كنوز الدنيا بملاليم!
نشرت الصحف أن القوات الأمريكية تبعث لجنودها في العراق وفي كل مكان بكل أنواع الكتب في الشعر والفن والتاريخ والعلوم. وتنتشر لهم إنتاجهم الأدبي والفني. ولا يدهشني ذلك.. لهم الحق أن يقرأوا تماما كما أنهم يأكلون ويدخنون ويفرفشون ويصلون في كنائسهم ومعابدهم في كل موقع يتخذونه..
وقد عرفنا ذلك في مصر أيام الحرب العالمية الثانية. فقد كانت القوات البريطانية تأتي لجنودها بما لا نهاية له من الكتب.. الأعمال الكاملة لكل الشعراء: بالانجليزية والترجمة عن الفرنسية والألمانية والإيطالية.. وكلها كتب يمكن وضعها في الجيب ـ أغرب كنز صادفته في حياتي وأنا ما أزال طالبا أنظر الى شراء كتاب كما ننظر اليوم الى شراء يخت أو طائرة خاصة. ولولا سور «حديقة الأزبكية» الذى كانت تباع عليه الطبعات القديمة من الكتب، ولولا العربات التى تحمل كتب قوات الحلفاء، ما تكونت لدي أول مكتبة.. هذه المكتبة بقروش معدودة. أذكر انني اشتريت «عربة كارو» عليها أكثر من مائة كتاب أنا وبعض أقاربي. وكانت فرحتنا عظيمة ونحن نساعد الحمار في جر هذه العربة الى بيوتنا والناس حولنا يضحكون على ما آل إليه حالنا: كيف أصبحنا باعة (سريحة) نبيع كتب الانجليز.. والحقيقة أننا لم نكن نبيع وإنما قد اشترينا أعظم ما في هذه الدنيا.
ولم يكن في هذه الكتب إلا عيب واحد أنها صغيرة الحروف.. ولذلك عندما كبرنا وأصبحنا قادرين على شراء طبعات كبيرة الحروف أهدينا هذه الكتب لمن يستطيع قراءتها.. لا أنسى ديوانا من الشعر للشاعر الايطالي ليوربادى.. وكانت القصيدة مكتوبة بالإيطالية على صفحة ويقابلها على الصفحة الثانية بالإنجليزية.. وكذلك ديوان الشاعر الألماني جيته (الديوان الشرقي للمؤلف الغربي) الذي ترجمه بعد ذلك أستاذنا عبد الرحمن بدوى. لم تكن عبارة عبد الرحمن بدوى سهلة. بل كانت أكثر وعورة من النص الألماني!
وقرأت رواية (عمال البحر) لأديب فرنسا العظيم فكتور هوجو.. ما هذا الجمال ما هذه الروعة. ما هذه الأبهة. كيف يقول وكيف يصف وكيف يغوص وكيف يحلق. الله يا أستاذ. وكنت اقرأ وأتذكر أنهم سألوه يوما: قل لنا يا أستاذنا العظيم كيف كتبت كل هذه الفيض الجميل الجليل؟ فأجاب في سهولة:لأنني أكتب سطرا كل يوم!
ولما أحب شابة صغيرة كانت تسأله: أرني أصابعك.. كيف تتدفق منها هذه المعاني..وكان يقول لها هذا هو الفرق.. من أصابعي تجيء المعاني ومن أصابع الله يجيء هذا الجمال ـ ويشير إليها!
الله يا أستاذ.
ومئات الكتب.. مئات النوافذ والأبواب والنسمات التي تفتح العين والأذن وتفتح الشهية على الذي أبدعه الإنسان نثرا وشعرا.. وبالملاليم!


ساحة النقاش