تحول نقاش الأوروبيين الى صراخ في الزاوية ...نهض أحدهم فأسقط زجاجة خضراء كبيرة على الأسمنت فتهشمت إلى أجزاء صغيرة ...خرج يترنح ...الأوروبيون يشربون البوظة ...
جاء الهندي يحمل طبقا صفت عليه كؤوس الشاي ...الشاي حاسر الرأس ...عار من الرغوة كزيت .....فأثار اشمئزاز هو فورا ...تناول رشفة المجاملة ثم وضع الكأس على طرف الطاولة ...
تقدم أحد الاوربيين من هو مترنحا ....نزع قبعته في حركة استعراضية ...تناثر الزبد على شفتيه وهو ينحني فوق رأس هو وينطق في رطانة أوروبية ....
.........مساء الخير سيدي ...أنا خبير الآثار في الوادي ...هل تذكر ...؟ يجب أن تمنحني الفرصة ...
أريد أن أتحدث اليك....لدي أسئلة أريد أن أطرحها عليك ....يقال أنك عليم بموقع المدينة القديمة لاتنس سيدي ...الى اللقاء ....
جاء الزنجي الضاحك وأبعده عن هو دون أن تفارق الابتسامة شفتيه ...فعل ذلك بلباقة ...مضى بالخبير المخمور حتى اختفى به في الممر المظلم المؤدي إلى الحجرات ...عاد بعد لحظات واعتذر ببشاشة ....
........البوظة هي السبب ....الخمر سلطان المعاصي ...لم أعرف الطف من هذا الأوروبي عندما يكون صاحيا ...لكن ماان يشرب هؤلاء الأجانب البوظة حتى يتدخل ابليس ويقلب رؤوسهم وعقولهم وألسنتهم ....ليس صدفة أن يلعن الله شاربه وحامله و........
يبدو أنه نسي الصيغة الحرفية للحديث الشريف فرفع كلتا يديه نحو السقف وزفر بعمق ثم مضى إلى الزاوية وانهمك بتكنيس شظايا الزجاجة المحطمة .....
المخمور هذا عجوز ايطالي أشهب ...عمل في جيش الحرب الثانية وعاد إلى روما ....ثم أحيل على التقاعد هناك فعاد إلى الصحراء للبحث عن الآثار .....ويقال أن المحافظ استقدمه خصيصا كي يتولى حفر مقابر قديمة ....ويردد الأهالي همسا أن مهمته الحقيقية ليست البحث عن الآثار وانما البحث عن الذهب المدفون في مقابر القدماء ......وقد وقع الاتفاق مع المحافظ مقابل أن ينال حصته من الكنوز الأثرية .......
في الزاوية علت أصوات الأوروبيين الباقين في مشاحنة واضحة .....استأذن المحافظ وطلب أن يختلي ب هو على انفراد ....
في الخارج اشتدت الظلمة وتلامعت الأضواء الشاحبة من أعمدة الطريق ...انحرف المحافظ عبر الشارع المهجور ....الحركة تنشل في الوادي مع حلول المغرب حتى في الظروف العادية فكيف بها في ظروف حظر التجول ......غير المعلن ....الساري منذ بداية الأحداث ....؟ سيارات البوليس تمرق بين الحين والآخر .....وفي العتمة .....تحت أعمدة النور وبين الجدران .....يمكن تبين العساكر الذين تنتصب البنادق على مناكبهم .....يشيعون المارة بنظرات مريبة ....يقتلون الفراغ بفحص عابري السبيل ......ويقصرون من عمر الليل الشتوي القاري بالتسكع وحرق السجائر ......
اشتد البرد الصحراوي فاختفى المحافظ في ثنايا جرده الرمادي واكتفى هو بأحكام قناعه فوق رأسه .....
استمر الصمت بينهما طويلا قبل أن يتكلم المحافظ ......
.......تشاورنا وتوصلنا إلى النتيجة ....حققنا رغبتك وأطلقنا سراح حفيدك .....أرجو أن نكون قد ضيقنا هوة الخلاف .....
