
عبود الزمر قيادي الجهاد الذي شارك في اغتيال السادات
توقفنا في الحلقة السابقة عند الحديث عن أهداف جماعة الجهاد، وكيف أنها تستهدف خلع الأنظمة الحاكمة عن طريق الجهاد عبر العنف المسلح.ومادام الأمر كذلك، ومادام هناك استخدام السلاح، فإن أسلوب عمل الجماعة يعتمد على السرية بصفة عامة، ولا يتم اللجوء إلى الأعمال العلنية إلا في نطاق ضيق جدا. وهم يرون في ذلك أن بداية دعوة النبي صلى الله عليه وسلم كانت سرية "المرحلة المكية"، وأن علة ذلك هو قلة العدد والاستضعاف، وحيث وجدا في دعوة، فلها التخفي حتى يشتد عودها.
لذا فإن التخطيط لأعمال الجماعة العسكرية كان لا يتم إلا في الخفاء، واعتبار ذلك أمرا واجبا والهدف الأساسي من وجهة نظرهم هو مباغتة الخصم وتحقيق النصر -أي نجاح العملية في تحقيق أهدافها المرجوة. ولقد كانت الجماعة حريصة على التزام أعضائها بمبدأ السرية حتى لا ينكشف أمرها إلى السلطات الأمنية، ومن ثم تم اعتبار السرية رأس مال المجاهدين حيث توفر عليهم الكثير من الجهد. وتمكنهم من مباغتة الخصم ومفاجأته.
عضوية الجماعة.. ذكورية فقط!
ولما كانت الجماعة سرية، ومهامها عسكرية عنيفة، فإن العضوية بها قاصرة على الرجال فقط دون النساء (وهذا هو طابع العضوية في الجماعات الإسلامية المسلحة بصفة عامة بعكس جماعات الإسلام السياسي التي تضم في عضويتها الرجال والنساء على حد سواء كالإخوان المسلمين مثلا). لذا فإن الجماعة تشترط على من يرغب في الانضمام لها أن يكون ملتزما بمنهجها واعتقادها وأهدافها، ولا يكون متهما في دينه أو خلقه أو عدالته. ومن يثبت عليه فساد أو خيانة أو مخالفة أصل من أصول عملها، جاز لها معاقبته أو إبعاده"فصله" وفق قائمة العقوبات " التعزيرات" التي أقرتها الجماعة.
ونظرا لصعوبة وخطورة المهام الملقاة على عاتق الجماعة، فهي لا تعد أعضاءها بالنصر، أو بإدراك أهدافها، فالغيب لا يعلمه إلا الله. وربما يكون هذا الإحساس بسبب فكرة الاستضعاف في مواجهة نظام الدولة. لذا فإن الجماعة لكي تشجع أفرادها على العمل الجهادي تؤكد لهم أن العبرة ليست بتحقيق الأهداف، ولكن ببذل الجهد، مع الأخذ بالأسباب قدر الإمكان، فالنصر ليس بالكثرة. ولعل ذلك ما دفع إلى الانضمام إليه بالرغم من العواقب الوخيمة التي قد تنتج على هذا الانضمام سواء تمثلت في السجن أو الموت "الشهادة" من وجهة نظرهم.
ويلاحظ أن أفكار الجهاد الخاصة بقلب نظام الحكم والسيطرة عليه عن طريق العنف، انعكس على نوعية أعضائها من ناحية ومناطق التركز الجغرافي لها من ناحية أخرى. فالجماعة كانت تركز بالأساس على الأعضاء العسكريين، أو الذين لديهم خبرة قتالية عالية على غرار جماعة الفنية العسكرية التي كانت متأثرة بالفكر الجهادي عام 1974، أو "عبود الزمر" و"طارق الزمر" -اللذين كانا ضابطين بالجيش- وذلك على عكس أعضاء الجماعة الإسلامية التي كانت تركز على الشباب، خاصة الجامعي تحديدا، فضلا عن أساس عملها كان العمل الدعوي وإن طرأ عليه العملي العسكري بعد ذلك. كما يمكن فهم أسباب تركز أعضاء الجهاد في القاهرة الكبرى -حيث مركز الحكم ومؤسسات الدولة- فضلا عن التواجد في بعض المحافظات الشمالية "وجه بحري" وذلك على عكس الجماعة الإسلامية التي تركزت في الوجه القبلي ومحافظات الصعيد تحديدا وقل تواجدها في القاهرة.
