|
| بوستر الفيلم | لن يخذل "عادل إمام" المشاهد الذي جاء لحضور فيلمه الجديد "مرجان أحمد مرجان" بهدف الحصول على وجبة من المواقف الكوميدية التي تجعله يفرط في الضحك، فدوما ما كان عادل نموذجا للكوميديان الذي يربط المشاهدين ويحاصرهم بالمواقف التي تجعلهم يكشفون بياض أسنانهم طوال مدة العرض، وحتى بعده باسترجاعهم مواقفه وكلماته المضحكة.
لكنه سيخذل من يتطلع إلى ما هو أكثر من وجبة الضحك، فالفيلم سيضحكك حتما، لكن الأسئلة تثار في وجهك عن الفيلم ذاته والعمق الذي تحلى به، وعن "عادل" الذي حاول استعادة أمجاده في أكثر من عمل سينمائي سابق أو في شخصيات أو مواقف أضحكت الجمهور في جديده الذي كتبه السينارست "يوسف المعاطي" منصاعا لمقاس بطله الدائم، وأخرجه على إدريس.
الخلاصة هي أن الفيلم لم يزد من رصيد "عادل إمام" الفني والذي وصل إلى 120 فيلما مع الأخير "مرجان"، وكذلك الحال مع الفنانة القادمة من جديد "ميرفت أمين"، والتي تدخل موجة السينما الشبابية الكوميدية برفقة زعيم الكوميديا بعد انقطاع زاد على سنوات ست.
سلطة النقود
"عادل إمام" أو "مرجان أحمد مرجان" رجل أعمال ثري، يمتلك عشرات المصانع والشركات الضخمة، والمقتنع بامكانية الحصول على أي شيء عبر الأموال التي يمتلكها، والممارس لذلك قولا وفعلا.
وعبر تلك الفكرة المركزية التي يدور حولها الشريط الفني، شراء كل الذمم بالفلوس، تدور أحداث الفيلم بين أب يفتقد الثقافة والتعليم ويمتلك سلطة النقود، وعدي وعلياء ابنين جامعيين عصريين (شريف سلامة، وبسمة) (دون أن ندري كيف أصبحا كذلك في ظل رعاية أب لا يؤمن بغير النقود) يريدان أن يكبر والدهما في نظرهما بمعزل عن أمواله التي يعيشان في نعيمها دون أدنى شعور بالتناقض.
المحاضرة الجامعية "جيهان" (ميرفت أمين) والتي يحاول أن يتقرب منها "مرجان" تؤكد له أنه دوما هناك ما لا يمكن بيعه أو شراؤه رغم كم محاولاته وعروضه.
ما يفشل فيه "مرجان"، مؤقتا، هو شراء المحاضرة الجامعية "جيهان" ومن ثم الفوز بها واحترام ابنيه له، وهو ما يحاول تحقيقه بكل ما يمتلك من أموال وفساد من البداية ووصولا إلى تحقيق ذلك بطرق صحيحة بفعل مساعدة ابنيه وجيهان له ليدرس ويجتهد ومن ثم ينجح.
بداية يشتري مراقب الضرائب، ومن ثم رئيس الجامعة الخاصة التي تدرس لابنيه، ومن ثم لا يشتري الناخبين ليفوز بمجلس الشعب فقط بل وكاميرا المصور الذي ينقل جلسات مجلس الشعب على الهواء مباشرة، ومن ثم الشعر وأذواق النقاد ووزير الثقافة ليفوز بجائزة الدولة التقديرية للشعر، ومن ثم الجامعة التي يصبح طالبا فيها دون أدنى شهادات وهي التي يرغب بجعلها مكانا لكل شيء بدءا من التعليم إلى مراقص الديسكو والملاهي وصولا إلى المسجد ومحلات بيع الإشاربات.
شقاوة "مرجان"
لا يلعب الفيلم كثيرا على المفارقات في توليد المواقف المضحكة مع الإمكانية العالية لذلك والتي فشل المؤلف في تحقيقها بفعل الاستسهال فيما يبدو، بل يتم اللعب على شقاوة "مرجان" ومواقفه في سبيل تحقيق رغباته.
