|
"أصابع ماريا" فداء مسلمي البوسنة! | ||||||
| ||||||
"عندما يقوم أناس قليلون بعمل أشياء صغيرة في أماكن متواضعة من العالم يمكن عند ذلك أن يتغير العالم".. بهذه الكلمات بلورت الناشطة الاجتماعية النمساوية ماريا لولاي (82 عاما) في تصريحات لشبكة إسلام أون لاين.نت نظرتها للحياة القائمة على تحدي الظروف التي قد تمر بالإنسان محاولة أن تثنيه عن طموح رصده لنفسه أو عمل أنيط به. "لولاي" شرعت منذ فترة شبابها في استيعاب لاجئي الحرب العالمية الثانية الوافدين على قريتها بإقليم النمسا السفلي، وتوفير الخدمات الإغاثية الأساسية لهم. وواصلت العمل الاجتماعي حتى عام 1992، حيث كونت شبكة إغاثية لدعم المسلمين اللاجئين الفارين من إقليم البوسنة إبان حرب البلقان الثانية واستيعابهم بتوفير المسكن والعمل. وحصلت في عام 1994 من مفوضية شئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة على وسام يمنح لأول مرة لمنظمة إغاثية. وفي العام نفسه فقدت أصابعها جراء فتح خطاب مفخخ أرسله لها معارضون لحملاتها الإغاثية لمسلمي البوسنة مستهدفين اغتيالها. إلا أن لولاي رفضت التوقف عن العمل وواصلت طريقها الذي رسمته لنفسها لخدمة بني البشر من كل لون وجنس. تكريم الاتحاد الإسلامي
"ماريا لولاي" كرمت يوم 24 أكتوبر 2006 في إطار حملة التضامن والدفء الاجتماعي الذي يروج له الاتحاد الإسلامي بفيينا؛ حيث قدم في احتفالية خاصة درعا تقديريا لممثل عنها، تقديرا لأنشطتها على مدار حياتها، خاصة ما أسهمت به من عمل لتيسير استقبال اللاجئين من البوسنة. ولدت ماريا لولاي في 22 نوفمبر 1924، قبل خمسة إخوة، في قرية بويسدورف بإقليم النمسا السفلي لأب يعمل مزارعا وأم ربة منزل. عانت أسرة ماريا الأمرّين خلال فترة حكم النازي؛ حيث كان الأب في حاجة إلى مزيد من العمل لتوفير الطعام اليومي لأسرته بعد أن منعه القوميون من مزاولة مهنته. فكانت الأسرة تعيش في حالة من الخوف والترقب أن يعتقل رب الأسرة في أي لحظة لأسباب سياسية. وإضافة إلى مطاردة الأسرة البائسة ومحاربتها في مصدر رزقها، منع النازيون ماريا وإخوتها من مواصلة الدراسة كنوع من الانتقام على رفض رب الأسرة التعاون مع قادة الحرب آنذاك. ومع مواجهة أول تحد في حياتها -المنع من الدراسة- حاولت ماريا تجاوز المحنة بالمشاركة في إعاشة أسرتها فعملت لدى المزارعين وخادمة في المنازل. وفي مايو 1945، بعد أن وضعت الحرب أوزارها، عايشت "ماريا" مأساة اللاجئين القادمين من ألمانيا وبولندا إلى قريتها والقرى المجاورة لها. فنهضت ماريا، وهي ابنة 19 عاما، بالتعاون مع صيدلانية واثنتين من الممرضات لتوفير الرعاية الطبية للاجئين الذين كانوا في حالة يرثى لها، حسبما تروي هي نفسها؛ حيث تقول: "يبدو أن الهدوء قد ولى عصره.. فالناس كانوا يرقدون أمواتا على أرصفة الشوارع، على النواصي وفي مداخل البيوت. وفي ظل هذه الظروف الطاحنة المخيفة كنا نحاول إغاثة المرضى والجرحى قدر استطاعتنا رغم ما نملكه من وسائل علاج بدائية.. كان عملنا كأنه مرافقة في طريق الموت.. احتباس مع الناس في ساعات أليمة". وأصيبت ماريا بالتيفود والملاريا مع من أصيب، بسبب تناثر الجثث في كل مكان، حتى أن بعضا من أهالي القرية سقطوا ضحايا الوباء. بينما استمرت ماريا في مواصلة نشاطها الإغاثي متحدية محنة المرض. مرشدة اجتماعية
