اخذت انوال الزمن تنسج خيوطها متفاوتة في قوتها متباينة في ألوانها مدى خمسة عقود من السنين فكان الذي نسجته هو هذا الكاتب الذي يتقدم اليك بهذا الحديث وبأحاديث أخرى يتوالى ظهورها باذن الله تعالي لعله يوفق الى صورة يتمناها للمواطن العربي تتألف فيها العناصر تألفا يصون له وحدته وشخصيته ثم تتيح له التفوق والنصر في هذا العالم الذي كثرت سباعه وضباعه يضرس بأنيابها من لم يحاذر كما قال شاعرنا زهير في قديم الزمان واذا كان هذا هو موضوع هذا الحديث وما سوف يتلوه فلا منجاة لنا من اختلافات في الرأي بين كاتب وقارئ وبين قارئ وقارئ اذ الحديث عن المواطن العربي وكيف يجمل به ان يكون انما هو حديث مباح لكل من فك الخط ومن لم يفكه على حد سواء لحسبانه حديثا هينا لينا في وسع كل انسان أن يدلي فيه بدلو مع سائر الدلاء......ومن هنا أخذ هذا الكاتب حيطته منذ الكلمة الأولي جعلني اشير في صراحة إلى أن الر حدأي المعروض في هذا الحديث وفيما يجئ بعده من احاديث رأي لعربي ولكل عربي آخر أن يقول ما شاء فذلك لا ينفي أن عربيا ما كانت له رؤية فيما يجب أن يتألف في كيان المواطن العربي من عناصر ....
لم يكد هذا الكاتب يبدأ في ترتيب افكاره التي يريد عرضها حتى ظهرت له صورة من طفولته الباكرة تصلح أن تكون نقطة البدء فلقد تذكر يوما كان فيه تلميذا في الصف الأول الإعدادي وكان الدرس درسا في اللغة الإنجليزية وكان موضوع المطالعة بضعة اسطر جاءت في الكتاب وتحت صورة لحصان وقف بجواره غلام وقرأ أحد التلاميذ السطر الأول وكانت هذه هي كلماته ......
What a nice horse ahmed has .......
فقال المدرس....كيف ترون الترجمة العربية لهذه الجملة ...؟ فرفعت الأصابع تريد الإجابة وطلب المدرس من تلميذ أن يجئ بما عنده ثم دار الأمر على النحو التالي ......
التلميذ الأول ...احمد عنده حصان جميل .....
المدرس....لا هذه عبارة لا تكفي ......
التلميذ الثاني...عند أحمد حصان جميل ......
المدرس ....ولا هذه عبارة تكفي ......
التلميذ الثالث...ما اجمل حصان احمد ....
المدرس....انت احسن قليلا لكنها عبارة ما زالت ناقصة ......
ولم تعد هنالك اصابع مرفوعة وهنا قدم المدرس ماعنده فقال في نطق هادئ عميق الصوت بعد أن مد ذراعه اليمنى ليتكئ بأصابعها على منضدة الى جانبه وثنى ذراعه اليسرى واضعا يده على خصره ....ياله من حصان جميل عند أحمد .....ولقد مضت حتي الآن نيف وثلاثون سنة. منذ سنه طفل العاشرةترجمة المدرس للجملة المعروضة ومع ذلك فلا يزال هذا الكاتب يذكر كيف احس النشوة بتلك العبارة الجميلة وكيف أدرك بوجدانه أن الترجمة العربية في عبارة المدرس قد جاءت مطابقة اجمل تطابق مع الأصل الانجليزي ........
