل على حبس قسم من أشعة الشمس بحيث تضمن حرارة معتدلة للأرض، وبدون هذا التكوين تنخفض حرارة الهواء والمحيطات إلى 18ْ .  ومن خلال دراسة تطور المناخ على مدى 600000 سنة لوحظ أنه مع بداية العصر الصناعي ارتفعت كمية بعض الغازات الحابسة للحرارة (الدافئية) وخاصة غاز ثاني أكسيد الكربون وغاز الميثان وغازات أخرى وأن أهم مصادر غاز ثاني أكسيد الكربون هو الوقود الأحفوري (البترول) المستخدم في حركة النقل والتدفئة أو انتاج الكهرباء وكذلك نتيجة إلى القضاء على الغابات التي تلعب دوراً في التخلص من الكربون في الهواء، كما تعتبر تربية الأبقار وزراعة الأرز واستخدام الأسمدة  مصدر غاز الميثان. بينما تشكل الصناعة مصدر الغازات الأخرى تقريباً. لقد ارتفعت الحرارة حوالي 0.6٪  درجة مئوية من 1980 إلى 2010. ويعد تأثير  الاحتباس الحراري على الأنظمة البيئية الطبيعية  العامل الرئيس في اختلالها ، فهو يؤثر على مجالات شتى مثل التربة، الصيد، الصحة، الاقتصاد، بحيث أصبح يهدد حياة الإنسان على الأرض. إن استمرار النشاط الإنساني الاقتصادي بوتيرته الحالية وشموليته عالمياً، وبالتالي زيادة الاحتباس الحراري، يشكل هاجساً رئيساً لكافة دول العالم، فالتوقعات تظهر أن ارتفاع حرارة الجو سوف تتراوح بين   1.1 درجة مئوية إلى 6.4  درجة مئوية بحيث أصبح من الضروري العمل على الحد من هذا الارتفاع لتبقى الزيادة في حدود 2ْ  درجةمئوية  على مدى العشر السنوات القادمة، فأي ارتفاع إضافي بعد هذا الحد سوف يؤدي إلى اختلال مناخ الأرض وسوف يشكل خطراً كبيراً على حياة ونشاط الإنسان.  ومع النمط الحالي في الاستمرار في  تشييد المساكن وزيادة وسائل النقل وبناء المحطات المولدة للطاقة الكهربائية فإن تأثير الاحتباس الحراري مازال يصعب تقديره ، ولقد قدرت الأمم المتحدة تكلفة مقاومة هذا الاحتباس الحراري بحوالي 240 مليار دولار بين عام 2010 إلى 2030، وأن كل عام يمر دون تنفيذ السياسات الخاصة بالطاقة سوف يضاعف من  التأثيرات المتوقعة، و قد يرتفع الاستثمار الخاص بالمقاومة 500 مليار إضافية، كما  أن أي  زيادة عن 2درجة مئوية حتى عام 2050 سوف تؤدي إلى خسارة تتراوح مابين 5 إلى 20 ٪ من الناتج المحلي الاجمالي العالمي.وبعد فإن المسئولية لاتستثني أحد في مقاومة الاحتباس الحراري،  وإن كانت الدول الصناعية  المصدر الرئيس لهذه الظاهرة إلا أن التطوير الاقتصادي وزيادة السكان المتوقعة في الدول النامية، وما سوف ينتج عنه من زيادة مصادر انبعاث الغازات الحابسة للحرارة ( الغازات الدافيئة ) في هذه الدول، سوف تجعلها مشاركة مع الدول الصناعية في مسئولية مقاومة الاحتباس الحراري شاءت أم أبت.وهنا تكمن المشكلة لأن الدول النامية هي اليوم الأكثر تعرضاً لتأثيرات الاحتباس الحراري،ولأنها لاتملك الإمكانيات الاقتصادية ولا القدرة على محاربة فقر سكانها أو مقاومة الأخطار المناخية ، وهي تعتمد على المجال الزراعي الأكثر تعرضاً لهذه الأخطار، وعدم جاهزيتها لمواجهة التغيرات الناتجة عن الاحتباس الحراري. وتقدر كلفة ما سوف تتحمله الدول النامية بنحو 70 ٪ إلى 80٪ من الكلفة الكلية للأضرار العالمية نتيجة للتحولات المناخية وارتفاع درجة الحرارة درجتين مئويتين حتى عام 2050م. ومن بين أهم التأثيرات الناتجة عن التحولات المناخية التي قد تؤدي إلى كوارث عالمية هو ارتفاع منسوب مياه البحار نتيجة لذوبان الثلوج، وارتفاع درجة حرارة المحيطات وغرق السواحل والجزر، ونتيجة لارتفاع حرارة الجو بسبب شح الأمطار أو الفيضانات في المناطق الصحراوية  والأعاصير أو الزلازل. ومقارنة بعدد سكان العالم، فإن المناطق الأكثر تضرراً من هذه التحولات المناخية وتأثيرها الغير مباشر على مجالات الحياة الأخرى هي المناطق الأكثر سكاناً والأكثر فقراً والأكثر تدهور عمرانياً، كما هو الحال في آسيا وأفريقيا.