وفي خريف 1945 بدأ حلم مواصلة الدارسة يداعب خيال ماريا مرة أخرى، فغادرت قريتها متوجهة إلى فيينا للبحث عن إمكانية لدراسة الطب. وبسبب عدم إنجازها امتحانات الثانوية العامة وجدت أن طريق الحصول على شهادة في الطب سيطول، فقررت أن تتأهل مهنيا للعمل كمرشدة اجتماعية. وبالفعل بدأت في سبتمبر 1945 مشوارها الدراسي في ظل ظروف مأساوية، حيث كانت نوافذ المبنى الذي تدرس فيه مسدودة بخرق "لا تسمن ولا تغني" من برد، فكانت درجة الحرارة في الداخل والخارج متساوية. علاوة على أنها لم تكن تجد ما تسد به رمقها، فعانت الجوع الشديد. ومع أيام الدراسة الأولى اشتد ألم مرض التيفود، فظلت طريحة الفراش مدة خمسة أسابيع، وصفتها هي بالقول: "لم أكن أعرف هل هذا هو انتظار النهاية أم المخرج للنجاة". ولكنها انتصرت مرة أخرى على إحدى محنها وعاودت الدراسة في نوفمبر 1945. وبعد دراستها ظلت تعمل مرشدة اجتماعية حتى عام 1979. ومع حلول عام 1981 دشنت "لولاي" مشروعها الإغاثي الخاص بتسيير 57 شاحنة مواد إغاثية إلى بولندا رافقت 23 منها، وذلك إبان فترة فرض الأحكام العرفية هناك. ومع بلوغها سن السبعين آثرت "ماريا لولاي" أن تظل في خدمة الضعفاء والمحتاجين من بني البشر، وشكلت لهذا الغرض في عام 1992 مع اندلاع الحرب في يوغوسلافيا شبكة إغاثية كبرى لاستيعاب اللاجئين الفارين من أتون الحرب. وانضم إلى هذه الشبكة نحو 50 من المتطوعين بقرية بويسدورف، التي كان يسكنها آنذاك نحو 5500 شخص. وتمكن سكان المنطقة من استيعاب 145 أسرة من اللاجئين وتسكينهم، فيما واصلت لولاي تشجيع بقية السكان على مساعدة الضيوف الجدد. وبالفعل تم استيعاب 580 لاجئا بمساهمات ذاتية من السكان، بل وفروا للاجئين إلى جانب المسكن، العمل والملبس ودورات في اللغة الألمانية. خطابات تهديد هذا المشروع الضخم كان محل تقدير وغضب في وقت واحد، فقد منحته المفوضية العليا لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة جائزة تقديرية خاصة في عام 1994 على المجهودات التي بذلت لخدمة اللاجئين. كما اختارها التليفزيون النمساوي سيدة العام لجهودها الإنسانية. إلا أن المتطرفين والعنصريين غضبوا من إقدام "ماريا لولاي" على تنفيذ مشروع ينقذ البقية الباقية من سكان إقليم البوسنة، ووصلتها خطابات تهديد لوقف هذا المشروع. إلا أنها استمرت في عملها دون خوف حتى صادف يوما أن تلقت خطابا مفخخا فقدت لدى فتحه أحد أصابعها. ولكن كعادتها في مواجهة ما تلاقيه من صعاب وأزمات طوال حياتها، رفضت لولاي الاستجابة لرغبات المتطرفين، وأسست حركة التضامن الإنساني لرعاية اللاجئين في عام 1995 في مسقط رأسها. وانتشر نشاط هذه الحركة على نطاق واسع وأقبلت القوى المتطوعة على دعم المشروع من جميع أنحاء العالم وقدموا المساعدات المالية والفنية المتخصصة. وتطورت الحركة وأصبحت تدعو إلى نشر روح الإنسانية في المجتمع حتى هذا اليوم. وتعيش ماريا لولاي الآن في العاصمة النمساوية فيينا في ظل ظروف صحية متأخرة بسبب الشيخوخة، إلا أنها ما زالت حاضرة الذهن، لتبقى مثالا يحتذى على إرادة الإنسان في مواجهة الصعاب، والتفاني في خدمة شركاء الإنسانية. | ||||||
|
| ||||||
|
** مراسل شبكة إسلام أون لاين.نت في النمسا، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للصفحة [email protected] |
نشرت فى 24 يناير 2007
بواسطة Mohamad2006
عدد زيارات الموقع
457,249





ساحة النقاش