|
يسعى معظم الشباب في دولهم المختلفة إلى تفادي استحقاق تأدية الخدمة العسكرية الإلزامية ، لأنها تنتظرهم عند مفترق مهم وحساس من حياتهم ؛ قد يؤدي ولوجهم فيه إلى تحولات وانفصامات تعيد تشكيل حياتهم من جديد . وتتفاوت نتائج الخدمة العسكرية وآثارها بحسب وظائف الجيوش وكثرة مهامها ، ففي العراق قد تصل فترة الخدمة الإلزامية في الجيش إلى نحو 12 عامـًا ، وقد تمتد العمر كله ، وفي روسيا قد يدفع المجند حياته ثمنـًا لإرساله من دون تدريب إلى حرب الشيشان مثلاً . في العراق.. حرب تلو حرب، ويتواصل الكرب.. ولم تتم فرحة واستبشار باقي الجنود بالخروج إلى الحياة ، إذ ما لبث أن تم غزو العراق للكويت ، كي يتم استدعاء مئات الآلاف من الجنود إلى "أم المعارك" التي ساهمت نتائجها الحاسمة في خروج أعداد كبيرة من شباب العراق من أتون الخدمة العسكرية ، وأصبح وجود أعداد كبيرة من الجنود عبئـًا على قيادة الجيش التي عادت فقررت الالتزام بالفترات المحددة للخدمة العسكرية ، وعدم تمديد المدة . ومع تفاقم حالة الفساد الإداري بدأ الضباط في تلقي المبالغ في مقابل غض النظر عن دوام الجند في وحداتهم ، الأمر الذي حدا بالسلطات العراقية إلى إصدار قرارات بإيقاع عقوبات قاسية بالضباط الذين يتلقون مثل هذه الرشاوي . وعلى الجندي المجند أن يتحمل الأعباء التي من أبرزها تكاليف الانتقال إلى الثكنات التي تكلفه أكثر من راتبه الشهري بكثير ، إضافة إلى تدني نوعيات الطعام ، وشراء البذلة الإضافية وتوابعها من حذاء وبريه ونطاق وسترة شتوية ، علمـًا بأن الراتب الشهري للجندي العراقي يصل إلى نحو عشرة آلاف دينار . ولكنه غير كافٍ لمتطلبات النقل من وإلى الثكنة - وحدها - مما جعل الخدمة العسكرية عبئـًا مضافـًا على كاهل العائلات العراقية ولا سيما حين تشمل الخدمة العسكرية أكثر من ولد في العائلة الواحدة . تونس تخفض الخدمة إلى سنة واحدة وإضافة إلى ذلك أتى القانون الأخير والتعديلات التي أدخلت عليه بتسهيلات تتيح لمن لديهم موانع وجيهة تحول دون القيام بالخدمة العسكرية إرجاء فترة الخدمة إلى ما بعد استكمال دراستهم ، أو تدريبهم المهني ، أو حتى إعفائهم تمامـًا في حالات محددة ، ويعتبر الشباب الذين أكملوا سنة الخدمة العسكرية من ضمن جيش الاحتياط لفترة تستمر أربعـًا وعشرين سنة ، لكن عند الاقتضاء يحق لوزير الدفاع الإبقاء على أفراد الحصة في الخدمة الوطنية إلى ما بعد الفترة القانونية ، أو معاودة دعوتهم للخدمة المباشرة . وقد لوحظ أن التكوين العسكري صار يركز على استيعاب الشباب في كليات عسكرية متعددة التخصصات مما يدل على إعطاء الأولوية لنوعية التكوين وليس الكم . ولمراعاة ظروف الطلاب في الجامعات والعاملين في قطاعات اقتصادية دقيقة ، والذين لا يستطيعون أداء الواجب العسكري أدخل التونسيون نظامـًا جديدًا يعرف "بالتعيينات الفردية" ، ويتمثل ببقاء المجند في موقع العمل أو الدراسة مع دفع ضريبة شهرية لوزارة الدفاع بعدما يتلقى تدريبـًا مكثفـًا على استخدام السلاح يستمر فترة قصيرة ، وامتد هذا النظام ليشمل الطلاب والعمال التونسيين المغتربين ، بشرط الاستظهار بشهادة إقامة في بلد عربي أو أجنبي ، وشهادة التسجيل لدى الجامعة أو المؤسسة التي يعمل فيها ، ويعفى من الخدمة كل من يثبت طبيـًا أنه غير مؤهل للقيام بالواجب العسكري ، أو من لديه أسرة في كفالته . 400 بليون ليرة يوفرها المجندون اللبنانيون مأساة الشباب وملهاة آخرين . ومن كان يتصور أن تتحول قضية "الوطنية" والدفاع عن الأرض والأهل والمال من قضية دينية عقيدية إلى مأساة متجددة باستمرار ؟! . ومن بوسعه أن يدرك كيف تحول جيل الشباب المفعم بالحيوية والنشاط والطموحات ، الذي هو القاعدة الأساسية في البناء والتنمية إلى جيل محبط ، مليء بالحسرة والندم على ما مضى من العمر ؟! . وكيف يمكن للطموحات أن تعيش في ظل الفساد العريض الذي يسود أجواء "الجيش" في بلادنا ؟! وهل دار في خلد الشباب العراقي مثلاً الذي دخل الجيش في سن 18 سنة 1980م أن يخرج منه في سن 28 سنة ، ثم يدخل في مأساة حرب الخليج الثانية المستمرة حتى الآن ؟! بين مأساة الشباب ، وملهاة آخرين تضيع الأوطان باسم الدفاع عنها ، فهل إلى خروج من سبيل ؟! . |
نشرت فى 1 نوفمبر 2006
بواسطة MYHYA
عدد زيارات الموقع
173,639


ساحة النقاش