الأمر الذي سوف يؤدي إلى إجلاء أعداداً كبيرة من سكان هذه المناطق للعيش في مناطق أكثر أمناً. وإن كانت لاتوجد لها تقديرات مؤكدة إلا أن توقعات عدد المهجرين في حالة حدوث كوارث كبرى قد يقاس بعشرات أو حتى بمئات الملايين من السكان. يبدو أن التطوير الاقتصادي وممارسته الخاطئة كانت السبب  في المشاكل التي تواجه العالم اليوم، فمن أهم التأثيرات المباشرة للتطوير الاقتصادي على المدن هو زيادة سكانها واتساع عمرانها، يأتي بعد ذلك تلوث أجوائها وارتفاع حدة الاحتباس الحراري نتيجة لتطوير الصناعات وزيادة حركة النقل، ثم يأتي بعد ذلك زيادة الطلب على الأراضي الزراعية نتيجة لزيادة السكان وارتفاع مستوى معيشتهم في المدن. اليوم هناك توجهات مختلفة وعديدة لتصور مدن المستقبل التي سوف يعيش فيها معظم سكان العالم. حيث تنقسم التصورات إلى 3 سيناريوهات : الأول هو عدم فعل أي شئ وترك المدن كما هي عليه، أما الثاني هو تصور مدن مستقبلية جديدة كلياً، والثالث هو محاولة تحسين المدن الحالية. ويبدو أن الأمر سيكون حصول هذه السيناريوهات الثلاثة حسب حالة كل مدينة أو منطقة. في هذا العدد تستعرض مجلة البناء عدداً من المشروعات التي تحمل أفكار  لمدن المستقبل على ضوء التحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية العالمية التي حاولنا استعراضها بإيجاز.  فكرة هذه المشاريع تكمن  في معالجة شاملة للحالة الكونية الحاصلة من هذه التحولات ، وهي إن كان بعضها قد لا ينفذ نتيجة لكونها أفكار مستقبلية إلا أنها تحاول أن تعالج المشاكل الكونية على مستوى الفكرة العامة، الأمر الذي يختلف عن ماهو حاصل اليوم في كثير من المشروعات والتصورات التي تحاول أن تحل المشكلة على مستوى  التفاصيل مثل معالجة العزل الحراري أو التحكم في التهوية أو خفض استهلاك الكهرباء أو استخدام مواد صديقة للبيئة، كل هذه الاجتهادات ليست معمارية خالصة وإنما هي تدخل في إطار البحث التقني، فتأتي المشروعات ضعيفة في أفكارها المعمارية لاتحمل أفكار قوية ولاتدل على مانواجهه فعلياً على المستوى الكوني من مشاكل وتحولات. هناك بعض من هذه الأفكار العمرانية تم استعراضها من قبل في مجلة البناء مثل مدينة مصدر في أبوظبي، وحي المشيريب في الدوحة، ومدينة دونج تان في الصين، وكلها أمثلة لأفكار شاملة لمدن المستقبل تتراوح فيها الحلول بين ماهو واقعي وما هو صعب التحقيق  إما لكونه مكلفاً وإما لكونه يعتمد كثيراً على حلول بعيدة  المدى. عمران المدن في المستقبل سوف يتأثر بالمبادئ الجديدة التي ظهرت نتيجة للتحولات الكونية، وسوف ينفتح المجال واسعاً لأفكار عمرانية تتعدى الحدود المكانية والزمانية، ولكنها تبقى في خصوصيتها محلية، وهذا ما يجعلنا نعتقد أننا أمام توجه معماري وعمراني جديد، هو أكثر كونياً ولكنه لايقسم العمارة إلى عمارة عالمية ومحلية، إنما هو في مبادئه كونياً ولكن تطبيقه هو محلياً، اليوم نحن بعيدين جداً عن هذا التوجه الجديد في منطقتنا والتي تفتقد إليه الساحة العمرانية على مستوى الممارسة وعلى مستوى التعليم.



 

 

المصدر: مجلة البناء
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 189 مشاهدة
نشرت فى 16 ديسمبر 2012 بواسطة Mumtalakat

ساحة النقاش

ممتلكات للخبرة الإستشارية / متخصصون بالتقييم العقارى المعتمد ودراسات الجدوى الإقتصادية للمشروعات وإدارة الأصول والتحكيم والتسويق العقارى

Mumtalakat
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

5,946