.......وماذا عن مصير زملائه .....؟
سدد له المحافظ نظرة غاضبة في الظلام ولم يجب فواصل هو .....
.......زملاؤه أيضا أبرياء والمشكلة ليست في حفيدي وحده .......
.........يعلم الله كم كلفني إقناع زملائي من حيل وبلاغة .....قمت باستغلال كل خبرتي الطويلة في شؤون البوليس كي أقنعهم ولكني لم أجرؤ أن أطلب إطلاق جميع المتمردين .....
صمت ودحرج حجرا على الرصيف المترب وأضاف مهذبا من استنكاره .....
......أخشى أن زملائي لن يستطيعوا فهمك ...أعني أنهم سيفهمونك ولكن ..........
سعر بحدة وبصق جانبا قبل أن يكمل ....
........انهم يستنكرون تدخلك ....قالوا أن هذا تدخل في شؤون محافظتكم الأمنية لم تعرفه المحافظات الأخرى حتى من شيوخ القبائل وزعماء الأحزاب ....لاأخفي عليك ....لقد هددوا بأن يشكوك إلى الحاكم ....نعم ....قالوا إنهم قد يلجأون إليه لحسم الخلاف .....
........هل ارسلوك كي تنقل لي هذا الكلام ....؟
ألقى هو بالسؤال بغتة .....تباطأ المحافظ حتى اضطر هو أن يكرر سؤاله بنفس الاستفزاز ....
في النهاية أجاب الرجل ....
......لا.... قلت في نفسي لماذا نتخاصم اذا كان في الامكان ايجاد لغة التخاطب ....لاأريد أن أفقد صديقا مثلك ولاأريد أن يتحول خلاف بسيط الى عداء بينك وبينهم ... على هذا النحو سيصل الأمر إلى اذان الحكومة في العاصمة .... وسوف يطير ويبلغ القصر ....ويعلم الله ماسيجره على الواحات ....رأيت أن أبادر بمحاصرة الخلاف في بدايته ....فهل في هذا مايعيب .....؟
........هل تقوم بمهمة الوسيط ....؟
........ربما ...شيء من هذا ....واسطة خير لاناقة لي فيها ولاجمل .....
......... بارك الله فيك ...ولكن لاتطمع في أن أتنازل شبرا واحدا .....
..........يارسول الله .....أنت حكيم يارجل والتطرف ليس من شيمة الحكماء ....أمهلني قليلا بالله ولاتقاطعني ....أنت تعرف أن الكثيرين يطعنون في قواك العقلية في السنوات الأخيرة ....
......أعرف .....أعرف ....
.......أمهلني بالله ...لحظة من فضلك ...ربما أسأت التعبير ...لايطعنون في قواك العقلية ....أستغفر الله ....
.........بل في قواي العقلية أيضا ....
........ يكفي أنهم يقولون أنك تشيخ وتخرف ....ليس في العجز الذي يأتي به ربي أي عيب ....
.........حاشا الله ....أحمده على نعمته ....المرض والأوهام من علامات الشيخوخة ....المرض والأوهام والأشباح .....
.........وأنا حريص على سمعتك ...لاأريد أن يقال أن موقفك الأخير وليد الشيخوخة ....
.........فليقولوا مايطيب لهم .....
.........ربما استغلوا هناك هذا الرأي....
.........أنهم أيضا لايهمونني ....الحقيقة هي كل شيء ....يجب أن يطلق سراح الأبرياء ....
.........الحقيقة ...قلت لك أن التطرف يفسد اكثر مما يصلح .....هل تستطيع أن تسمعني قليلا ...؟
هبت موجة هواء شمالية باردة فحمى المحافظ شعره الأشيب بلحافه الرمادي ....واصل بعد قليل ......
........لاأريدك أن تتنازل عن موقفك ولكن تنازل عن العناد الطفولي .....
لم يعلق هو فمضى المحافظ ......
.......الخلاصة أن بامكان الرجال دائما أن يصلوا إلى اتفاق اذا احتكموا الى العقل ...أنت تتقدم خطوتين وأنا أستقبلك بخطوتين من الجانب الآخر فنلتقي في منتصف الطريق ....
