المقامة الصّيفيّة..

***

حدّث حنظلة قال:  

حلّ فصل القيظ والحرّ.. والمتعة والسّهر.. فاشتدّ زمهرير الومد.. وطالت ساعات الأرق والقلق.. ولم نعد قادرين على مجاراة درجة حرارة الطقس.. أو حتّى تعديل نسق التنفّس.. 

خفت من الغرق في العَرق..  ففكرت.. وقرّرت أن أبحث عن مكان يطيب فيه العيش.. ويحلو فيه الصيف.. ولو  لأسبوع..

حزمنا الأمتعة واتّجهنا نحو مدينة ساحليّة احتضنها البحر بما أوتِيِ من  زرقة سماويّة..  و رمال ذهبيّة..  ونسائم رائقة.. ووهبها الله ما لذّ وطاب من الخيرات الربّانيّة.. 

لم ندّخر جهدا في استغلال كل ساعة ودقيقة وثانيةّ ولحظة استغلالا إيجابيّا تستمتع فيه الرّوح.. وتروق له النّفس.. ويسترخي  لجماله الجسد .. وتتآلف لحسنه وبهائه  ألوان البهجة والفرح والسّرور..

وبينما كنّا كذلك.. أخذنا التّجوال والسّمر ذات ليلة إلى مقهى يعج ّ بالزوّار.. والموسيقى والرّقص على أنغام رائقة تهتز لها الأجساد ..  وتطرب لها الآذان.. وتسعد لسماعها القلوب..

تداخلت المواويل المنتقاة من روائع الشعر العربي مع الوصلات الموسيقيّة الراقصة فانصرف أغلب الحاضرين إلى الرقص والغناء..

التفت يمينا فإذا بكهل ينخرط في رقص جنوني.. وبكاء مرّ.. وينثر الأوراق النقديّة على راقصة غربيّة الملامح.. خفيفة الحركة.. حتّى سقط مغشيّا عليه.. خلته صُرِعَ.. أو جُنّ..  فأسرعت ناحيته.. وصرخت في المحيطين به أن صبّوا عليه الماء.. وعمّدوه بالمشروبات والعصائر.. لعله يعود إلى رشده.. وشمّموه بعض العطر الباريسي عله يستفيق  من غيبوبته.. 

تسلّلتُ بين الحاضرين  وجلستُ  قريبا منه أتأمّله.. ثمّ شرعت  في تحريكه يمينا وشمالا.. حتى شَخر  شخرة أفزعَت الحاضرين والحاضرات.. وفتح عينه اليسرى يسترق  النظر إليّ..  ثمّ همس بصوت متهدّج،ّ كمن سكت دهرا ونطق كفرا: 

دعنى ههنا .. ولا تبال.. وادعُ تلك الرّاقصة الحسناء تنفث رضابها في فمي كي أستفيق  بلا علل ولا أسقام.. 

لم أصدّق ما سمعت.. ودون شعور منّي لطمته بكفّ يدي لطمة  أعادت إليه العقل والتعقّل.. فانتفض متوسّلا ألاّ أفضحه.. وترجّاني أن أستره... 

وقفت شارد الذّهن غير عابئ بما يقول.. ثم اقتربت منه.. وحملقت في وجهه مليّا.. فإذا هو ابن بلدتنا سعيد الأعور الذي   غادر البلدة منذ زمن بعيد.. بعد افتضاح أمر سرقاته المتتالية.. وجرائمه الأخلاقيّة الفظيعة.. وآخرها إقدامه على إحراق بيت أسرته بمن فيه.. وبعدها ذاب كالملح في قدر الطّعام.. حتى ظنّ الجميع أنّه تفحّم مع أهل الدّار..

أمسكته من يده بقبضة من حديد واستفسرت أمره.. فارتعشت فرائصه وسالت على خدّيه دموع حرّى حاول إخفاءها قدر الإمكان على جموع الفضوليين.. ثمّ أخبرني أنّه تنصّل من اسمه..  ولقبه..وماضيه.. ليعيش حاضر الشقاق والنّفاق بعد أن أوهم الناس أنّه شيخ صاحب كرامات.. له قدرة عجيبة على فك السّحر واستخراج الكنوز وتزويج العوانس وتجاوز كلّ الأزمات.. 

تجمّد الدّم في عروقي حتّى خلتُني أبكم.. أصَمّ.. كجلمود صخر  لا حراك.. ولا مساس.. ثمّ انتفضت بعد لأي فلم أجد له أثرا.. تأمّلت وجوه الحاضرين.. وانصرفت من بينهم متثاقل الخطوة أمشي تائها.. متمتما:

تعسا لدنيا لا مجال فيها للصّدق والثّبات..

وتبّا لأمّة باعت مبادئها.. وأصرّت على الموبقات..

****

منير صويدي 

30 / 7 / 2019

 

.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 16 مشاهدة
نشرت فى 31 يوليو 2019 بواسطة Mrshkh

عدد زيارات الموقع

74,586