واقول أنه أدرك ذلك التطابق بوجدانه لأنه بالطبع لم يكن في تلك السن الباكرة قادرا على التحليل العقلي وكبر الطفل شابا فرجلا فشيخا وبقيت تلك اللحظة راسخة في ذاكرته أضاف إليها على مراحل العمر قدرة تزايدت مع الدراسة على الفهم الأشمل والأعمق فطرح على نفسه ذات يوم سؤالا يسأل به عن المقارنة الدقيقة بين تلك الجملة عن أحمد وحصانه الجميل في صورتيها الإنجليزية والغربية لعله يفع على السر الذي أدركه طفل العاشرة بوجدانه حين أدرك التطابق بين الجملة في صورتيها فكان أول مااجاب به هذا الكاتب عن السؤال الذي طرحه على نفسه هو أن هناك فرقا بين مجموعتين من المفردات اللغوية المستخدمة في كل من الصورتين ...أما المجموعة الأولى فتتألف من العناصر المشتركة بين الحالتي والتي لم يكن لأحد مفر من أن يجعلها مشتركة وهي في هذه الحالة ثلاثة عناصر ..احمد والحصان وجميل...وأما المجموعة الثانية فتتألف من العناصر المعبرة عن الواقع النفسي عند المتحدث وهي في هذه الحالة بالنسبة إلى الجملة العربية ...ياله من ...و..عند ...ومايقابلها في الصورة الإنجليزية ...واذا دققنا النظر في هذه المجموعة الثانية وجدنا اختلافا واضحا بين الصورتين العربية والإنجليزية ولهذا الاختلاف أهمية كبرى فقول العربي ياله من بعيد عن قول الانجليزي فيما يقابل ذلك ..وقول العربي عند أحمد مختلف اختلافا له مغزاه ن قول الانجليزي يملكه احمد فبينما الملكية التي يشار إليها في الجملة الإنجليزية توهم بدوام العلاقة بين المالك وما يملكه نرى العندية في اللغة العربية متضمنة معنى الزوال لأن الهندية مجرد ثلة مكانية قد تكون اليوم ولا تكون غدا......
وهنا اعرض على القارئ الأهمية الكبرى .التي أراها كامنة في الفرق بين الصورة العربية والصورة الإنجليزية لجملة واحدة مما يجري على السنة الأطفال وهو فرق نستطيع بعد ذلك تكبيره فنجده فارقا بين ثقافتين ..الثقافة العربية من جهة والثقافة الإنجليزية أو قل على نحو التقريب الثقافة الغربية من جهة أخرى فقد رأينا في الجملة البسيطة التي تحدثت عن حصان احمد وكم هو جميل مما ورد في مطالعة إنجليزية لأطفال في سن العاشرة أو نحوها أن الصورة الإنجليزية والصورة المتمثلة في ترجمتها العربية تتلاقيان حتما في عناصر مشتركة هي في هذه الحالة المعينة ...الحصان واحمد وجميل ..لكنهما مختلفتان في طريقة التعبير عن وقع الجمال في نفس الرائي كماتختلفان كذلك في تصور العلاقة بين الحصان وصاحبه وهي علاقة عبرت عنها اللغة العربية بما يشير إلى مجرد التحاور في مكان واحد كل هذا والأمر هنا هو أمر ترجمة من اللغة الأولى إلى اللغة الثانية ترجمة شهدنا لها بالدقة فما معنى هذه المقارنة بين الصورتين ...معناها أن الثقافتين المختلفين انما تختلفان في الموقف النفسي تجاه الواقع لكنهما لاتختلفان في الوقائع ذاتها فالعربي والانجليزي معا لايسع أيا منهما إلا أن يقر بوجود حسان وصاحبه فإذا هما افترضا معا ان الحصان جميل أراد كل منهما أن يعبر عن ذلك الجمال المفترض اختلف أحدهما عن الآخر في طريقة التعبير من جهة وفي المضمون النفسي الذي يريد أن يعبر عنه من جهة أخرى وذلك هو نفسه الموقف الذي نراه ماثلا أمامنا اذا ما أردنا المقارنة بين ثقافتين بأكملهما فإذا نحن تأملنا الجسم الضخم الذي نسميه ثقافة عربية والجسم الآخر الصخم الذي نسميه ثقافة إنجليزية وجدنا مشاركة محتومة في وقائع لأن الوقائع تفرض نفسها على الناس فرضا فالأرض ارض والسماء سماء والبحر بحر وهذا ارنب وتلك ذبابة واذا أراد رجلان من رجال العلم أحدهما عربي والآخر انجليزي أن يبحثا في صخر الأرض أو في افلاك السماء أو في ملوحة البحر أو في التركيب العضوي الأرنب والذبابة كان الاتفاق بينهما كاملا في تحديد الموضوع ثم انحصر التفاوت بينهما بعد ذلك في القدرة العلمية عند البحث في تفصيلات ذلك الموضوع وأما إذا ماكان الأمر أمر وقفة نفسية تجاه موضوعنا من موضوعات الواقع فعندئذ يكون الاختلاف فالكلب نجس عند العربي ويجب الحذر من ملامسته مع انه عند الانجليزي فرد من أفراد الأسرة التي ينتمي إليها .....والذبابة عند العربي شيء قد يستهان به لكنها عند الانجليزي خطر مخيف ........
وللحديث بقية......وسام......

