في الخلاء الشرقي وقف الحفيد يتمتع بالغروب ...كانت الشمس الذهبية تركع في قداسة لتقبل الأفق ...يروق له دائما أن يتمتع بالغروب...لا يهزه الشروق كما يهزه الغروب ....لايعرف لماذا ..

ولايعرف لماذا أيضا يطيب الفقهاء أن يشبهوا الغروب بالموت والشروق بالميلاد ...يرى المهابة في الغروب أكثر من الشروق ...يروق له أن يقول لنفسه أن الغروب اذا كان يرمز إلى الموت والفناء فلاشك أن الموت جميل ...غامض حقا ...ومجهول حقا ...ولكنه جميل وواعد ...فهل يستطيع أن يعتمد على هذا الحدس الخفي في رحلة الفناء ....؟ عندما كان طفلا يروق له أن يردد في وحدته ....

.......الموت أجمل ...الموت أجمل ...

ويطوف الغابة متمتما بهذه العبارة بصوت خافت ...وكثيرا مايقف فجأة ويلتفت حوله حتى إذا تأكد أن أحدا لايراه صرخ بالعبارة بصوت عال ..وقد حدث مرة أن سمعه أبوه في الحقل عندما كان يختبيء وراء نخلة كثيفة قصيرة القامة ليقضي حاجته فقفز من هناك وهو يربط سرواله ووقف قبالته وسدد له نظرة طويلة مهددة ...نظرة لم يدرك الفتى سرها الا بعد سنوات ...انها تترجم فزعه من أن تكون الآخرة أجمل من الدنيا فقاطعه ولم يتبادل معه كلمة واحدة عدة أسابيع ...ولكن هذا لم يمنعه من أن يستمر في تطوير المفهوم الغريب عن المجهول ...فدعا الى فلسفته الجديدة بين أقرانه الطلبة قائلا ...

.....اذا لم تكن الحياة جميلة فان الموت أجمل ...فأثارت اعجاب الكثيرين ووجد من استفزته الفلسفة فقام ابن أحد كبار الموظفين واتهمه بأنه اختلس العبارة من كتاب المطالعة الذي يتضمن مقتطفات من أقوال قدماء الفلاسفة والحكماء ...تنابزا بالألقاب وتشابكا في عراك بالأيدي ...

والحق أن لهفته إلى المعرفة وشغفه بالعلم دفعه لأن يكون أكثر أقرانه ترددا على المكتبة ...

يقضي هناك كل ساعات الفراغ بعد الخروج من الدراسة ...وكان يتمنى أن يعثر على عبارته المفضلة أو أي شيء يفسر له اللغز الذي حيره منذ الطفولة ...تقفل المكتبة أبوابها فيهرع الى الخلاء ليتفرج على الغروب ...

التحق بكلية التربية وتم قبوله في المدينة الجامعية الواقعة في مواجهة المكتبة بحدود الأبنية الشمالية المفضي الى خلاء يؤدي إلى الغابة ....تيقن أنه فاز برضى الأولياء فقدموا له هذه الهدية كي يمكنوه من التردد على المكتبة واللجوء إلى الخلاء لمشاهدة الشمس لحظة الغروب ...

استمر يحلم بالحياة الجميلة حتى قدم له المشرفون على المدينة المبرر كي يجرب النزاع ويطبق قراراته في الحياة ...دأب هؤلاء اللصوص على اختلاس الأطعمة واللحوم من المخزن واختصروا وجبة اللحم من ثلاث مرات في الأسبوع إلى مرة واحدة دون علم الإدارة فقرر الحفيد أن يؤلب الطلبة ويقف ضدهم ....نظم أول اضراب عن الطعام تشهده الجامعة ...

استمر الإضراب ثلاثة أيام ....جاءهم رئيس الجامعة وخطب فيهم ...طمأنهم إلى أنه سيعمل على تحسين الطعام ومعاقبة القائمين على الإعاشة ....وفي اليوم التالي صدر قرار الإدارة بطرده من المدينة الجامعية ...لجأ إلى الغابة وأقام هناك حتى بدأت أحداث يناير ......

هذه الأحداث أكدت له أن كل ماقرأه عن العدالة صحيح ولكنه لم يقرأ في مصدر واحد من كل الكتب التي اضطلع عليها أن الظلم يمكن أن يكون بهذه القسوة ....ولم يتصور أن بامكان الناس أن يتجاسروا على إطلاق النار على الأبرياء العراة حتى من الهراوات ....أدرك أنه لم يقدر النتائج .....والحياة أقسي بكثير مما تصوره الكتب ....رؤيته الطفولية عن جمال الغروب أصدق من تقدير الكتب ....وعبارة ...الموت أجمل ....ليست مبالغة ..طالما كانت الدنيا بهذه البشاعة ....عاد يهمس بها لنفسه في الظلمة بين زملائه السجناء داخل تلك الزنزانة الكئيبة التي زجهم فيها عساكر الحاكم ....نكلوا بهم وكسروا عظامهم بالهراوات وأعقاب البنادق ....تدخل هو فأخرجوهم من الحبس ولكن الفرحة لم تتم ...جاءته أحداث يناير بالفصل من الكلية بعد أن جاءه الاحتجاج ضد سوء التغذية في الماضي بالطرد من مدينة الطلاب .....لم تكتف السلطات بقرار الفصل وانما بعثت له بذلك السجان الكريه البدين مصحوبا بفرقة من العسكر كي يجبره على التوقيع على تعهد بعدم مغادرة حدود المحافظة ......اقتحم الغابة في قلب الليل وقلب الكوخ رأسا على عقب وهو يلعن ويشتم ويردد .....