الجهاد من اغتيال "السادات" إلى "أيمن الظواهري"!

أيمن الظواهري أحد قيادات جماعة الجهاد سابقا
مرت جماعة الجهاد بمراحل هامة في عملية نشأتها، لدرجة دفعت البعض إلى التمييز بين الجهاد كحركة والجهاد كجماعة على اعتبار أن الجماعة هي أكثر تنظيما ولها هيكل واضح، على عكس الحركة التي قد تضم مجموعات متناثرة لا يربطها إطار واضح، فهي أشبه بخلايا عنقودية غير مرتبطة ببعضها البعض. لذا يمكن القول بأن الجهاد –كجماعة- برزت بصورة أولية عام 1981 على يد المهندس "محمد عبد السلام فرج" مؤلف كتاب الفريضة الغائبة، والذي كان يرى أولوية جهاد العدو القريب "الأنظمة الحاكمة العربية وطبعا في مقدمتها النظام المصري" على العدو البعيد "الدول الأجنبية". لكن الجماعة تبلورت بصورتها الكاملة في الفترة من 1989-1993 على يد أميرها "سيد إمام الشريف" المعروف باسم الدكتور "فضل" صاحب كتاب العمدة في إعداد العدة، والذي كتبه في بيشاور إبان الجهاد الأفغاني ضد الغزو الشيوعي السوفيتي، والذي صار مُنظّر الجماعة وأميرها في الوقت ذاته.
لكن هذه المرحلة لم تستمر سوى ثلاث سنوات فقط حيث قدّم الدكتور "فضل" استقالته عام 1992 بعد قيام السلطات المصرية بالكشف عن الجناح العسكري للحركة والمعروف باسم طلائع الفتح والقبض على أكثر من ألف شخص تابعين لها. وتولى بعده "أيمن الظواهري" الجماعة لتبدأ معه الحركة مرحلة جديدة كانت لها تداعياتها الكبيرة عليها، لدرجة أنها ساهمت في إحداث شرخ كبير داخلها ما بين أعضاء الداخل والخارج، والتي ساهمت في البحث عن فكرة المراجعات خاصة بعد بروز عمليات القاعدة التي خرجت من رحم تنظيم الجهاد.
ومن هنا يمكن القول بأن الجماعة مرت في عملية نشأتها وتطورها بخمس مراحل أساسية:
المرحلة الأولى: ما قبل عام 1981
المرحلة الثانية: التحالف مع الجماعة الإسلامية 1981- 1984" وهي تلك المرحلة التي شهدت تنفيذ عملية اغتيال الرئيس "السادات" شراكة بين الجماعتين.
المرحلة الثالثة: التأسيس الفعلي للجهاد كجماعة 1989-1992
المرحلة الرابعة: مرحلة "الظواهري" وتحالف الجهاد مع القاعدة (1993-1999)
المرحلة الخامسة: انقسام الجهاد وبروز المراجعات (1999-2007)، وسوف نحاول في الحلقة القادمة إعطاء نبذة مختصرة عن كل مرحلة وأهم ما تناولته من أفكار وآليات "عمليات" لتنفيذها على أرض الواقع لندرك مدى التشابه والتباعد بين هذه المراحل، وكيف أنها أفرزت في المحصلة الأخيرة فكرة المراجعات التي يمكن أن تدشن لمرحلة جديدة للجماعة هي مرحلة التحول إلى العمل السلمي غير العسكري، ونبذ العنف -وليس وقفه- إلى الأبد، لأن وقف العنف معناه إمكانية العودة إليه مرة أخرى عندما تتهيأ الظروف لذلك.
* *