عربد العناد الطفولي على لسان هو .....
............ولكن يبقى الأبيض ابيضا والأسود أسودا ....الحقيقة لاتقبل التجزئة .....
.........اصبر علي بالله ....لماذا لاتمهلني حتى أكمل ....؟ أريد أن أسمعك قصة ....شقيقي الأكبر كان من أكبر المعارضين للحكم والحاكم ......
انتهى طابور الفلل الأرضية المصففة على جانبي الشارع وأفضى بهما الطريق الى المتاهة الفاصلة بين المدينة والقلعة القديمة الجليلة المنتصبة على قمة المرتفع في الشمال ...في قمة القلعة تومض أنوار حمراء .....لم يطل القمر بعد ولكن بهرة خفيفة تمخض عنها الأفق في الخلاء الشرقي .....
انقبض قلب الشيخ وهو يسمع الحزن في لهجة المحافظ ......
........كان أيضا يرى أن الحقيقة لا تتجزأ ...ولايكف عن الدعوة إلى العدالة في نشاطه وأحاديثه ..
وكان فوق ذلك عنيدا مثل الحمار .....أعتقد أن عناده هو الذي ساهم في هلاكه ....حاول الحاكم أن يستميله ويثنيه عن التطرف ....بعث له بالرسل كي يقنعوه بالتراجع عن موقفه من القواعد والامتيازات الممنوحة للأجانب ......قال له المبعوثون ...لاالوقت ولاالظرف ولاالأحوال الاقتصادية للبلاد تسمح برفض ضغوط الدول الكبرى ....ولكنه كان يجيب في كل مرة أننا لم نضح بالشهداء ولم نقدم القرابين كي نبدل استعمارا باستعمار .....حاول معه الحاكم مرة ومرات أخرى ....وجلسوا الى طاولة المفاوضات لإيجاد صيغة مشتركة ولكن عناد أخي أفشل التوصل إلى نتيجة .....فهل تدري كيف عالج الحاكم أو ..........لاأدري .... الأمر ....؟
............هل أبعدوه ...؟
.........ياليت ....
........... .............؟
.........أبعدوه الى الأبد ....اختفى إلى الأبد ....
........أين يمكن أن يختفي ...؟
.........هه...اختفى والسلام ...هذه عاقبة التطرف ..نفذ الحاكم ماأراد ....ووقع الاتفاقات مع كل القوى الضاغطة رغم أنف المعارضة والمعارضين وأصبح أخي ضحية لغبائه وتطرفه ...
........ليس التطرف في سبيل الحق غباء ...
.........ولكنه أكلها وانتهى دون أن يستطيع أن يغير من الأمر شيئا ..
.........ولو ...هذا مايعطي لأمثاله القداسة التي نسميها شهادة ...
.........لقد أخفق ...انتهى إلى الباطل ...ولا معنى لشيء ينتهي إلى الباطل ...
.........كلنا ننتهي إلى الباطل شئنا أم أبينا والدفاع عن موقفنا هو الذي يمنح الباطل طعما ...
.........بسبب موقفه عانيت أيضا ...بحثوا عني بهدف اعتقالي فهربت ...تعرفت بالسفير هناك حيث كنت فشفع لي عند الحاكم ....طاردوني برغم أني لم أجاهر بمعارضة ...ولم أجهر بما يمكن أن يشتم منه العداء ......
.........في زماننا يكفي أن تكون شريفا كي تشار لك أصابع الاتهام ....الشرف وحده تهمة ....
.........معك حق ...ورغم ذلك ساهم تدخل سفير في تليين قلب الحاكم فغفر لي ...
.........غفر لك ذنبا لم ترتكبه ...
.........صحيح ...يقال أن الحكام معذورون دائما ...لأنهم يسمعون باذان غيرهم ...ويرون بعيون غيرهم ....ويحكمون باراء غيرهم ...الحاشية هي التي تحكم نيابة عنهم ....
.........هذا تبرير واضح للظلم ...
والرواية مستمرة .....وسام