المشكلة تعمقت في بعض الأفيهات التي تكررت لدرجة أن فسدت وأفسدت ضحكات الجمهور كمشهد تقديم الرشاوي في مكتبة (الشاي بالياسمين) حيث تتكرر نفس الجمل والعبارات دون زيادة أو نقصان، أو مع كل إهداء لجائزة ينالها لرئيس الدولة أو وزيرها.
قد نتفهم عدم منطقية الأحداث أو التطورات التي تقود مرجان إلى الجامعة بداية ومن ثم إلى الدراسة بفعل خلق مفارقات كوميدية، لكننا لا نملك إلا التوقف عند تطور خط الفيلم الدرامي والذي لم يكن موفقا بتحول "مرجان" إلى طالب نجيب، كما أننا لن نتفهم تحول موقف المحاضرة "جيهان" من مرجان وصولا إلى الارتباط به لكونه نجح في الامتحانات وحصل على الشهادة دون أن تغير جوهري في فساده ورؤيته، أو حتى موقف ابنيه اللذين يتنعمان بأموال الفساد والسرقة ولا يزعجهم سوى أن أباهم تنقصه الثقافة والتعليم وهما اللذان يتضامنان مع مدرستهم "جيهان"، ويطالبان بالديمقراطية والحرية.
المبالغة والتناقض، والتحولات الحدية في شخصية "مرجان" كثيرا ما جاءت من دون أي إسناد درامي، كما أن اللجوء إلى أغاني سوقية مثل: أغنية "بوس الواوا" للخروج بمشهد كوميدي يعد إسفافا حتى في أغنية النهاية.
نقد يفتقد للعمق
مجمل المواقف الكوميدية لم تعتمد كثيرا على المفارقات في خلق الضحكة، ولم تلجأ للسخرية السوداء أو الكوميدية رغم الإمكانيات الكثيرة التي تضمنتها قصة الفيلم التي افتقدت للعمق ومالت أكثر لتسطيح وتبسيط مخلين.
وذلك ليس لعيب في الكوميديا ذاتها بل لضعف في السيناريو وكاتبه والذي ظهر أنه هنا لا يعترف بكوميديا عميقة ومحللة بل يرى أن جل دورها هو كشف مساوئ مجتمع ومشاكله وهو ما ظهر بضعف وارتجال أيضا.
رحلة "مرجان" في شراء ذمم الجميع من مؤسسات حكومية ووزراء وأعضاء مجلس شعب، انطلاقا إلى الموظفين البسطاء ورئيس الجامعة ومدرسيها، وصولا إلى نقد الظاهرة الدينية وحالات التدين التي انتشرت في الأوساط الثرية، وسلوكه الشخصي الذي يرفض أن يكون لابنيه أصدقاء من الجنس الآخر فيما يرضى لنفسه الرقص والشرب كل ذلك جاء دون عمق في نقد أي شريحة أو يقدم رؤية ما، حتى مع سلوكياته التي ينخرها الفساد نراه في النهاية النموذج الذي يرضي كبرياء "جيهان" وتقبل فيه بالزواج في زفة شعبية عريضة.
وهو هنا "يلطش" بالجميع دون أن يغوص في عمق أي طرف، فعل كمن أخذ "من كل قطر أغنية"، فهو القادر على شراء ذمة الطالب الجامعي الإسلامي ويجعله بوقا له يقوم على تلميعه، وينتقد المتدينات الثريات اللواتي لا يلتزمن بالدين إلا بلبس غطاء الرأس "المودرن"، هي ظواهر موجودة استحقت عمقا وتركيزا على مفارقاتها ومن ثم نسج من بينها علاقات كوميدية ومواقف يعيش المواطنون في خضمها. لكن عبثا..