.......شيوعيون ....اوباش ....ملاحدة ...سيأتي اليوم الذي أمسحكم فيه من الدنيا .....سأطهر الأرض من أرواحكم النجسة .....

اضطر أن يبحث عن عمل فالتحق بمقهى في قلب الوادي ....

يقوم على خدمة الزوار ويلبي طلبات صاحب المقهى العجوز ...في الأسابيع الأولى للعمل عانى من خدع الزبائن ودفع من جيبه لصاحب المحل بسبب حداثته بالمهنة ....أعطاه العجوز عشرين جنيها من فئة ربع الجنيه ونصفه والجنيه الكامل ليحاسب بها الزبائن ويعيد لهم باقي الحساب المدفوع على أن يتحاسب مع العجوز في المساء عند انتهاء العمل ....كانت نتيجة هذه المحاسبة مدهشة بالمقارنة مع مااستلمه من بضاعة سواء في شكل سندوتشات أو قوارير المشروب أو أقداح القهوة والشاي .....فيضطر أن يدفع من جيبه مبلغا يزيد على العشرين جنيها الأولى التي استلمها من العجوز في الصباح وكثيرا  مايقوم العجوز بتسجيل مبالغ كبيرة دينا عليه كي يستقطعه من راتبه في نهاية الشهر ....حيره هذا اللغز وحاول أن يبحث طويلا ...أين يمكن أن تختفي تلك الجنيهات ....؟ بل وتختفي عشرينات أخرى يدفعها من جيبه ليصبح مدينا لصاحب المحل بدل أن يكون دائنا له بأجر اخر الشهر .....

احتمى بالخلاء وراقب الغروب ....لامست الأسطوانة الذهبية خط الأفق فغمرته كآبة .....

سمع الوالد في الواحة البعيدة بورطته فبعث له بألف من الجنيهات مطوية في خطاب ملوث بالبقع ....كتب فيه تحذيرا يقول ....

.....عشنا وسمعنا بولد يتحدى الحكومة ....كنت أشك في سلامة عقلك منذ الطفولة ولكن لم أتوقع أن تنتهي إلى الجنون ....عليك أن تعود حالا الى الحقل اذا شئت أن تنال مغفرتي ......

دفع نصف المبلغ لصاحب المقهى كجزء من الدين واشترى عددا من أرغفة الخبز ومجموعة من علب السردين واحتفل بانفراج الضائقة .....استضاف صديقه ودعاه الى العشاء ....

أصبح الصديق هذا صلته الوحيدة بالجامعة وببقية الزملاء منذ أن خرجوا من المعتقل ....احتل الصديق هذه المكانة بعد أن تلاسن مع أولئك الذين اتهموه بالتجسس والوشاية ....ولكن الصديق هذه المرة لم يحمل له أسرار الزملاء أو الكلية وانما جاء ليكشف له سر اللعبة في المقهى .....قال أن العجوز اتفق من ورائه مع زبائنه القدامى كي يدفعوا له خفية عنه واستغلوا سذاجته وحداثة عهده بالعمل فاستغفلوه طوال الوقت ودأبوا على الانسحاب دون دفع الحساب ....الزحمة والدوشة ساعدتهم في تنفيذ خطتهم ....ومع نهاية كل أسبوع يأتون ليتناصفوا معه المكسب ...

قال أيضا أن رجلا يعاني عاهة العرج هو الذي أخبره بذلك ......وقد عمل في مقهى العجوز الجشع ووقع ضحية لهذه الحيلة مدة طويلة .... وأضاف أن عليه أن يفتح عينيه ويتيقظ المترددين المستديمين على المقهى اذا شاء أن يقبض على المتامرين متلبسين بالجريمة ....أكد له الأعرج أن العجوز الغشاش يفعل ذلك كي يجبر العاملين في مقهاه على العمل بلا مقابل متذرعا بأن البقشيش الذي ينالونه من الزبائن معاش كاف تماما لتغطية أتعابهم المزعومة.... يرى أن العمل في المقهى عطالة ليست جديرة بأن يدفع عليها أجر ........

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 11 مشاهدة
نشرت فى 11 فبراير 2019 بواسطة Mrshkh

عدد زيارات الموقع

74,566