تتغير قناعات "مرجان" وتتبدل سطحيا ودون أن يكون ما يبرر ذلك دراميا، بل جاء بشكل متكلف للغاية، فعلي خلفية الصدمة التي تعيشها ابنته علياء من ضربه لها ودخولها المستشفى يراجع تصرفاته و"يتوب" عن مجمل التصرفات التي كان يقترفها، هي توبة جاءت كوميدية تماما، وبثوب ساخر فظهرت تماما كمن يقدم رشوة "الله" كما يفعل مع بقية المرتشين في قاموس حياته، فصلي وساعد بعض المحتاجين لتشفى ابنته وتعود لحضن والدها المحب، ومن ثم يدرس بجد حتى يتمكن من النجاح، وهو نجاح لم يظهر منه شيء إلا أنه الوسيلة التي تتيح له نيل إعجاب أبنائه ومن ثم جيهان والارتباط بها.
الشاب عادل إمام
ركض "مرجان" خلف جيهان يؤكد على ولعه الدائم بالنساء، وهي تيمة رئيسية وتقليدية في أفلامه تتأكد في الفيلم أيضا، فهو الذي تشده المحاضرة الجامعية "جيهان"، ويقع في غرامها، وهو في سبيل ذلك يفعل المستحيل ليتقرب منها.
مضمون فيلم "مرجان" وطبيعة الدوار الذي يقدمه عادل إمام يمكن عبره فهم حالة السينما المصرية اليوم، هو دور مفتعل، مفبرك، مقتبس من أدوار سابقة، يدلل على حنين لكوميديا لم يقدر أبطالها على تطويرها والخروج بكل إمكانياتها.
عادل طمح في هذا الفيلم مع كاتب السيناريو في العودة إلى الشباب، حيث لبس بدلة الجينز، وذهب الجامعة، ولعب كرة القدم وحقق الفوز، ورقص مع الفتيات، إنها سينما الكبار التي تعود بمقياس لا يلائم إلا الصغار الذين قد نقبل منهم عثراتهم وقلة تجربتهم، وحتى فجاجة اختراعاتهم للضحكة. وهو ما لا يقبل من كوميديان كبير بمثل "عادل إمام".
إنها سينما الكبار التي جاءت لتحاكي سينما الشباب كي تحصل لنفسها على موطئ قدم، فظهرت صغيرة، مضحكة وضاحكة، وتدفع للرثاء أكثر من الحفاوة بعمل وظهور جديديين.
هدر القيمة
عودة "ميرفت أمين" بعد انقطاع طال ودام سنوات ست لم تكن موفقة في ظل الشخصية التي قدمتها، فافتقرت للعمق، فهي المدرسة الجامعية المنفتحة، والتي تؤمن بالعدل والخير والقيم والديمقراطية، وهي التي ترمز إلى النقاء والطهارة والتي يعجز مرجان عن شرائها بنقوده لكنها تتحول مواقفها من رجل فاسد لكونه درس فنجح ببساطة وسذاجة.
مشكلة الكوميديا في السينما المصرية الجديدة يكشفها فيلم إمام الجديد، هي كوميديا لا تخرج إلا عن البطل الواحد، تعاني من عدم الاكتمال، إنها لوحة لا يُضحك فيها إلا مكون واحد من مكوناتها وجميع جوقة الممثلين يصبون إلى إنجاح هذا البطل، إنها كوميديا تفتقر للعمق في تسطيح للكوميديا ذاتها، تقترب من العادي والسائد والمتكرر وتبتعد من العمق والخلق والنحت.
إنها كوميديا تطلق الضحكة وتفتقر للبهجة. وفيها تهدر قيمة السينما عبر الانصياع لمقومات الفيلم الكوميدي الشبابي والتي يلوثها كل من شباك التذاكر وأموال شركات الإنتاج التي تمتلك دور العرض واستسهال المؤلفين ومن ثم انصياع الممثلين كبارا كانوا أم صغارا.
ضحكاتك كمشاهد ستتلاشى بمجرد خروجك من الفيلم، ولن يبقى من النقد السطحي للفساد سوى القليل، وستترسخ صور ممثلين كبار تصاغروا أمام سطوة مفهوم سينما الشباب اليوم، والفعل الإيجابي للفيلم تمثل في كشفه عن موهبة كوميدية جديدة ممثلة بالمخرج الضعيف والكوميدي الموهوب "أحمد مكي".
محرر بنطاق ثقافة وفن في شبكة إسلام اون لاين.
|
ساحة النقاش